القدس وفرسان التيوتون. الدين والسياسة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ مدن دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

دراسة تاريخ الجماعات الرهبانية العسكرية التي جمع أفرادها بين الدين والحرب في مبادئهم وقواعدهم وارتدوا ملابس الرهبان وهم يمتطون جيادهم ويقاتلون من فوق ظهورها .لا تزال دراسة خصبة ومهمة خاصة وأن منطقة الشرق الإسلامي هى موطن تلك الجماعات حيث قام الصليبيون بتكوينها وسرعان ما أخذت في التطور والنمو التدريجي وشاركت فيما يجري فوقها من أحداث .وأخذت من الصليب شعاراً , والقدس هدفاً .وفي ظل الشعار والهدف ارتكبت أبشع ما يمكن للبشر أن يتصوره حتى بمقاييس العصور الوسطى .

ففي يوليو 1099م/ شعبان 492هـ سقطت بيت المقدس في أيدي الصليبيين , وأصبحت فيما بعد حاضرة لتلك المملكة الصليبية , وبدأ العديد منهم يعودون إلى بلادهم بعد أن حققوا ذلك الهدف الذي خرجت من أجله الحملة الصليبية الأولى , وكان ذلك بداية المصاعب التي ستواجهها تلك المملكة الصغيرة الناشئة , فقد كانت في حاجة إلى المزيد من الرجال القادرين على الدفاع عنها , وبالإضافة إلى ذلك كان المناخ صعباً على أولئك القادمين الجدد , فانتشر المرض وارتفع معدل الوفيات بينهم في هذه الفترة الأولى .فكانت هذه كلها عوامل أدت إلى عدم تكوين طبقة من الفرسان في هذه المرحلة الأولى من تاريخ تلك المملكة الناشئة . (ومن هنا كان اهتمام إسرائيل الآن بدراسة المشكلات الأساسية التي أدت إلى فشل الكيان الصليبي ككيان دخيل, ودراسة إمكانيات النجاح للكيان الإسرائيلي المشابه مع مراعاة الثوابت والمتغيرات في الحركة التاريخية والعلاقات الدولية من ناحية أخرى) ,وفي ظل تلك المصاعب آنذاك كانت نشأة تلك الجماعات الرهبانية العسكرية والتي جمعت بين الدين والحرب في مبادئها وليدة لظروف ذلك المجتمع الصليبي الناشئ ونتيجة لاحتياجاته ,وكانت أولى الجماعات التي اتخذت هذا النمط هى جماعة الداوية ـ والتي نشأت بين عامي 1118م /1119م وشاركت لأول مرة في الدفاع عن المملكة في عام 1128م , وكان اللقب الرسمي لها هو فرسان المسيح Milites Chrisiti  وكذلك لقب فرسان المعبد Milites Templi  ـ وقد وجدت أفكار هذه الجماعة القبول في الغرب الأوربي فتنافس الجميع في منحها الامتيازات والعطايا , فانتشرت من الأراضي المقدسة إلى أوربة حتى صارت قوة هائلة وكان لاستقلالها وتبعيتها مباشرة للبابوية أثره على تطورها وقوتها الروحية , وظهر دورها في الدفاع عن الكيان الصليبي ليس في القدس فحسب , بل في بقية الإمارات الصليبية بل وفي أرمينية وقبرص خاصة في القرن الثالث عشر الميلادي , وأصبحت هي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الهجمات الإسلامية .

إلى جانب تلك الجماعة ظهرت (جماعة التيوتون أو الجماعة الألمانية) التي مثلت قوة لا يُستهان بها بفضل دورها في نشر المسيحية على شاطئ بحر البلطيق إلى جانب ما امتلكته من ثروات وكان لذلك كله أثره في جعلها فوق رأس مملكة بيت المقدس(القدس) , بل وفوق رجال الكنيسة اللاتينية نفسها التي كانوا ينتسبون إليها اسمياً فقط .

وفي خضم تلك الأوقات الصعبة قام أحد الألمان ومعه زوجته بإنشاء مضيفة لاستضافة من يفد للقدس من بني جلدته في حدود عام 1128م. ولاستضافة الفقراء والمرضى من الألمان ونتيجة لتردد الكثيرين من أولئك الألمان على منزله لكي يستطيعوا التحدث باللغة التي يعرفونها , وبموافقة البطريرك اللاتيني قام ببناء كنيسة ملحقة بالقرب من هذه المضيفة وأوقفها للقديسة مريم .

