قراءة في كتابات محمد شحرور – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

إن مشكلة عجز العلماء المعاصرين عن تحصيل الكفاءة العلمية والمعرفة الواقعية بالمشكلات القائمة على الأرض لا الموروثة من غياهب التاريخ، قد سبب لهم عجزا في ابتكار الأفكار وبناء المنظومات المتماسكة فكرياً وواقعياً، فابتعدوا عن الأسئلة الملحة ووجهوا ركابهم نحو الماضي ينهلون منه وتركوا مستقبلنا مخطوفًا لدى خصومنا يرسمونه كما تشاء مصالحهم لا كما ينبغي أن يكون لنا .

وربما لهذا نجد أغلب أطروحات التجديد لا معنى لها ولا تأتي ثمارها , وإنما هى تكرار للذات وللسلف وهى مجموعة من الخطابات والكلمات الرنانة بدون أي معانٍ جديدة أو أفكار مفيدة , فأي تجديد لا يسمى تجديداً إلا إذا اخترق الأصول , وعلينا أن نعي حقيقة تاريخية مهمة وهى أن التاريخ الإنساني حسب التنزيل الحكيم يمكن أن يقسم إلى مرحلتين : المرحلة الأولى مرحلة الرسالات التي انتهت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . والمرحلة الثانية مرحلة ما بعد الرسالات والتي نعيشها نحن ..أي أن الإنسانية الآن لا تحتاج إلى أي رسالة أو نبوة بل هي قادرة على اكتشاف الوجود بنفسها بدون نبوات , وقادرة على التشريع بنفسها بدون رسالات ..والإنسانية اليوم أفضل بكثير من عصر الرسالات لأن البشرية كانت بحاجة إليها للرقي من المملكة الحيوانية إلى الإنسانية , أما نحن فلا ..وعلينا أن نعي أن المستوى الإنساني والأخلاقي في تعامل الناس بعضهم مع بعض أفضل بكثير من قبل وحتى في عهد الرسالات ..فالبكاء على عصر الرسالات لا جدوى منه , لأننا الآن في مستوى أرقي معرفياً وتشريعياً وأخلاقياً وشعائرياً ..ويكفي أن ضمان حقوق الإنسان أصبح كابوساً على كل رأس متسلط , والمؤسسات المدنية المحلية والعالمية التي تقوم على أساس تطوعي تتنامى يوماً بعد يوم , وأنه تم إلغاء الرق بشكل كامل , حيث دشنت الرسالة المحمدية بداية تحرير الرق والمرأة ولم ينته إلى الآن . هذه المظاهر التي كانت لا تعرفها البشرية من قبل

كل تلك الأفكار يطرحها بهدوء وئيد الدكتور محمد شحرور عبر أجندته الفكرية ـ ممتلكاً لغة الشرع ولغة العصر، وكان قادراً بذلك على ترسيخ أقدامه في مجتمعه رغم شدّة المعارضة والمقاومة له ـ بهدف إعادة الصورة المشرقة للدين الإسلامي وإثبات عالميته بشموليته لكل الرسالات وبأنه لكل الناس على اختلاف عقائدهم ومللهم من خلال قراءة معاصرة للتنزيل الحكيم بدأت منذ عام 1990 م ليقدم ومنذ فترة طويلة مفاتيح فهم التنزيل الحكيم آلا وهى مصطلحاته فكانت نقطة التحول الأولى في القراءة المعاصرة للتنزيل ليتبعها بنظرية خلق الكون والإنسان وسر الأنسنة ونظرية الحدود على قوانين الإرث والتعددية الزوجية ولباس المرأة والقوامة , ليصدر كتابه (الدولة والمجتمع) وأعقبه كتاب(تجفيف منابع الإرهاب) .ومن خلال  القراءة المتأنية في كتابات محمد شحرور يمكن أن نرصد بعض الملاحظات التي يمكن تنضيدها في نقاط مختصرة:

أولاً فيما يتعلق بكتابه تجفيف منابع الإرهاب؛ يمكن أن أشير فيما يتعلق بالمنهج المتبع في التعامل مع التنزيل الحكيم :هناك اتفاق تام حول الحاجة للتجديد في أصول الفقه , وكذا حول أسلوب التجديد المتمثل في اختراق الثوابت من أجل تحقيق هذا الهدف , وليس فقط الوقوف على قشور الموضوع بإنكار حديث أو تضعيفه ؛ فالمشكلة الأساسية التي تواجه ـ في رأيي ـ ميراث الأحاديث الموجودة لدينا هو اختلاط ما هو سياسي بما هو ديني طوال فترات طويلة من الحكم اللاديمقراطي في الدولة والمجتمعات الإسلامية .

