القدس بين الآباء الفرنسيسكان ومزاعم اليهود – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ مدن دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

عدد قليل جداً من بلدان العالم هى تلك التي يتمركز فيها هذا العدد الكبير من الطوائف الدينية في منطقة واحدة .

وهذه الظاهرة الغريبة التي جعلت من الشرق معرضاً للتاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي ؛ أنها القدس ؛ تلك المدينة المقدسة التي لها الحق في أن تفخر بوجود أكبر مجموعة من الطوائف المسيحية حيث كانت جاذبية مهد الدين سببا كافياً لكل طائفة مسيحية لكي تتمسك بمكانها في المدينة المقدسة . فقد كان السير في شوارع القدس في العصور الوسطى مع إمعان النظر في الكنائس اللاتينية الفاخرة ، والكنائس اليونانية العديدة ، فضلاً عن الكنائس الصغيرة المتواضعة لبقية الطوائف ، أشبه ما يكون بالتجوال في أرجاء متحف غني بكنوزه من متاحف التاريخ الكنسي . وكانت طائفة الآباء الفرنسيسكان واحدة من أقدم الطوائف التي حافظت على تراث الرهبنة في الأرض المقدسة وقامت برسالتها في خدمة الحجاج المسيحيين في فلسطين منذ أقام القديس فرنسيس وأتباعه من الرهبان فوق جبل صهيون بمدينة القدس منذ عام 1219م ، حين سمح لهم الملك المعظم عيسى سلطان دمشق ـ بناء على طلب أخيه الملك الكامل سلطان مصر ـ بالإقامة هناك في مقر هادئ وبسيط ينقطعون فيه للتعبد . ومع بداية عام 1223م أصدر البابا هنريوس الثالث المرسوم البابوي Solet annuere  الذي اعترفت الكنيسة الكاثوليكية بمقتضاه بطائفة الرهبان الفرنسيسكان . وكان الهدف الرئيسي من إقامتهم فوق جبل صهيون أن يحصلوا من السلطات الإسلامية على حق رعاية الأماكن المسيحية المقدسة القائمة فوق الجبل المتعلقة بحياة السيد المسيح ـ على وجه التحديد ـ عُليّة صهيون وقاعة الحوارييّن .

حيث دخلت تلك البقعة منذ أمد بعيد ، في قلب التاريخ الروحي والزماني للوجدان المسيحي، بطريقة لا فكاك عنها؛ فعلى التل الجنوبي الشرقي من جبل صهيون كانت تقوم مدينة النبي داوود ، وأمامها فوق التل الجنوبي الغربي من الجبل ، كانت توجد مقابر أنبياء اليهود على بعد بضعة مئات من الأمتار جنوبي سور سليمان . وبجوار هذه المقابر كانت توجد عُليّة والد يوحنا مرقص أحد تلاميذ السيد المسيح ، والتي كانت مكاناً مختاراً لاجتماعه بهم.

ويصف الدكتور احمد دراج في سياق حديثه عن وثائق دير صهيون تلك العُليّة بقوله :” كانت هذه العُليّة عبارة عن مبنى يتكون من طابقين قائمين على عقدين مزدوجين . فأما الطابق الأرضي فكان قليل الارتفاع ويتكون من قاعتين ؛ قاعة شرقية مستطيلة يبلغ طولها سبع خطوات ، وذات سقف معقود على هيئة قبو ، ولها كوّتان صغيرتان في الحائط الشرقي يدخل منها الشمس ، وفي هذه القاعة يوجد قبر أجمعت الروايات فيما بعد على أنه القبر الذي يحوى رفات نبي الله داوود . وأما القاعة الغربية فملاصقة لهذه القاعة غير أنها أقل ارتفاعاً منها” .

وفوق هاتين القاعتين كانت توجد قاعتان عُرفتا بعُليّة صهيون الفوقانية تمييزاً لهما عن القاعتين المقابلتين لهما بالطابق الأرضي . فأما القاعة الغربية منما فهى التي تناول فيها السيد المسيح مع حوارييه العشاء الأخير الذي يرمز في الوجدان المسيحي إلى سر القربان المقدس .