ويقع هذا المستشفى الألماني في الجنوب الشرقي من القدس على مقربة من منطقة الداوية حيث كان أحد الشوارع الجانبية المؤدية من باب صهيون إلى معبد سليمان وقد أطلق عليه اسم منزل الألمان أو مستشفى القديسة ماريا للتيوتون Hospitale sanctae Mariae Theutonicorum  وأخذ المستشفى في النمو سريعا وضم العديد من الاستراحات والإدارات بالإضافة إلى من يتولى الإشراف على ذلك كله وفي 9 ديسمبر 1143م أصدر البابا كلستين الثاني مرسوميه بعد تشاوره مع كاردينالاته , وبمقتضاهما أخضع المستشفى الألماني في القدس (للأخ ريموند وخلفائه) .واشترط البابا أن يكون للأخوة الاسبتارية فقط حق اختيار الراهب أو رئيس هذا المستشفى وخدمه على أن يكونوا جميعاً من الألمان وأن يديروه بلسانهم الخاص ؛ وذلك لأنه يجب توفير الخدمة للزائرين والمرضى الألمان , كما يتضح منها فإن الاسبتارية ربما شعروا بالخطر من ناحيته , مما جعل مقدم أعلى الاسبتارية أن يطلب من البابا إخضاع المستشفى لسيطرة الجماعة حتى يضع حداً للخلافات التي كانت تثيرها تطلعات ذلك المستشفى الألماني للاستقلال والتي كانت تزداد يوماً بعد يوم , وقد أراد أن يوفر له الهدوء بوضعه تحت سيطرة الاسبتارية , وبحكم صفتها الدولية أرادت الاسبتارية إخضاع تلك المؤسسة المحلية فضلا للرغبة في حسم مسألة التنافس حول جمع الصدقات في ألمانيا وما ثار حولها من صراع خاصة وأن هذه الجماعات تعتمد أساساً على هذه الصدقات في ميزانيتها .

ونتج عن هذا حصر ذلك المستشفى الألماني في القدس في مهامه الأصلية وهى رعاية المرضى وتجميع الألمان في القدس . بيد أن أمر التبعية لم يتأكد بصورة واضحة فأخذت تلك التبعية تخبو مع مرور الوقت .وتزداد الفترة المتبقية من تاريخ ذلك المستشفى صعوبة فيما يتعلق بوثائقها أو أشارت المصادر عنها , وهى التي تمتد من عام 1187م إلى عام 1190م أو بعبارة أخرى منذ سقوط القدس في قبضة صلاح الدين الأيوبي ونهاية المستشفى الألماني به وحتى نشأة ذلك المستشفى الميداني الألماني أمام عكا .

وقد حاولت بعض الوثائق والمصادر الأجنبية والإسلامية إماطة اللثام عنها .فقد أورد مؤرخ مجهول وصفاً لبيت المقدس في ربيع 1178م أي قبيل سقوطها بفترة وجيزة حيث وصف فيه طريق يؤدي إلى منزل اسبتارية الألمان ويسمى هذا الشارع طريق الألمان وكما هو واضح فإنه لم يزودنا بأية تفاصيل عنه أو عن الذين يديرونه , إلى آخر هذه التساؤلات التي كنا في حاجة للإجابة عنها من واقع هذا المصدر .

وحول مصير هذا المستشفى بعد استرداد صلاح الدين للقدس تباينت آراء المؤرخين المحدثين أيضاً , فقد أشار البعض إلى استحالة تطور هذه المؤسسة الألمانية ؛ لأن سقوط القدس وضع نهاية لها , وذكر رأي آخر أنه ربما اختفى جميع أعضائه بسقوط القدس , وذكرت بعض الآراء الأوربية أنه على الرغم من سقوط القدس ونهاية نشاط هذا المستشفى , إلا أنه ربما ظل يقوم ببعض مهامه في ظل السيادة الإسلامية على المدينة . وكما ورد في إحدى الوثائق :”أن أي مسيحي كان يمكنه البقاء فيها (أي القدس) في ظل دفع الضريبة (يقصد الجزية) وفضل البعض البقاء , وبقى بعض الممرضين لرعاية الفقراء”.

