آليات التعامل مع الإسلام والتراث عند ميشيل عفلق – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير شخصيات تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

مثلت النهضة العربية حلماً دائم الوجود في ضمير العرب جميعاً ، سواء على المستوى القومي أو القطري ، رغم الاتفاق على الهدف ، فإن مثل هذا الاتفاق لم يحدث أبداً على مستوى الوسائل بل تعددت المساهمات وتباينت الطرق والوسائل التي ابتدعها هذا الفريق أو ذاك ، وأدى الإغراق في المناقشات إلى تفرعها وتعددها حتى امتلأت بها الكتب ، وأضحت الكتب مجلدات ، وتحولت المجلدات إلى (هم)  كبير احتار الجميع في معالجته ومحاولة تدارك آثاره .

الحقيقة أن المفكرين والكتاب العرب لم يكونوا بعيدين يوماً عن محاولات وضع الأسس الفكرية لهذه النهضة، وما قصروا يوماً في محاولات وضع برامج وتصورات كثرت وتكاثرت حتى أصبح الهدف جزءاً ثابتاً من الفكر العربي. ومعها تباين التراث في خطاباتهم من حيث المفهوم وآليات التعامل.

ينظر ميشيل عفلق للإسلام على أنه تراث متقدم أسهم في نهضة الأمة العربية في الماضي وأن دوره الحاضر والمستقبل لايقل عن دوره السابق . ويعلل عفلق نجاح الإسلام والمسلمين في بناء نهضتهم قديماً أن نظرتهم للإسلام كانت نظرة تقدمية حيث استقوا من الإسلام روحه الثورية المجددة التي ثارت على الأوضاع السابقة عليها .

والإسلام عند عفلق ليس ديناً بل (قومية) فهو ركن أساسي في القومية العربية ذلك أنه بلور ثورة شاملة في تاريخ البشر والعرب خصوصاً إنه يوضح ذلك بقوله :”بهذا المعنى لا يوجد عربي غير مسلم ، هذا إذا كان العربي صادق العروبة وإذا كان متجرداَ من الأهواء والمصالح الذاتية ، العروبة تعنى الإسلام بهذا المعنى الرفيع الذي لا تعصب فيه ولا تمييز ولا أي شئ سلبي “[1]. عفلق إذن اعتبر الإسلام تراثاً حضارياً ولا يتعامل معه على أنه أيديولوجية دينية فهذه الإيديولوجيات :”لا تؤدي الغرض القومي ولا توصل إلى نتيجة إيجابية “[2]. إنه يعتمد التراث الذي يعني الإسلام كمرجعية حضارية وليس كأيديولوجية دينية ، إنه تراث على المشاع لا يخص المسلمين وحدهم بل يخص العرب جميعاً ، فهذه هى مكانة التراث عنده .

على جانب آخر نجد عفلق يقف ضد تمجيد التراث وتعظيمه ، بدافع الرهبة منه والشعور إزاءه بالضعف والعجز :”فالإعجاب بالتراث وتقديسه لا يأتي من مجرد الوقفة المنبهرة أمام عظمته وإنما من استيعاب روحيته والعمل بوحي منها “[3]. فهذه الوقفة المنبهرة أمام التراث لن تفيد الأمة وسوف تولد عجزاً عن التعامل مع التراث ، فما يجب أخذه منه هو المستوى الروحي الذي سار في الماضي ، فهذا الماضي كان عاملاً مهماً في قوة العرب وتحقيق نهضتهم ذلك أنه كان تقدمياً عما سبقه من عقلية وأوضاع .

إنها إذن التقدمية هى سر الفعالية وسر التطور ، إلا أن إعجابنا بهذه التقدمية لا ينطلي على النموذج وإنما على الروح ، فمحاولة العودة إلى الإسلام على أنه نموذج يراد تحقيقه هى نظرة رجعية يجب محاربتها :”إن عودة اتصالنا بماضينا لا يجوز أن تعني بلوغنا ذلك المستوى الروحي الذي هو وحده كفيل بأن يبني لنا الحياة القوية المبدعة الراقية والمجتمع السليم الأوضاع القويم الأخلاق”[4].