وأما القاعة الشرقية من الطابق العلوى لذلك المبنى فهى التي عرفت بقاعة الحواريين لأن السيد المسيح ، حسبما تذكر الرواية المسيحية ، كان يجتمع معهم بها خلال الأربعين يوماً التي أعقبت قيامه من القبر وقبل أن يُرفع إلى السماء . لذلك كانت هذه القاعة مخصصة لاجتماع الحواريين فيما بعد ولاحتفالهم بعيد العنصرة.

وعلى مقربة من ذلك المبنى كان يوجد العمود الذي شهد آلام السيد المسيح في محنة الصلب ، والبيت الذي عاشت به السيدة مريم البتول عليها السلام طوال الأربعة عشر عاماً التي أعقبت رفع ابنها إلى السماء ثم توفيت به وكذلك الحجر الذي رُجم فوقه القديس اتيين.

وفي القرن الرابع الميلادي أقام البيزنطيون كنيسة كبرى فوق هذا المبنى ، عُرفت بكنيسة “صهيون” وظلت هذه الكنيسة قائمة إلى أن سقطت في عام 1217م . ولم ينج من الهدم سوى الجانب الغربي من المبتى القديم ، أي عُليّة صهيون الفوقانية ، وكذلك القبو الذي يوجد به قبر النبي داوود في الجانب الشرقي . وبعد طول إهمال اعتنى المسلمون بهذه الأماكن المقدسة حيث ظلت تلك “العُلية” قائمة مزاراً يهوى إليه أفئدة الحجاج المسيحيين من كل فج عميق ، وأقام المسلمون فوق القبو مسجداً عظيماً تكريما وتعظيماً لنبي الله داوود . وأشاد الحاج المسيحي ريكولد دي مونت كروس Ricold de Mont Croce الذي أدى فريضة الحج آواخر القرن الثالث عشر وزار فيما زاره تلك الأماكن القائمة فوق جبل صهيون .

وقد تمكن الرهبان الفرنسيسكان من السلطات الأيوبية في عام 1245م على حق توليهم رعاية هذه الأماكن المقدسة . وفي مستهل عام 1335م أتيحت لهم فرصة توسيع مقرهم الأول وبناء دير صهيون الذي ضم عُلية صهيون وكنيستها التي أعادوا بناءها , وكذلك المقدسات المسيحية الأخرى المجاورة لها فوق الجبل ويُقال أن كل ماتم جاء بعد أن آلت ملكية هذه المنطقة إلى روبرت الأنجوى ، ملك صقلية ونابلي الذي نجح في ذلك العام في شرائها من السلطان الناصر محمد بن قلاوون مقابل سبعة عشر مليوناً من القطع الذهبية على أقرب الأقوال !!

ومنذ نهاية القرن الحادي عشر والروايات المسيحية واليهودية تتواتر على صحة وجود قبر داوود بهذا القبو كما اتخذ منه الرهبان المقيمين بالدير مدفناً لموتاهم . وكان كونت تولوز قد اختار المكان المجاور لهذا المكان مقراً ومعسكراً لفرسانه من البروفنساليين عقب إسقاط الصليبيين لبيت المقدس.

ولم يهتم اليهود بهذه الحقيقة إلا بعد قيام مملكة بيت المقدس الصليبية فقد جاء ذكرها عند الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي (1165 ـ 1173م) :”وتحيط بالقدس الجبال الشاهقة منها جبل صهيون . عليه قبر الملك داوود وسائر الملوك من آله .وحدث قبل خمس عشرة سنة أن تداعى جدار البيعة التي على جبل صهيون .فأمر البطريرك بعض أتباعه من الرهبان بإعادة رمّه وأوصاهم بأن يأخذوا الحجارة من أسوار صهيون الشرقية ،وبينما هما يشتغلان ، اقتلعا حجارة وجدا تحتها فجوة تؤدي إلى غار عميق ووجدا نفسيهما وسط قاعة كبرى محكمة ، معقود سقفها على أساطين من رخام موشاة بفضة وذهب . وفي القاعة خوان عليه صولجان وتاج من خالص الذهب ، ويتوسط القاعة قبر داوود (ع) ملك إسرائيل وإلى يساره قبر ولده سليمان وقبور سائر الملوك من آل داوود  . ووجدا صناديق مقفلة لم يُعرف مضمونها . وبعد مضي برهة وجيزة على ولوجهما القاعة ، هبت عليهما ريح صرصر عاتية طوحت بهما إلى الأرض . فبقيا بلا حراك حتى وقت الغروب . وعندها هتف بهما صوت آدمي يقول :”إنهضا وبارحا المكان!” “. وأخذت هذه الرواية الشعبية تستقر في أذهان اليهود حتى انعقد إجماعهم عليها وخاصة بعد قيام الرهبان الفرنسيسكان ببناء كنيسة ودير صهيون سنة 1335م. وعند إمعان النظر في الماضي القريب، ووضعه تحت العين الفاحصة، نجد أن الحركة الصهيونية بنت مداميك “أيدولوجيتها” على أساس من الرواية الميثولوجية المستندة إلى الخرافة، فأحدثت التزاوج بين الأيدولوجيا والميثولوجيا، وطورتها من القبول بصيغة أي بقعة جغرافية في العالم (في أوغندا أو غيرها) كوطن قادم لما يسمى “الشعب اليهودي” إلى المناداة باستعمار واستيطان أرض فلسطين باعتبارها “أرض الميعاد” لاستقطاب وجذب أوسع القطاعات من يهود أوروبا، وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية في بولونيا والبلطيق وروسيا وأوكرانيا ودغدغة مشاعرهم الدينية.