والرأي الأرجح هو أن صلاح الدين الأيوبي حين بدأ حصاره للقدس في 20 سبتمبر 1187م , وذلك من الناحية الغربية , ثم ظل يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله لأنه في غاية الحصانة والامتناع , فلم يجد موضع قتال من جهة الشمال وبالفعل اتجه صلاح الدين بعد خمسة أيام أي في 25 سبتمبر لكي يحاول اقتحامها من هذه الناحية الشمالية .ونصب مجانيقه وظلت القذائف تنهال عليها , وبعد محاولات مستميتة نجح المسلمون في الوصول إلى أسوارها وبدأوا في نقبه , وعندما أدرك الصليبيون فشل محاولتهم لمقاومة المسلمين وإصرار صلاح الدين على دخول المدينة “اجتمع مقدموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون , فاتفق رأيهم على طلب الأمان” وبعد مفاوضات بين الجانبين تم الاتفاق على السماح للصليبيين بالخروج وكان من جملة ما شرط على الفرنج أن يتركوا خيلهم وعدتهم فتوفر بذلك عدد البلد على حد قول المؤرخ ابن العديم.

ويتضح من الوصف السابق لحصار القدس أن صلاح الدين بدأ بالناحية الغربية ثم انتقل إلى شمالها لكي يجد ثغرة ينفذ منها إلى المدينة , وكما أوضحنا من قبل أن ذلك المستشفى الألماني كان يقع في الجنوب الشرقي للمدينة فقد كان بمنأى عن القذائف والأحجار الألمانية , وربما كان ذلك عاملاً مساعداً على بقاء هذا المستشفى الألماني وكنيسته .

ومهما يكن من أمر , فإن الصليبيين بعد خروجهم من القدس انقسموا إلى ثلاث مجموعات : مجموعة الداوية وأخرى الاسبتارية وثالثة باليان دي إيلين وكانوا في حراسة المسلمين حتى أوصلوهم إلى صور لكي لا يتعرضوا لهجمات اللصوص وقطاع الطرق .

وبنجاح صلاح الدين في استرداد القدس كانت نهاية هذا المستشفى الألماني في المدينة , ولا تعلم ماذا آل إليه مصير أولئك الأخوان الرهبان فهل ظلوا في الشرق مع بقايا قوات الصليبيين التي تجمعت أمام صور ,أم عادوا إلى ألمانيا حيث كانت أملاكهم هناك ؟ ولكن التساؤل المهم الذي يبقى هو : هل أسهم أولئك الأخوة الألمان بأي دور عسكري في العلاقات الصليبية الإسلامية ؟ .

تشير بعض الوثائق الأوربية أن أخوة ذلك المستشفى مارسوا الكفاح ضد الأعداء وأنهم ارتدوا الرداء الأبيض مع وضع صليب أسود عليه لتمييزهم , كما أنهم اتخذوا قواعد الداوية والاسبتارية خاصة وأن جماعة الاسبتارية اعتبروا جمل السلاح عملاً موازياً لجمع الصدقات بل امتداداً له . وظلت الجماعة تتحول ببطء إلى الدور العسكري على الرغم من أنها جماعة عسكرية منذ منتصف القرن الثاني عشر الميلادي . إلا أن هذا الدور لم يظهر في وثائقها إلا متأخراً .ومن ناحية أخرى أجمعت المصادر الإسلامية والأجنبية على أنه أثناء حصار القدس حشدت أسوار المدينة بكل الرجال القادرين على القتال , بما فيهم رجال الدين في الدفاع عنها على الرغم من أن ذلك يتعارض مع وظائفهم , إلا أنهم قاموا بدور الجنود طبقاً للحالة الطارئة وقاتلوا باستماتة عن القدس.ومن الطبيعي أن يشارك أخوة ذلك المستشفى الألماني في ذلك بدور ما بحكم وجودهم أثناء الحصار , ولا شك أن تاريخ ذلك المستشفى الألماني في القدس وكان سيصبح أكثر وضوحاً لو عثرنا على أرشيف المستشفى ولكشف لنا النقاب عن تأسيس جماعة الرهبان الألمان وتحولهم إلى جماعة عسكرية بعد تأسيسهم للمستشفى الألماني في عكا بعد رحيلهم من القدس في مارس 1198م والاعتراف الرسمي به من بابا روما أنوست الثالث .

التعليقات