بالإضافة بالطبع بما يحيط بعض رواة الأحاديث من شكوك ومحاذير اختفت مع مضي الزمن تحت سطوة المقدس . وفي ظني , فإنه من غير المعقول ألا ينال التدهور الذي حاق بحال المجتمعات الإسلامية ذاكرة الأحاديث والتفسير في هذه المجتمعات ؛فليس من المعقول ـ مثلاًـ أن يكون حديث الذبابة على سبيل المثال , أصدق من كافة الآراء العلمية الموثوقة والتي تحولت لحقائق فيما بعد ,وثبت أن الذباب لا يجلب إلا الضرر . وأنه لا نفع فيه على أغلب الأحوال.

الأمر ذاته ينطبق على تفسير القرآن الكريم ذاته . وإعادة القراءة والتفسير تتطابق مع ما ورد عن النبي الأكرم ذاته من أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها . وهذا التجديد لا يجب أن نحصره في إطار إعادة قراءة السنة والأحاديث فقط , بل لابد من أن يمتد إلى القرآن ذاته . وهذا هو الأهم ؛لأن عصب الدين الإسلامي هو القرآن الذي لا يجب أن تهدر قيمته لتقتصر على التجويد أو الترتيل فقط .؛ بل لابد أن تمتد الجهود إلى التفسير ؛لأن هذا هو ما يحقق هدف تجديد دين الأمة فضلاً عن هدف آخر أسمى هو التواصل مع الآخرين .

إننا إذن أمام مهمة ذات شقين : الأول التفكيك . فيتطلب ذلك مهارة في أداء هذه العملية حرصاً على تشكيل البناء ونفياً لاتهام مسبق وجاهز التحضير بالاستهداف لفرض الهدم .

أما الشق الثاني : فهو إعادة التركيب .وهو ما يتطلب استخدام منهج متماسك للبناء , يرتكز على الأصول ويضع معايير لقبول لبنات الأساس مع القدرة الجريئة على استبعاد ما يخالف هذا البناء حتى ولو سبق استخدام هذه اللبنات في وقت سابق ولفترة طويلة . المطلوب إذن مهارة في التفكيك وتناسق في إعادة التركيب.

أما فيما يتعلق بأفكار الدكتور محمد شحرور في كتاب (الكتاب والقرآن): يمكن أن نرصد إسراف في استخدام المعاني وتعريف المصطلحات بصورة قد لا تتناسب مع المتلقي العادي . واعتقد أن الموضوع من الأهمية بمكان أن يتم تبسيطه بحيث يصل إلى الإنسان البسيط في صورة سلسلة سهلة الهضم . فإذا ما تم تحقيق هذا الغرض , سهل بعد ذلك ترجمة ذلك إلى لغات أخرى يتحقق معها التواصل المطلوب .

هذا فيما يتعلق بالشكل العام . أما من حيث المضمون فهناك اتفاق على أن النبي الأكرم لم يؤول القرآن وأنه كان أمانة تلقاه وأداها للناس دون تأويل . وأنه أعطاهم فقط مفاتيح عامة للفهم .وهذا يحُسب للدكتور شحرور .

والقول بذلك لا يتعارض مع مقام النبوة في شئ ؛ فموسى عليه السلام حاز مكانة لم يحزها قبله من الرسل , فكان الكليم , وظل كذلك .ومع هذا ؛ فلم يكن أعلم أهل الأرض ,فقصته مع الخضر معروفة . ومعجزة القرآن تخص رب العزة فقط , وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد اختار نبيه لتقبل الرسالة , فظني أنه لم يختره لتفسيرها ,فالتفسير إذن يظل مسئولية المسلمين ,بل وغيرهم أيضاً على مدى الأزمان حتى تقوم الساعة .

أما فيما يتصل بعدم وجود أسباب لنزول القرآن , فهذا أيضاً صحيح ؛لأن تزامن بعض سور وآيات القرآن مع أحداث بعينها جاء من قبيل اختيار مناسبات النزول.

بقي أن نشير لأهم ما تضمنته أجندة الدكتور محمد شحرور من محاور رئيسية في كتباته يدعو من خلالها لإعادة التفكيك والتركيب .أولاها : ما يتعلق بفقه المرأة والمواريث ؛ فمن الواضح تماماً أن محمد شحرور وضع منهجاً متميزاً في معالجة الأمور التي تهم الأمة الإسلامية . وهذا المنهج يربط بين تحليل المفاهيم والمفردات , وبين استنباط فكر جديد يتخذ من هذه المفاهيم بداية منطقية للخروج بنتائج جديدة صحيحة حتى لو خالفت ما هو معروف بالضرورة .

وفقه المرأة والمواريث لا يرتبط فقط بوضع فهم جديد لطريقة توزيع الميراث , بل بالتأكيد على أولويات واضحة تماماً في القرآن الكريم غير أن الفقهاء تجاهلوا أو أساءوا فهم هذا الوضوح , مثل أولوية الوصية على الميراث . فالوصية لها دور اجتماعي واقتصادي أكبر من مجرد حصرها في نقل أموال من مورث إلى وارث .وغنى عن البيان أن فقه المواريث يرتبط كذلك بضرورة فهم جديد لدور المرأة في المجتمع . وكذلك الابتعاد تماماً عن حصر النظر للمرأة في الحجاب أو ما شابه من قضايا تعيد الأمة إلى الوراء أو ما قبل عصور الجاهلية .

