تقويم النيل في معارك السياسة المصرية – دكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور عمرو منير مصر
0 Flares 0 Flares ×

ذات ليلة منذ أكثر من نيف ونصف قرن من الزمان، تساءل “شوقي” مخاطباً النيل في مجراه: مِنْ أَيَّ عهدٍ في القُرى تَتَدفَّقُ… وبأَي كَفٍّ في المدائن تُغْدِقُ… ومِنْ السماءِ نزلْتَ أم فُجِّرت من علْيا الجِنان جداوِلاً تترقرق …؟! وبأَيَّ عَيْنٍ، أم بأَيَّة مُزْنةٍ … أم أيَّ طوفانٍ تفيض وتَفْهَق؟!.

هذه التساؤلات التي أطلقها “شوقي” تمجيداً للنيل.. كانت صدى للتساؤلات المماثلة التي طالما ترددت في شمال الوادي عبر آلاف السنين، فقد عنى المفكرون في جميع العصور منذ بدء التاريخ بنهر النيل، ووصفه، وتتبع منابعه،  وحوضه، ومصبه، وكثرت المحاولات لتفسير أحواله وظواهره المختلفة، وهذه الأمور جميعها هي ما يطلق عليها “جغرافية النيل”.وكانت تلك نقطة البداية في تفكير أمين سامي باشا حين اتخذ من النيل في سخائه وكرمه وفيضانه ومن شحه وبخله وتحاريقه تقويماً حولياً وركيزة أساسية للكتابة , ليس فقط عن أحواله وفيضانه وإنما عن مجمل أوضاع مصر فتتبع أحوالها مقرناً ذلك بأحوال النيل , ليضع لنا كتاب (تقويم النيل) في مجلدات ستة.  هذا السفر الضخم , الجليل والقيم بعد أن أنفق في تأليفه ما ينوف عن ربع قرن من الزمان هذا السفر الكبير الذي صدر في طبعته الأولى عام 1915م وأعادت هيئة قصور الثقافة بالقاهرة تقديمه هذا العام للقارئ العربي كما صدر في طبعته الأولى يأتي اليوم في وقت شديد الحساسية تحتل فيه قضايا مياه النيل اهتمامات السياسة الخارجية المصرية وشواغل واهتمامات الصفوة المصرية بعامة والحاكمة بخاصة وصانع القرار لكونه من أهم قضايا الأمن القومي والإقليمي المصري خاصة مع تزايد الأصوات المطالبة بنقل مياه النيل إلى الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة والقطاع وخاصة من جانب إسرائيل فضلاً عن أصوات بعض دول حوض النيل في المطالبة بتعديل الاتفاقيات التاريخية المتعلقة بحصة مصر في مياه نهر النيل .

كتاب (تقويم النيل) يؤكد على أن هذا الاهتمام بالنيل راجعاً إلي أن جميع من سَكَنَ مصر أو خالط أهلها أو زارها أو جاورها، يعلم تمام العلم أن النيل هو السبب في ثراء مصر ورخائها، وأنه الركيزة الأولي التي قامت عليها حضارتها المبكرة، تلك الحضارة النبيلة الراقية منذ آلاف السنين، والتي كان لها الفضل علي العالم كله، حيث نهل أبناؤه من وادي النيل مبادئ هذه الحضارة والعمران، يوم لم يكن حضارة ولا عمران إلا ما نشأ ونما في أحضان هذا الوادي الخصيب.

لذلك كان من الطبيعي أن يصبح نهر النيل محط اهتمام المصريين وغيرهم منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. فلا يوجد نهر في العالم كله له من الفضل علي إقليم وساكينه، مالنهر النيل من الفضل على مصر وساكنى مصر. ولذا بدأت محاولات استكشاف النهر منذ بدء المصري القديم يتحول إلي الزراعة، وعلي الرغم من قلة المعلومات المتاحة للمصريين القدماء عن أعالي النيل، إلا أنهم سرعان ما اتصلوا بغيرهم من الشعوب والبلاد التي تسكن وادي النيل في جنوب مصر، وهم بذلك كانوا مجدين في الاستكشاف والاتصال بالبلاد الأخرى.

كتاب تقويم النيل تتبع لنا ـ بقصد أو بدون ـ  محاولات المصريين القدماء لكشف النهر، ثم جاء اليونان واستمروا في البحث والاستقصاء عن النهر ومنابعه، وكان أشهرهم بطليموس الجغرافي. واستمرت محاولات العرب في القرون الأولي للهجرة، ثم محاولاتهم في العصور الوسطي، والحقيقة أن العرب نقلوا كتاب بطليموس عن النيل إلي لغتهم، وكان مرجعهم الأكبر في كتاباتهم الجغرافية، ولكنهم زادوا على بطليموس أشياء كثيرة إلا فيما يختص بأعالي النيل، فكانت كتاباتهم، في ذلك قليلة.