ومنذ منتصف القرن الرابع عشر وخلال القرن التالي انعقد إجماع الحجاج الفرنج واليهود الغربيين على صحة وجود رفات نبي الله داوود مؤسس بيت المقدس تتواتر المزاعم اليهودية بحق تاريخي على حين أن الواقع التاريخي يشهد وبأقلام بعض اليهود مثل بنيامين التطيلى ، أنهم كانوا أقلية ضئيلة تماماً بحيث لا يمكن أن تكون لها مقومات الأمة الواحدة أو الشعب الواحد .لينشأ النزاع على قبو جبل صهيون حيث أخذ اليهود بأحقيتهم عن الرهبان الفرنسيسكان في تملك هذا القبو وأخذوا يتربصون المناسبات التي تسوء فيها علاقات الدولة المملوكية بالفرنج واستغلالها للضغط على سلاطين المماليك لإخراج القبو من يد الرهبان الفرنسيسكان وتسليمه إليهم . وهذا ما نجحوا في تحقيقه في عهد السلطان المؤيد شيخ عام 1420م وفي عهد السلطان برسباى سنة 1429م . غير أنه ما كادت العلاقات تعود إلى مجراها الطبيعي بين الفرنج وكل من المؤيد شيخ وبرسباى حتى يعود الرهبان الفرنسيسكان إلى المطالبة باستعادته ، فيعاد إليهم .

وفي عهد السلطان جقمق رأي حسماً لهذا النزاع ومحافظة على قداسة المكان إخراج القبو عن هاتين الطائفتين المتنازعتين ، وأن تكون رعاية قبر نبي الله داوود بيد المسلمين وذلك بتحويله إلى مسجد كما كان من قبل منذ أن سقطت كنيسة صهيون في عام 1217م. غير أن الرهبان الفرنسيسكان لم يسكتوا على هذا الوضع ، فأثاروا الموضوع في عهد السلطان الأشرف إينال ، ومرة ثانية في عهد السلطان الأشرف قيتباى ، ولكنهم لم يفقوا في استعادة القبو خاصة في ظل الظروف السياسة والعسكرية الملتهبة بين الفرنج والمسلمين آنذاك .

وفي عهد السلطان العثماني سليم الأول اطمأن الرهبان الفرنسيسكان إلى شرعية كيانهم بفضل فرمان 19 مارس 1517م الموجه إلى بطريرك بيت المقدس يؤمن بمقتضاه جميع طوائف المسيحيين , ونجح الفرنسيسكان بفضل مساعي فرانسوا الأول ملك فرنسا لدى السلطان سليم الأول في أن يسمح لهم بترميم دير صهيون وإعادة بناء قاعة الحواريين كما كانت وإعادة بناء الدير كله .الأمر الذي أدى لنشاط اليهود في تأجيج روح العداء والكراهية بين المسلمين والمسيحيين وصورا الأمر بأنه يمثل انتهاكاً لحرمة وقداسة قبر داوود والمسجد المقام بالقبو أسفلها . واضطر السلطان العثماني نزع فتيل الفتنة فأصدر في 18 مارس 1523م خطاً شريفا لقاضي القدس ونائبها بضرورة إجلاء الرهبان وإزالة القاعة التي أقيمت فوق القبو بيد أن هذا التغيير لم يمس العُليّة ذاتها كأثر مقدس من آثار السيد المسيح فقد ظلت قائمة بالهيئة التي كانت عليها ، كما لم يمس القبو الذي يضم قبر داوود  ، ولم يمنع المسيحيون من زيارة العُليّة ، كما لم يمنع اليهود من زيارة قبر داوود ؛ فضلاً عن ذلك فقد أتيح للمسلمين زيارة هذه المقدسات والتبرك بها .