فهند بنت عتبة التي لا يعرف المسلمون عنها غير أكلها لكبد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب . خيرها أبوها بين الزواج من أبي سفيان أو غيره فاختارت أبو سفيان . وهذا يدل على أن دور المرأة قبل الإسلام كان مكملاً لدور الرجل ولم يكن هناك غنى عنه , وجاء الإسلام فعزز هذا الفهم . وأتاح دوراً أكبر حالت الظروف التاريخية دون استكماله . وعادت بالمرأة قروناً عديدة إلى الوراء وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الفقه المعاصر الذي ينادي به المفكر محمد شحرور من خلال كتاباته.إضافة لدعوته لكسر الجمود وتحطيم الصنم المعبود الذي يدعي فهماً أبدياً للإسلام يحرم المعاصرين والقادمين من محاولة التصدي له .

أما فيما يتعلق بما يُعرف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , التي أعتبر أنها بقدر ما هى أساسية في المجتمع الإسلامي , إلا أنها شٌوهت عبر التاريخ الإسلامي حتى خرجت عن أهدافها وإطارها الصحيح . فتم احتكارها من قبل سلطة الدولة أو سلطة الفقهاء أو حتى سلطة الشرطة للتحكم في أقدار وأرزاق العباد .

ورأيي أن التحالف التاريخي والغير مقدس بين السلطة وعلمائها هو ما يقف في الوقت الحالي وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . كما ترتبط هذه الفكرة أيضاً بصورة الإله الغاضب دائماً في الإسلام والتي اتفق مع الكاتب تماماً في أنها صورة مشوهة موروثة من حضارات أقدم ؛ كان الملوك والزعماء فيها يأمرون رعاياهم بما طاب لهم اعتماداً على تجنب إغضاب الإله .

الغريب أننا وجدنا بعضاً من فقهاء الإسلام هللوا وصفقوا للنميري في السودان حينما ظن نفسه ظل الله في أرضه ورمزاً لإقامة شرع الله حينما بدأ قطع الرؤوس والأيدي والأطراف باسم الإسلام والشرع فماذا كانت النتيجة ؟! قامت حروب ضروس استمرت نحو ربع قرن أتت على الأخضر واليابس في السودان . وكره الجنوبيون الإسلام والمسلمين وأصبحنا على أعتاب سودان شمالي وجنوبي في القريب .كل ذلك كان يجري وسط ترحيب وتصفيق من علماء أدعوا أن الله راض عما يفعله النميري استمراراً لفكرة الإله الغاضب القاسي الذي يعاقب دائماً بالبتر والقطع .

إننا بحاجة حقيقية للتصدي لذلك كله وإعادة بناء الإسلام الحقيقي الذي نواجه به العالم . فلا أدري لماذا يركن بعض الفقهاء المبعوثين في الخارج للتعريف بالجانب السمح في الإسلام ثم يعودون للتخويف مرة أخرى عند العودة لأرض الوطن ؟! آلا يستحق مسلمو الداخل هم أيضاً التعرف على الإسلام ؟؟!!!!.

أما فيما يتعلق بمفهوم الإسلام والإيمان في كتابات محمد شحرور. فنجد أن الإسلام ديانة  عالمية . ذات مبادئ مكملة للمبادئ التي ورددت في الديانات السماوية الأخرى . وبقدر عالمية الإسلام بقدر سماحته في تقبل واستيعاب الاختلافات معه ولا أظن أن شرط دخول الجنة أن يكون المرء مسلماً .

فلا أظن أن المسيحي الذي يتبرع بميليارات الدولارات من ثروته لمشروعات البر ومكافحة الأمراض في أفريقيا أو لتشجيع المواهب من الشباب في أنحاء العالم بغض النظر عن الدين والانتماء من أجل نهضة البشر سيكون مصيره النار بينما سيدخلها من شهد بلسانه أن لا إله إلا الله ولم يفعل شيئاً لخدمة مجتمعه وإنسانيته . فهذا يتعارض مع مفهوم التكليف البشري والأمانة التي لا بد من حملها .وهناك حاجة ملحة لإعادة تعريف من هو المسلم الحقيقي وصياغة العلاقة مع الآخر انطلاقاً من هذا التعريف . فقد مضى عصر تصنيفات دار الحرب ودار السلام وأصبح علينا العودة مرة أخرى للأصول القرآنية الواردة في كتاب الله في إطار فهم شامل ومتكامل لعناصر الرؤية الربانية الواردة في الكتب السماوية .وفيما يتعلق بكل ما ورد في السنة من أحاديث عن قتل المرتد وخلافه . كل ذلك ينبغى أن نعيد النظر والتأمل فيه مرة أخرى باعتباره لا يتناسب مع حال المسلمين اليوم . لقد ورثنا حلة ضيقة للغاية على جسم كبر ونما واتسع حتى أضحى الأمر مثيراً للسخرية والشفقة معاً .

التعليقات