حقيقة اليهود في الغرب – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

هل كان لليهود في إنجلترا وضع يختلف عن بقية الجماعات اليهودية في أوربا العصور الوسطى ؟ وما أقدم تاريخ للوجود اليهودي في إنجلترا ؟ وما ظروفه التاريخية ؟ هذه الأسئلة وما يتفرع عنها بالضرورة من أسئلة ثانوية ، هى محور كتاب ” اليهود في إنجلترا العصور الوسطى ” الصادر مؤخرًا في القاهرة عن دار عين للدراسات ، للمؤرخة المصرية  زينب عبد المجيد  التي حاولت استكشاف الحقيقة التاريخية لأوضاع اليهود في إنجلترا العصور الوسطى بدءًا من الغزو النورمانى لانجلترا عام 1066م على يد وليم الفاتح الذي حول إنجلترا إلى تابع ثقافي لفرنسا وأنتج تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة ، كان من أهمها استقدام اليهود إلى إنجلترا حتى طردهم نهائيًا على يد الملك أدورد الأول 1290م . لتكشف زينب عبد المجيد عن قدرة بحثية جيدة ، وموضوعية تليق بالبحث العلمي في دراسة مثل هذا الموضوع الذي يوضح الاختلاف الشديد بين تاريخ يهود الشرق ويهود أوربا ففي الوقت الذي نعم فيه يهود البلدان الإسلامية بالتسامح ، مما أتاح لهم فرصة الاندماج في مجتمعاتهم ، بلغت حملات اضطهاد اليهود في أوربا ذروتها ، ورغم ذلك فإن البلدان العربية الإسلامية هى التي دفعت ثمن الاضطهاد الغربي لليهود عندما شكل هذا الاضطهاد مبررا معنويا للغرب لتجميع اليهود في دولة واحدة هى التي أصبحت فيما بعد دولة إسرائيل ، أما المجتمع الغربي الذي تسبب في هذا كله فقد تنصل من مسؤولياته ، بل ساعد في إلقاء الجريمة على أكتاف المجتمع العربي .

أوضحت الدراسة أن المال ، والدين ، السياسة هى العوامل الرئيسية التي حددت ملامح طبيعة الوجود اليهودي في إنجلترا وكشفت عن دور الكنيسة الكاثوليكية في تردي وضع الجماعات اليهودية وما حاق بها من متاعب من خلال وابل من القرارات البابوية أسهمت في إذكاء المشاعر المعادية لليهود ، عبرت عن نفسها في سرعة تصديق خرافة اتهامهم في دم المسيح ، والذي جاء نتاجًا للأجواء المصاحبة للحروب الصليبية التي جاءت الدعوة لها ملبدة بغيوم العداء لليهود .

كشفت الدراسة عن الأعباء المالية للتاج الإنجليزي على المستويين الداخلي والخارجي ، تطلبت النظر إلى اليهود باعتبارهم مصدرًا ماليًا لا غنى عنه في تمويل الاحتياجات الملكية ، من خلال إخضاعهم لضرائب لا حصر لها بدرجة تفوق ما يفرض على الشعب الإنجليزي ، مقابل إطلاق يد المرابين اليهود في استغلال النــاس .

كما ناقشت الدراسة كيف ألقت النهضة الفكرية والعلمية التي شهدتها إنجلترا في القرن الثاني عشر بظهور الجامعات مثل جامعتي أكسفورد وكمبريدج ، بظلالها على اليهود بالمملكة ، من خلال فيض من الكتابات المؤثرة لعدد من رجال اللاهوت الأخلاقي في المجتمع الأكـاديمي ، وأبرزهم الدومنيكاني الشهيــر روبرت جروستيت ، والذين أسهمت آراؤهم في تهيئة الأجواء لإصدار مرسوم اليهود في عهد الملك إدوارد الأول عام 1275م .

