آباء الثورة المصرية – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور عمرو منير مصر
0 Flares 0 Flares ×

فارقنا عبد الله النديم في ليلة الثالث عشر من أكتوبر سنة 1896 م ، وأودع جثمانه الثرى ـ على أمل العودة ليعانق جثمانه تراب وطنه ـ في مقبرة بمدافن (يحي أفندي في باشكطاش باستانبول) وكُتب على شاهد مقبرته “بالأمس كان غريباً في ديارهم ..واليوم صار غريب اللحد والكفن ” … لهذا أجد نفسى تواقاً إلى التعريف بهذا النديم الذى سبق عصره فى معانى الجهاد، فإذا كان البارودى شاعر السيف والقلم/ فالنديم بلا شك مجاهد بالقلم فى عصر كثر فيه الطغيان وعلا فيه الظالمون وكادت إرادة الشعب تسحق لولا بقية من إيمان بأن دولة الظلم فانية ودولة الحق باقية.

النديم ذلك الروائى القصاص كاتب المنشورات السياسية والكاريكاتيرات اللاذعة استطاع أن يؤرق الاحتلال والمتعاونين معه وهو يجوب مصر متخفيا من دار إلى دار، احتضن مصر فاحتضنه المصريون، وأينعت ثمرته فإذا هو الآن يجد نفسه إزاء هذا الجمع من محبيه العارفين بفضله وهم ينادون بعودة جثمانه إلى مصر ليستقر فيها، فإذا دخلت على «الفيسبوك» ستجد جروبا أنشأه مجموعة من الشباب يطالبون بإعادة رفات النديم إلى مصر يحمل عنوان (بصوتك عبد الله النديم يعود للوطن!!).

حكا لى صديق عن زيارته إلى تايلاند، وفى أهم المزارات السياحية هناك وجد نفسه أمام حائط متهدم فيه فتحة يحيطها أهل البلاد بتقدير واحترام، باختصار هى فتحة اضطر ملك البلاد إلى عملها بعدما أشعل أعداؤه النار فى القصر محاولين قتله، ووجد نفسه يختنق، فثابر حتى لجأ إلى الحائط وثقبه وأخرج رأسه ليتنفس هواء الحرية.

مئات السنين مرت ولا يزال أهل البلاد يحتفلون بطاقة الهواء هذه التى وهبت ملكهم الحياة فحافظت على نسل الملوك رموز البلاد.

ولا يجب أن نكون نحن أقل تقديراً للنديم الذي فتح طاقة الحرية لوطن محتل أيام كان الجهر بالحق لا جزاء له إلا القتل أو النفى والتشريد، وقد نال النديم العقابين الثانى والثالث، فنفى وشرد ومات غريبا وحيدا عن وطنه وكأنى به يبكى وحدته وغربته وكربته. فأما آن لملهم الثورات العربية أن تستريح روحه الهائمة بعيدًا عن الأرض التي أحبها وناضل من أجلها؟ أما آن لعبد الله النديم أن يعود إلى مصر من منفاه الطويل؟.ألم يحن الوقت لكي نسترجع رفات رجل دافع بالكلمة عن الاستقلال السياسي والاقتصادي للوطن ؟ ألم يحن الوقت لرجل عرف قيمة العلم والتقدم وأهمية الكلمة والحرية والفن وأعطى كل هذا لمصر ؟

فلنكرم رموز الماضي تكريما عملياً لا نقتصر فيه على التذكر، بل نتعداه إلى التفكر، ولا يقف جهدنا عند التعرف إلى مكان دفن النديم بل إلى العمل على أن يعود إلى مصر ، كنا غرباء فى وطننا فأصبحنا أحراراً..وحق على من نادى بالحرية منذ مائة عام أن يجد راحته فى وطنه الحر.

لا تستغربوا إذا عرفتم أن فقراء المصريين كانوا يعرفون قيمة بطلهم النديم الذي كان خطيبهم وكاتبهم وشاعرهم وممثلهم ومضحكهم ومبكِّتهم ومن أجلهم تفجرت عبقرية النديم متعاملاً مع الطغاة بنبرة التهكم والسخرية فى أزجاله وأشعاره ومقالاته مؤكداً وجوب تغيير .. ثورة .. ضد اللامألوف واللاإنسانى .. ضد الجموح .. الهيمنة .. ضد الطبقية .. الموت ما قبل الموت.