بيد أن من الملاحظة  والتي لم يلتفت إليها أمين سامي باشا أن الزيادات التي أضافها العرب على ما ذكره بطليموس عن النيل لم تكن صحيحة، بل كانت تشوبها الخرافات والأساطير في أحيان كثيرة، وقد اتضحت هذه الصورة في كتابات الجغرافيين والمؤرخين في العصر الملوكي (648-923هـ / 1250-1517م)، الذين نقلوا ما أورده القدماء من العرب وغيرهم عن نهر النيل، ولم تزد معلوماتهم كثيرا عما أخذوه من القدماء.

وخير مثال لذلك اتفاقهم جميعاً على أن نهر النيل ينبع من جبال القمر خلف خط  الاستواء من عشرة عيون في الأرض – والبعض ذكر أنها اثنتى عشرة عيناً –  تجتمع في عشرة روافد،تجتمع كل خمسة منها لتصب في بحيرة، ثم تجتمع هذه المياه مرة أخري في بحيرة واحدة حيث يخرج نهر النيل. وسنجد أن رحلة اكتشاف منابع النيل في الكتابات التاريخية قد استوعبت القصص والأساطير الشعبية الإسلامية مع الرواسب الأسطورية الفرعونية والقبطية إلي جانب بعض قصص الإسرائيليات، لتصب كلها في مجري واحد، غايته – في المخيلة الشعبية- اكتشاف منابع نهر النيل التي ظلت لغزاً محيراً آلاف السنين.

وأفاض أمين سامي في كتابه (تقويم النيل) في حديثه عن الفيضان السنوي الذي كان قد آثار اهتمام كل من كتبوا عن فضائل مصر وتاريخها وجغرافيتها من المؤلفين العرب، وكان الفيضان وأسبابه مرتعا لخيال هؤلاء وأولئك جميعاً ومجالا لتخمينهم وقد اعتمدوا فى هذا المجال إلى ما نقلوه من كتب القدماء وما جمعوه من الموروث الشعبي المتداول، فقد كان بلوغ الزيادة في نهر النيل عند تمام الستة عشر ذراعا، يعتبر علامة الوفاء أي وفاء النيل ـ وعندئذ يستحق تحصيل الخراج الذي للسلطان كاملا. وتسمى زيادة الستة عشر ذراعا هذه “بماء السلطان”. ويذكر المسعودي: أن أتم الزيادات نفعا للبلاد هي زيادة السبعة عشر ذراعا، وذلك لأنها تروي جميع البلاد، أما إذا زادت عن ذلك ووصلت إلى ثمانية عشر ذراعا فإن المياه تغطي رُبع أراضي البلاد حتى يفوق أوان الزرع، وهو ما اصطلح على تسميته استبحار الأراضي، وفي هذه الحالة يعقب انصراف تلك الزيادة حدوث الأوبئة والأمراض بمصر.

ومن الملاحظ أيضا على بعض كتابات المؤرخين المسلمين عند نهر النيل، أنه حاولوا إرجاع زيادة أو نقص مياه النيل إلى حركة الشمس والقمر في البروج السماوية، وبسبب النور والظلمة، والبدر والمحاق”. فارجعوا زيادة ماء النيل إلى المد الذي يكون في البحر؛ فإذا فاض ماء البحر تراجع النيل وفاض على الأراضي، وفسروا ذلك بأن حركة البحر التي أطلق عليها (المد والجذر) تحدث في كل يوم وليلة مرتين، وفي كل شهر قمري مرتين، وفي كل سنة مرتين.

بل أن بعض الجغرافيين والمؤرخين ذكروا أنه لمعرفة زيادة النيل أو نقصانه في كل سنة قبل حدوثها، فإن ذك يستطلع ويستنتج من حركة القمر والشمس في البروج وقسموا البروج إلى نارية، وترابية، ومائية، وهوائية، وذكروا أن القمر إذا كان في البروج النارية فهذا يدل على قلة الماء ونقصانه، وإن كان القمر في البروج الترابية تكون مياه النيل متوسطة، وإن كان القمر في البروج المائية فهذا يدل على كثرة مياه النيل وتوقع حدوث استبحار الأراضي، أما إذا كان القمر في البروج الهوائية فإن مياه النيل تكون كثيرة المنافع قليلة الضرر

الكتاب يؤكد أن زيادة النيل في كل العصور كانت بمثابة “مؤشر” الثروة القومية، ومن ثم كان طبيعيا أن يهتم المصريون منذ فجر تاريخهم بمقاييس النيل التي بنيت على النهر من أسوان حتى القاهرة وبالنسبة للمقاييس التي وجدت قبل الإسلام فلا نجد في المصادر العربية سوى صورة مضطربة عنها يغلب عليها الجو الأسطوري وتشوبها الخرافات.

