عادات وتقاليد الحجاج البشانقة أهل البوسنة والهرسك – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في أغسطس 6, 2014 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

بعد فترة وجيزة من بدء الحرب في البوسنة والهرسك في عام 1992م انهال على الساحة الثقافية العربية سيل من الدراسات والكتب عن قضية البوسنة والهرسك . وكان التركيز في أغلب الأحوال في معظم هذه الكتب على الأحداث اليومية ووقائع الحرب بمذابحها وأهوالها ومشاهدها المروعة وجرائم الحرب ، وعلى التواطؤ الفاضح للغرب والتخاذل المهين للمجتمع الدولي ومنظمته الدولية ..أما الجانب التاريخي المتعمق عن البشانقة سكان البوسنة والهرسك وعن بلادهم وتاريخهم فيبدو ناقصًا مبتورًا وغامضًا .خاصة إذا تعلق الأمر بعادات وتقاليد هذا الشعب العريق بركن مهم من أركان الإسلام وهو الحج .

فقد أبدى البشانقة المسلمون طوال تاريخهم اهتماما بالحج باعتباره ركنًا أساسيا من أركان الإسلام ، ولذا ارتبط لديهم بالعديد من العادات الشعبية الخاصة بالاحتفال بتوديع الحجاج البشانقة واستقبالهم . ووجدت الأمور المرتبطة بالحج من الاستعداد له والاحترام والدعاء والسفر وأداء أركان الحج وعودة الحجاج واستقبالهم – انعكاسًا بشكل أو بآخر – في مختلف الإبداعات الشعبية .

وكانت هناك حتى عم 1935م عادات متميزة في موستار من أجل توديع الحاج ، يصفها لنا جمال الدين سيد محمد بقوله :” إذ يصطف التلاميذ أمام الكُتَّاب ويتحركون بصحبة معلمهم صوب منزل الشخص الذي ينوي التوجه إلى الحج . ويقرأ بعض التلاميذ الأدعية بصوت عالٍ ويُؤَمن على دعائه الباقون في الموكب . وبالتدريج يتضخم الموكب بانضمام أولاد آخرين إلى أن يتم الوصول إلى منزل الحاج . وبينما يتخذ الحاج استعدداته الأخير للسفر يستمر التلاميذ الموجودون في الغناء في الدعاء والتأمين عليه . وبعدما ينهي الحاج استعداداته ويوزع الهدايا المالية والمناديل المطرزة على التلاميذ ويمنح المعلم هديته المألوفة يتحرك الموكب صوب الجامع يتقدمه الحاج ، وخلال سيرهم – أيضًا – في اتجاه الجامع يقرأ التلاميذ الدعاء ويؤمنون عليه ويتضخم الموكب إلى أن يصل إلى الجامع . ويدخل الحاج إلى اجامع الكبير لأداء ركعتي الإحرام والدعاء ، وفي هذه الأثناء يستمر التلاميذ في الدعاء والتأمين عليه . وبعد خروج الحاج من الامع يتفرق التلاميذ إلى منازلهم ويودع البعض الحاج ويصاحبه البعض الآخر إلى محطة السفر” .

وبالأسلوب نفسه كان يتم في موستار استقبال الحجاج عند عودتهم من الحج إذ يستقبلهم تلاميذ الكُتاب في المحطة مع تلاوة الأدعية والتأمين عليها ويستمرون في مصاحبتهم في موكب إلى أن يصلوا إلى منازلهم حيث تكون الموائد الحافلة بالأطعمة معدة للتلاميذ والمدعوين . ومن ناحية أخرى يتم توزيع كميات كبيرة من الحلوى على سكان المدينة .

وكانت هناك عادة في سرايفو ؛ أن يصلى الحجاج بعد عودتهم من الحج أول جمعة في جامع السلطان ، ومن المعتاد بعد عودته أن يظل الحاج بمنزله ثلاثة أيام دون خروج إطلاقًا يستقبل فيها الضيوف وبعدها يقوم بتبادل الزيارات مع الجيران والأقارب والأصدقاء .

وقد اختلفت الظروف حاليا وتيسرت سبل السفر فقد تغيرت نسبيًا أيضًا العادات والتقاليد الخاصة بتوديع واستقبال الحجاج البشانقة ، فمن المعتاد أن المتوجين إلى الحج يرتبون ، وبعد إنهائهم لإجراءات الإحرام في الجامع ، يرتبون في منازلهم لدائرة ضيقة من الأصدقاء والأقارب احتفالا مناسبًا يتم فيه إنشاد قصائد المدح النبوي وقراءة الأدعية من أجل القيام برحلة سعيدة .

وفي الأيام المحددة للسفر وفقًا لبرنامج رحلات الحج الذي تصدره مشيخة الجماعة الإسلامية يصاحب الأقارب والأصدقاء الحجاج بمختلف السبل مع إنشاد القصائد الدينية والتكبير من منازلهم وحتى مراكز التجمع المحددة للحجاج حيث يتم ترتيب وداع مشترك للحجاج ، ويرافق أقرب الأقرباء والأصدقاء فقط حجاجهم إلى مطار الإقلاع حيث يودعونهم ويتمنون لهم رحلة سعيدة ، وعادة ما يحضر مثل هذه الاحتفالات للوداع المسئولون بمشيخة الجماعة الإسلامية .