وأدرك أننا لم تتأسس لدينا بعد مقومات سلطة رحيمة بشعوبها، وأن الوجه الإنساني للسلطة العربية مفقود لأنه ببساطة غير جدير باحترام ورهبة الذاكرة الشعبية المتخمة بصور البطولات حتى لو بدت زائفة.. وحتى لو ظلت عذابات للناس المغرمين دوما بالقوة والأقوياء ولاحظ أنه ثمّة علاقة بين المستبد وبين الأقلام المزيفة والصحف المزورة التي تنبت في مثل مناخ الاستبداد هذا، وتقيم تحالفاً غير مقدّس يستنبت الرياء والنفاق ويلغي الحريّة، وفي إلغائها كما يرى مرض الأمة وانحطاطها ولن يكون ثمة إصلاح إلا بتغيير شكل الحكومة المستبدة ونظامها السياسي، لذلك اقترح العمل العسكريّ المسلّح الذي يفضي إلى برلمان حر يغذي شجراته نقد حر.

وفي الوقت الذي كان الشيخ محمد عبده يصف الشعب بالمتخاذل ، ولايرى الحياة النيابية تناسبه ، ويظن الخير بالمستبد العادل… ولم يكن المستبد عادلا أو ورعا يوما من الأيام… كان النديم يعبر عن صبوة الشعب في تحقيق آماله ، وهو ما يفسر الحكم عليه بعد إخفاق الثورة بالإعدام ، بينما حكم على الشيخ بالنفي ثلاث سنوات !.

النديم وبوعيّ ثوري مبكر في مقالته  (حر الكلام كلام الحر)..نراه  يهاجم الأقلام والصحف المأجورة التي وضعتْ نفسها في خدمة الحاكم ورئيس وزرائه والتي أخذت تبرر سياستهما، ورأى النديم أنها أقلام بعيدة عن الشرف ولا تنال ذرة من الحريّة، ثم إنها منحازة صودرت منها حريّة التعبير ولا تقدم للجماهير الحقيقة كما هي ” لأن الكلام الحر ما كان غير مقيّد بمشرب مقتصراً على شرح الحقيقة بلا حشو ولا تنميق وكل قلم دعا إلى تأييد حاكم لا يشم رائحة الحريّة إذ القصد منه التزلف والتملق وجذب قلوب الأمم بألفاظ الدين المنمقة”.وهى ظاهرة مابرحنا نعاني آثارها الوبيلة إلى اليوم…!!.

مع الثورة المصرية سنتي (1881م ـ 1882م) التي اصطلح العُرف على تسميتها بالثورة أو الحركة “العرابية” بما في ذلك من تضييق لنطاق شعبيتها الواضحة ، جاب النديم أنحاء المحروسة يحمل العرائض ليوقع عليها الأهالي بتوكيل عرابي في الدفاع عن حقوقهم ، وحمى مظاهرة عابدين من أن يصيبها الخذلان ، ورافق عرابي وهو يتأهب للسفر بآلايه إلى رأس الوادي ، واتهم بتهييج أبناء الإسكندرية مع قدوم الأسطول البريطاني ، ووقف جنب عرابي في التل الكبير ، واختفى في غبار القرى والكفور إثر الانكسار سنوات تسع.

عندما انهار المشروع لم يعتذر أو يندم على تأييده له واشتراكه فيه كما ندم الآخرون واعتذروا، بل طوى علم الثورة وإلى ريف مصر فرَّ ،  وفيه اعتصم، وذاب بين أبنائه كما يذوب النهار على مذبح الشفق.. وبهذين الموقفين: الاحتفاظ بعلم الثورة والثقة بشعب مصر تفرد عن غيره من الثوار، ورغم الخطوب لم يفقد النديم الأمل يومًا ، فكتب لعرابي :”أمامك مستقبل أنت عصامه ، تجمع فريقًا أنت إمامه ، فأنت في مصر وإن كان جسمك في سيلان ، فذكراك في الألسن وسمتك في العين ..سرى صوتنا في البلاد وتنبه الناس من الرقاد ، وتوارد علينا زمر وأفواج ، فكان لفيفنا على هذا الترتيب : مخلص أدرك ما قصدنا فقام برصد رصدنا ، ومتردد حائر ، ومع النوازل دائر ، ومذبذب إن عظمت الآراء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومنافق عنا وإلينا ، ويحمل معنا وعلينا ، وهدوء ينسب إلينا البدعة ، وينصب لنا شرك الخدعة ، وساذج يتحرك إذا نبه “.