تقول الروايات العربية أن أول من قاس النيل بمصر هو خصليم السابع (من أبطال الأساطير العربية التي حيكت حول تاريخ مصر قبل الإسلام). ويقال أنه :”صنع بركة لطبقة وركب عليها صورتي عقاب من نحاس: ذكر وأنثى، يجتمع عندها كهنتهم وعلماؤهم في يوم مخصوص من السنة، ويتكلمون بكلام فيصفر أحد العقابيين، فإن صفر الذكر استبشروا بزيارة النيل وأن صفرت الأنثى استشعروا عدم زيادته فهيئوا ما يحتاجون إليه من الطعام لتلك السنة”.وينسب المؤرخون مقياس منف إلى يوسف u، كذلك ينسبون إلى دلوكة العجوز بناء مقياسين بأنصنا و إخميم من بلاد الصعيد.

ويقفز بنا أمين سامي باشا إلى سماعيات المسعودي والتي تشابهت مع الكثير من المؤرخين فيقول : “وأما المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، فإني سمعت جماعة من أهل الخبرة، يخبرون أن يوسف النبي (u) حين بنى الأهرام، اتخذ مقياساً لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، وأن ذلك كان بمنف… وأن دلوكة الملكة العجوز ووضعت مقياساً آخر ببلاد إخميم[من محافظة سوهاج بالصعيد]”.,”كما وضعت العجوز دلوكة صاحبة حائط العجوز مقياساً بأنصنا وهو صغير الذرع” ولكن الأسعد بن مماتي ينسب هذين المقياسين إلى ملوك العجم دون تحديد الأسماء، ويضيف إليهما مقياساً بناه القبط بقصر الشمع.

وحرص أمين سامي باشا في المجلد الأول من كتابه وفي إطار منهج نقدي أن يعرض للفترة التاريخية الممتدة من الفتح الإسلامي لمصر ليقف عند بداية دخول مصر تحت الحكم العثماني واستكمل في مجلده الثاني حلقات تاريخ مصر في الفترة التالية بداية من الحكم العثماني مرورا بالغزو الفرنسي وأبدى اهتماماً بعلاقة النيل بالسياسة المصرية واستقرار الحكم في مصر وأشار للأوضاع الاقتصادية والسياسية والإدارية والاجتماعية  وتحدث عن نظم ولوائح ترتيب الأراضي الاقتصادية والاجتماعية وإنشاء المصانع والمدارس وتنظيم الجيش , وفي المجلد الثالث الذي تضخم فجعله المؤلف في ثلاثة مجلدات (الثالث والرابع والخامس) فتناول فيه نهر النيل وتقويمه في عصري عباس باشا ومحمد سعيد باشا بينما انفرد عصر إسماعيل بوفرة في المادة العلمية ملتزماً بالتسلسل الزمني الحولي في عرض الأحداث الكبرى وأخيراً جاء المجلد السادس كملحق وثائقي يحمل عنوان (ملحق تقويم النيل عن الجسور والقناطر والكباري والخزانات على النيل وفروعه بمصر والسودان من فجر التاريخ إلى الآن) ضمنه ما استطاع من وثائق وخرائط وجداول وإحصائيات ورسوم توضيحية , استكمل بها موضوعات المجلدات السابقة . وقد كشف لنا أمين سامي عن مقدرة عالية وعن تمكن ملحوظ في الاستفادة من المصادر على نحو علمي وربما كان أول مؤرخي مصر في القرن العشرين الذين استخدموا الوثائق التاريخية على نطاق واسع كما استطاع أن يخضع الكثير من هذه المصادر للنقد التاريخي .

وهكذا يتضح لنا أن كتاب (تقويم النيل)  لأمين سامي باشا ومن قبله العديد من كتابات  المؤرخين عن النهر إنما تعكس مدى أهمية النهر الخالد ومكانته في نفوسهم وشعورهم القوي بفضله عليهم لذا كان من اليسير أن نلمح مشروعية إعادة تقديم هذه النوعية من الكتب المتعلقة بنهر النيل اليوم للقارئ العربي كنوع من تأكيد الحقوق الثابتة والتاريخية لمصر في نهر النيل وكسند ثقافي للسياسة الخارجية المصرية تجاه دول حوض النيل التي تتسم بقدر من الخصوصية التي تفرضها قضية مياه النيل لما لها من أبعاد إستراتيجية أمنية وسياسية واقتصادية إذ يكفي معرفتنا من خلال هذا الكتاب أن النيل قد تسبب في وقوع سبع وأربعين أزمة اقتصادية في مصر طوال العصر المملوكي وحده .!

لذا تعتبر قضية المياه من القضايا الحيوية التي تشغل كافة دول حوض النيل , لاسيما في مصر التي دائماً ما تسعى إلى ضمان حقها التاريخي في مياه النهر خاصة مع بعض التوترات التي تشوب علاقة مصر بدول حوض النيل لرغبة بعض تلك الدول تغيير الوضع القائم لتعظيم الاستفادة من مياه النهر من جانب , واحتواء الدور الإقليمي لمصر في منطقة شرق إفريقيا والقرن الأفريقي من جانب آخر.وقد أدرك هيرودوت حقيقة أهمية النيل في حياة مصر حين شاهد هذا النهر العظيم فأطلق عبارته التي سجلها التاريخ على مر العصور وهى (مصر هبة النيل)

التعليقات