في المشهد الأخير من الدراسة ترصد المؤرخة زينب عبد المجيد التطورات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الإنجليزي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بظهور المدن ، والحراك الاجتماعي الذي أسفر عن ظهور الطبقة المتوسطة ، التي رأت في الوجود اليهودي بالمدن حجر عثرة في سبيل مصالحها الاقتصادية والاجتماعية ، وفي ضوء حقيقة إنفراد المجتمع الإنجليزي بقدر من الخصوصية فيما يتعلق ببنائه السياسي والاجتماعي والديني وبزوغ الروح القومية وكراهية الأجانب ، تتضافر كل العوامل اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وكنسيا لطرد اليهود عام 1290م . ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة المعتمدة على المصادر الأصلية في فترة فارقة ومنعطفًا حاسمًا في تاريخ إنجلترا خاصة وتاريخ أوربا بشكل عام مع بداية الحروب الصليبية ومعاناة اليهود في أوربا ذاتها قبل أن تصل الجيوش الصليبية إلى الشرق الإسلامي لتصطدم الروح الدينية الجديدة والمتطرفة أول ما اصطدمت بيهود أوربا الرمز الأول للكفر ، والعدو التقليدي للرسالة المسيحية في نظـر أهل العصور الوسطى من المسيحيين في أوربا ، لتمارس الجماهير الثائرة الاضطهاد في شتى صوره ضد الجماعات اليهودية في محاولة ” لتطهير البيت من الداخل ” كما أدعى زعماء الحركة الصليبية قبل تطهيره من الخارج ، والداخل هنا يرمز إلى يهود أوربا ضحية الفوضى التي استشرت بين القوات الصليبية ، وعدم انتظامها وانقيادها أثناء خروجها من أوربا متجهة إلى الشرق ، فنهبت وخربت كل ما صادفته في طريقها ، وكان يهود المدن الواقعة على طريق الحملات الصليبية أول من تعرض لهذا النهب والسلب ، ولم تسلم بعض الجماعات المسيحية من هذا إذ لم يكن في قدرة الجيوش المتحركة التمييز بين اليهودي والمسيحي وهى في طريقها إلى الأرض المقدسة ، وكانت النتيجة أن عرف اليهودي والمسيحي الأرثوذكسي حد السيف الصليبي قبل أن يعرفه المسلم .

وخيرت جماهير الصليبيين الشعبية العنيدة اليهود بين الردة أو الموت ولم تستطع بعض الأصوات الكنسية ومعها الدولة الوقوف في وجه ما يشبه بالثورة الشعبية ضد اليهود ووجدت كراهية اليهود مخرجًا لها في أعمال النهب والسلب التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كل حملة صليبية خلال مائتي عام ؛ فانتهت جماعات يهودية بأكملها وقتل كثير من اليهود ممن رفضوا التعميد ومع الحملة الصليبية الثانية وازدياد حركة الاضطهاد ضد اليهود ظهر بين اليهود طقس جديد يسمى طقس الاستشهاد ؛ قطع فيه اليهود رقاب زوجاتهم وأولادهم وهم يتلون الصلوات الخاصة بذبح الحيوانات ، ثم ينتحرون هم بعد ذلك ، وحين  رفض بعض رجال الدين الاضطهاد الواقع باليهود فإن رفضهم كان نابعًا من الرغبة في الاحتفاظ بالعنصر اليهودي كشهادة عن الإيمان المسيحي وانتصار الكنيسة ،  وبهذا الاضطهاد الصليبي دخل يهود أوربا في عصور الظلمة التي استمرت في بعض المناطق من أوربا إلى بداية القرن العشرين ، ليرتبط اضطهاد اليهود بالغرب وتاريخه وآدابه التي امتلأت بمظاهر الازدراء والنفور من الشخصية اليهودية في مسرحيات شكسبير وقصص كنزي وثاكري لتواجه على الجانب الآخر بسيل من المرويات الشفاهية التي  تخرج من المطابع  ترتدي ثوب التاريخ وهى تتحدث عن اليهود في أوربا وعن معاناتهم ؛ لدرجة أن فرعًا من فروع الأدب اليهودي عرف “بأدب الشكوى” يتحدث في شكل مأساوي حزين عن “معاناة” اليهود في أوربا ؛ لاسيما في فترة العصور الوسطى ، وعلى الرغم من أن الدراسات التي جرت حول هذا الموضوع في أوربا والولايات المتحدة ـ ناهيك عن إسرائيل نفسها ـ كثيرة إلى درجة الغزارة ؛ فإن الدراسات العربية قليلة إلى حد الندرة من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة المتخصصة والتي تضمن المتعة حتى لغير المتخصص .

Picture 214

التعليقات