في أخريات عمره ، دق بابه ذات ليلة شاب رقيق يدعى مصطفى كامل ، يسأله عن الثورة المصرية ، وقصتها الحقيقية ، وأنه تتلمذ على صفحات جريدته “الأستاذ” ، “فأطلعه على دخائل الحوادث الماضية” ، ونصحه ألا ييأس من طريق الكفاح الشاق الطويل مهما طالت المقاومة ، ,أن يحذر من خداع الإنجليز ودسائسهم  ، ومن يومها ارتبط مع النديم بصداقة متينة منذ عام 1892، فتعلّم منه الخطابة حتّى غدا أقرب روحيّاً إلى خطيب الثورة المصرية” النديم “.

ذكر النديم أن صنع الثورة لم يكن أمراً سهلاً أو عفوياً أو طفرة نبتت فجأة، فقد سبقها ومهّد لها جدل وحوار تحددت بعده الأهداف والغايات ثم هرع الناس لينجرفوا في نهرها العظيم دون أن يكونوا على وعيّ متساو فيما بينهم باستثناء القلة القليلة من المثقفين الذين اتخذوا الخطابة وسيلة لجذب الجماهير وتهيئتها وتوحيد صفوفها، قال النديم :” ودارت رحى الأفكار.. واتجهت إلى الغاية الأبصار.. وجرى خلفنا في هذا الطريق رجال… اصطك ركابهم بركابنا في هذا المجال… ولم يدر ما قصدنا إلا العقلاء.. وقليل ما هم.. ولكنهم جموع دعوناهم.. فنبهناهم.. بهم اتسع نطاق هذه العصابة.. وتعددت محافل الخطابة.. وكان العقلاء بإخوانهم نبّهوا وأيقظوا.. وحركوا الهمم الساكنة.. وبينوا الأسرار الباطنة.. وحثوا على الاتحاد.. وترك التضاغن وتوحيد الكلمة لإبادة الظلمة “.

فما أشبه الليلة بالبارحة حين ..بدأت ثورتنا بالكلمة..كلمات من هنا وهناك تعبر عن نبض هذا الشعب الذي ظن البعض أنه مغلوب على أمره..لا يجرؤ على الهمس وإذا ما جرأ على الكلام فإما بالشكوى أو بالرجاء ظانين أنه يكرر ملهاة الفلاح الفصيح الذي لم ترق مستوى آماله إلا لكتابة الشكاوى إلى الفرعون الواحدة تلو الأخرى .

صنع المصريون التاريخ كالعادة..كلمات قالها رئيس الوزراء الإيطالي ليلخص حقيقة أساسية..صنع التاريخ يبدأ بالكلمة، كلمات الحق والعدل التى تحولت إلى موجة من موجات القوة شملت الشعب المصري بأكمله مسلميه وأقباطه..شبابه وشيوخه..رجاله ونساءه.

وكثير من الأحداث التى نعاصرها فى ثورتنا المستمرة هذه لن نعرف كمصريين قدرها الا بمرور الزمن..إنها أول ثورة شعبية فى تاريخ مصر القديم والحديث.. ثورة أسقط الشعب فيها نظاماً بوليسياً ظن أنه حكم وتسيد واستعد لتوريث المُلك الرئاسى ناسيا أو متناسيا عبارات خالدة أطلقها الزعيم أحمد عرابى “لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا..فو الله الذى لا إله الا هو إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم”. لتكون رسالة من جيله لجيلنا لجيل يأتي بعدنا ليكملوا ثورة شعب لإسقاط استبداد من تصوروا أن عقيدتهم وآرائهم وحدها صحيحة‏ وأنهم ملاك الحقيقة المطلقة !!.‏

التعليقات