إنه ينكر إذن إمكانية التفكير في التمثل بالماضي واتخاذه نموذجاً ، بل يدعو لاستخلاص روح الماضي وتسخيرها مع جهد ، وإمكانيات الحاضر لصناعة المستقبل :”إن الأمانة للماضي هى في الاختلاف عنه ، وبمقدار ما نختلف عن الماضي نكون أوفياء له ، فالذي يريد أن يكون مثل عمر بن الخطاب في هذا العصر يجب ألا يكون نسخة طبق الصل منه ، وغنما يجب أن يتوخى أن يكون ذا تأثير يوازي تأثير عمر في زمانه ، وهنا يتضح الفرق بين التقليد والإبداع “[5].

إنها نفس الفكرة التي يطرحها محمد عابد الجابري في شأن العلاقة مع التراث ، إنه يدعوا إلى التجديد ، هذا التجديد يتم عبر إعمال العقل وتحرى ( روح الإسلام ) فالتجديد الحقيقي المطلوب هو “إيجاد الحلول العملية لما يطرحه علينا عصرنا من قضايا يعرفها ماضينا”[6].

إن برنامج العلاقة مع التراث يجب ان يمر بثلاث مراحل ؛الأولى : الاطلاع على التراث لاكتشافه وفمه . الثانية : الافتراق عنه بحيث نسير في طريقنا الخاص طريقنا المتميز الذي هو قدرنا . الثالثة : الالتقاء من جديد بالتراث بعد أن نكون قد أدينا قسطنا من النضال وأصبحنا مناضلين مجاهدين ، وبالتالي قادرين على فهمه فهماً حقيقياً .

عفلق إذن يبني تصوره للعلاقة بين القومية العربية والإسلام على أن القومية العربية عنده لا تتعادى مع الدين ، بل ولا تتجاهل الإسلام فتتخذه إطاراً مرجعياً لها .

يقول محمد عابد الجابري في تحليله لخطابات عفلق عن العلاقة بين الإسلام والعروبة:”القومية العربية بالنسبة إلى عفلق ليست انتماء في الحاضر وللحاضر ، بل هى ارتباط صميمي بالماضي القومي كذلك ، والماضي القومي للعرب صنعه الإسلام فإذا تخلى العرب عن ماضيهم الأسلام فبماذا سيرتبط وعيهم القومي ، عل بالثقافة الغربية والتراث الأوربي ؟ إنه التغريب بذاته الذي يعتبره عفلق كأخطر ما يهدد العرب والقومية العربية”.

ويتعرض الجابري للعلمانية في مفهوم عفلق فهو يصفها بأنها علمانية دستورية تسوي في الوظائف بين جميع المواطنين دون أن تمس الدين بشئ ، بل إنها تحرره من الاستغلال السياسي :”فالأمة العربية قامت أول ما قامت بالإسلام ولا يمكن إعادة بعثها ، في نظر فيلسوف البعث بدون ربط القومية بالدين والدين بالقومية باعتبار أن الدين روح الأمة العربية وعنصر وحدتها “.

أخيراً يصف الجابري عفلق بأن أفكاره القومية تصلح لأن تكون جسراً بين القوميين والإسلاميين المعاصرين الذين لم يبدءوا بعد في الإنصات والاستماع إلى بعضهم بعضاً :”إن وجهة نظر عفلق قابلة لأن تشكل نوعاً من الجسر بينهم : جسر الحوار والتفكير المشترك في القضية المشتركة والمصير المشترك”. 

——————————————————————

[1]- ميشيل عفلق : في سبيل (ج3 ، دار النهضة ، بغداد 1987م) ، ص 33.

[2]- المرجع السابق ، ص 30.

[3]- نفسه ص 66.

[4]- نفس المرجع ، ص16.

[5]- ميشيل ، الجزء الثاني ، ص 66

[6]- محمد عابد الجابري : وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر ،( مركز دراسات الوحدة ، ط1 ، بيروت1992م).،ص 34.

التعليقات