وبطريقة مماثلة يتم استقبال الحجاج بعد عودتهم وينتهى الاستقبال في أغلب الأحيان بإقامة الولائم في منازلهم وتقديم مختلف الهدايا المناسبة التي يحملها الحجاج لأقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم . والهدايا المألوفة التي يحضرها الحجاج لأقاربهم كالملابس بمختلف أنواعها والسجاجيد والحلى والعطور والمسابح وأغطية الحجاب والإيشاربات وحناء الشعر وما شابه ذلك . وكانت هذه الهدايا وغيرها من الحاجيات التي يجلبها الحجاج بصحبتهم تسمى فيما سبق بالسحارات . ومن الأرجح أنها سميت بذلك لأن الحجاج كانوا يجلبون حاجياتهم في صناديق خاصة تسمى “السحارات” ، وفيما بعد كانوا يستخدمون هذه الصناديق لنقل وحفظ مختلف الأشياء الثمينة في منازلهم مثل ملابس الأعياد والملابس الرسمية والحلى والأموال وما شابه ذلك . وكانوا يطلقون على هذه الصناديق “سحارات الكعبة ” وكانت على الدوام مصنوعة بأشكال فنية جميلة ومرصعة بالزخارف .

ويصاحب أيام الحج عند البشانقة حرصهم على ذبح أضحية العيد أكثر من اهتمامهم بتأدية أركان الإسلام الأخرى ، ويعزى البعض هذا الاهتمام الكبير بالأضحية إلى وجود معتقدات مختلفة لدى البشانقة لاسيما في القرى بأن ذبح أضحية يشفى من الأمراض وينجى من ينحرها وأسرته من المآسي والمصائب والأهوال والمهالك .

ويهمنا في هذا الصدد أن نوضح إحدى العادات البشناقية الحديثة المفيدة للغاية المتعلقة بذبح الأضحيات لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من البشانقة الراغبين في نحر الأضحيات وتسهيل ذلك لهم بخاصة بالنسبة لأولئك الذين لا يتوفر لديهم مكان للذبح بسبب الزحف العمراني السريع والظروف الصحية والبيئية وغير ذلك من ظروف السكن والمعيشة فإن مشيخة الجماعة الإسلامية تنظم كل عام عملية الذبح للراغبين على أرض مزرعتها الواقعة في منطقة “يارتشيدول” وفقا لتعاليم الشريعة الإسلامية .

وهذا أمر مهم للغاية بالنسبة لدولة تقع في عقر دار أوربا حيث لا يتم الذبح في كثير من الأحيان وفقا للشريعة الإسلامية ،ويهب كثير من البشانقة لحوم هذه الأضاحي من أجل إطعام تلاميذ وتلميذات مدرسة الغازي خسرو بك وطلبة كلية الدراسات الإسلامية بسرايفو . ويؤكد المسؤلون بالمشيخة الإسلامية أن هناك تطويرًا مستمرا وتحسينًا في أسلوب تنفيذ عملية الذبح وتوزيع لحوم الأضحيات وجلودها بشكل يفيد الجميع ويرضيهم ، كما يجري اتخاذ اللازم لتسهيل حضور أصحاب الأضحيات عملية الذبح وأداء الواجبات والعادات المصاحبة لها مثل التوضأ وصلاة ركعتين والاشتراك في التهليل والتكبير وما إلى ذلك .

عادة ما يطوف الصغار في العيد بأقرب أقاربهم وجيرانهم ، سواء بمفردهم أو مع آبائهم ، من أجل التهنئة بالعيد ، وغالبًا ما يفعل الصغار ذلك وهم في مجموعات وخصوصًا عند الذهاب إلى منازل قريبة من منازلهم ، وبالطبع يحصلون على العيديات . أما الرجال فيفضل أكثرهم القيام بزيارات العيد للجيران والأقارب والأصدقاء في اليوم الثاني أو الثالث من أيام العيد ، واليوم الأخير محجوز عادة لتبادل الزيارات بين النساء وذهابهن إلى منزل الوالد ، ومن هنا يطلقون على هذا اليوم “عيد النساء” .

وفي مدينة “تريبني  على الطريق إلى سراييفو” كانت توجد حتى عام 1935م عادة بأن يقوم الأولاد بعد صلاة العيد بالطواف في جماعات وهم يحملون الرايات الخضراء إلى وقت المساء على منازل المسلمين في المدينة وضواحيها القريبة ، ويدخلون جريًا إلى كل فناء وعلى الفور يأخذ أحدهم في إنشاء إحدى القصائد الدينية ،وبعد الدعاء والتأمين عليه يحصل الصغار من رب البيت على ” العيدية ” ويهرولون إلى فناء آخر وهكذا بالترتيب إلى أن يطوفوا بكل المنازل في المدينة وضواحيها وفي الختام بعد انتهاء الطواف بكل الأماكن يوزع الصغار العيديات التي جمعوها على أنفسهم بالتساوي .

التعليقات