وامتدت إقامة الرهبان الفرنسيسكان بدير صهيون عدة سنوات أخرى بفضل المساعي التى بذلوها حتى تقرر إجلاؤهم عنه في عام 1551م.بسبب عوامل عديدة منها ميراث الحروب الصليبية فضلاً عن عداء الروم الكاثوليك للفرنسيسكان نتيجة الخلاف المذهبي ، ناهيك عن عداء اليهود وهم طرف أصلي في هذا النزاع .

ثم سمحت لهم السلطات العثمانية في عام 1559م. باتخاذ كنيسة المخلص بالقدس مقراً ومركزاً لهم . ويبدو أن إقامتهم على هذا النحو بالدير الذي يحيط بمسجد النبي داوود كانت مصدراً للاحتكاك المتواصل بينهم وبين المسلمين واليهود . ثم نجحت جهود القيصر غليوم الثاني عام 1898م لدى السلطان عبد الحميد في الحصول على قطعة الأرض الفضاء المجاورة من ناحية الشمال الغربي لمسجد النبي داوود أثناء وجوده بالقدس لتأدية فريضة الحج ، فقام بدوره بإهدائها إلى رعاياه من المسيحيين الذين أقاموا فوقها هذا الأثر الديني الذي لايزال قائما حتى اليوم . والواقع إن إقامة رهبان الفرنج حول كنيسة القيامة ترجع إلى ماقبل الإسلام منذ عهد البابا جريجوري الأول (590 ـ 604) كما منحهم السلطان الأشرف علاء الدين كجك الحق للرهبان الفرنسيسكان كممثلين لطوائف الفرنج. وأصدر البابا كلمنت السادس في 20 نوفمبر من نفس العام المرسوم البابوي الذي عهد لهم مهمة رعاية كنيسة القيامة والأماكن المسيحية المقدسة فوق جبل صهيون كما منحهم البابا مارتن الخامس حق منح الغفران كما تولوا مهمة رعاية الحجاج وتيسير دخولهم فلسطين وإرشادهم لمناسك الحج وتقديم المأوى لهم أثناء الحج .

وأما اليهود فإنهم على الرغم من انتصارهم على الرهبان الفرنسيسكان هذا الانتصار الذي تمثل في إبعادهم عن القبو ، بل عن العُليّة ودير صهيون ، فإن الأمل ظل يراودهم في أن يضعوا أيديهم يوماً ما على هذا الأثر المقدس . وأخيرا سنحت لهم الفرصة بعد مضي أكثر من أربعة قرون عام 1948م . في أعقاب حرب فلسطين وما صاحبها من قرار التقسيم حرص الكيان الصهيوني على أن يكون جبل صهيون وخاصة المنطقة التي يقوم عليها مسجد النبي داوود داخل حدود دولتهم ، وهذا ما نجحوا في تحقيقه . ثم بادروا على الفور بتحويل مسجد النبي داوود إلى معبد . وفي 15 مايو من كل عام يحتفلون في هذا المعبد بعيد قيام دولتهم ، في رمزية واضحة إلى آمالهم لإحياء ملك داوود. وتشويه وضياع معالم المقدسات المسيحية المتعلقة بالسيد المسيح والحواريين . فضلاً عن سعى إسرائيل بضمها لقائمة ما يسمى “المواقع التراثية للشعب اليهودي”كمحاولات تحمل في طياتها ما هو مخفي في سيرة الدولة العبرية الصهيونية، التي باتت تشعر بأنها في أمس الحاجة لإنتاج “تراث يهودي، وهوية يهودية” على أرض فلسطين، ولو من باب الاصطناع، وإن اقتضى الأمر ممارسة لعبة تزييف التاريخ، ومحو الحقيقة القائمة على الأرض وتغيير معالمها.

التعليقات