صورة المسلمين في رحلة الجاسوس برترندون دي لابروكييه – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم أوربا و الإسلام دكتور عمرو منير شخصيات تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

رغم أن المشروع الصليبي على الأرض العربية قد فشل بسقوط عكا سنة 1291م؛  فإن إعادة الاستيلاء على المنطقة ظل سرابًا يجذب الأوربيين تجاهه كل حين ، وتجلت هذه الحقيقة في تلك المشروعات والخطط الكثيرة التي قدمها أصحابها من السفراء والمغامرين ورجال الكنيسة الكاثوليكية إلى أصحاب القرار من الكنسيين والعلمانيين في أوروبا الغربية ؛ وتلك الرحلات الكثيرة التي تدفقت على المنطقة العربية على مدى القرون التالية والتي كان عدد كبير منها بقصد التجسس ومعرفة مواطن الضعف ، وكيفية تحقيق أهداف المشروعات الصليبية الاستيطانية المتأخرة ولتبدأ مرحلة جديدة من مراحل تطور “الآخر” في وجدان الأوروبيين بشكل عام حملت الكثير من مظاهر العداء والكراهية ضد الإسلام والمسلمين.

 وتمثل رحلة الفارس “برترندون دي لابروكييه”إلى بلاد الشام (1432 – 1433م)  مثالا لرحلات التجسس التي مولها دوق برجنديا فليب الطيب (1419 – 1467م) ، تمهيدًا للقيام بحملة صليبية جديدة لتحقيق أعز أمانيه في استرجاع الأراضي المقدسة.

وصل برترندون دي لا بروكييه إلى الشرق الأدنى الإسلامي وهو متحامل على سكانه شأن أكثر حجاج العصور الوسطى الأوروبيين ولا يخفى بروكييه هذا ، بل لا يحاول أن يتستر عليه ، فنراه يعبر عن هذا الشعور في أكثر من مناسبة فيقول مثلا : “ولما أوصيت بألا أثق بالعرب من هذه الملة الضالة” وفي مكان آخر يصف أهل دمشق بقوله :” وأسوق هذه الحادثة لأوضح أن سكان دمشق قوم أشرار ، وعلى الإنسان أن يتجنب المشاجرة معهم”. ويرجع هذا التحامل إلى حد كبير إلى كتابات الحجاج وعما يلاقونه من مصاعب خلال زياراتهم للأماكن المقدسة ، كما يعود إلى وصية رئيس الفرنسيسكان للحجاج قبيل مغادرتهم الرملة إلى القدس باللاتينية والإيطالية ، وكانت هذه الوصية تتضمن قواعد وإرشادات للحجاج عليهم إتباعها خلال إقامتهم في الأماكن المقدسة ، وأوصاهم بأن لا يثقوا بالعرب حتى بمن تودد إليهم منهم .

لكن لا يلبث بروكييه أن يمتدح كرم العرب وحسن استضافتهم للغريب بعد أن جرب ذلك بنفسه عندما نزل ضيفًا على بعض العرب في طريقه إلى غزه . ويشير إلى أن العربي الذي كُلف بالاعتناء به بالغ في السهر على راحته ، ويضيف إلى ذلك أن العرب لم يسلبوه ماله وأمتعته كما كان يشاع . ويشرح تفاصيل استضافة عربي له في طريقه إلى طبرية ولكنه لم يكن يدرك أن استقبال العربي له كان بدافع كرم لا لأنه رأى ما يحمله بركييه من النبيذ .

ويستطيع القارئ لرحلة بروكييه أن يلحظ فرقا بين معاملة الجهات الرسمية للحجاج الأوروبيين وبين معاملة الأفراد لهم ؛ فيذكر ما لقيه من عدل نائب غزة وحمايته له من المكارة الذين حاولوا إجباره على استئجار دوابهم كما ينوه بما لقيه من عدل حاكم دمشق الذي أطلق سراحه عندما قبض عليه .

ويسهب بروكييه في وصف قافلة الحج العائدة من مكة إلى دمشق ، ويذكر أنها تتألف من ثلاثة آلاف جمل ، ويظهر أن بروكييه استقى معلوماته عن الحج من المملوك عبد الله الذي تعرف إليه في دمشق ، فقد ذكر له المملوك أن عدد أفراد قافلة الحج يبلغ سبعمائة ألف . وفي هذا الرقم مبالغة كبيرة ، فمحمل الحج الذي كان يخرج من دمشق لم يكن يمثل العالم الإسلامي كله ، فقد كانت تخرج من العالم الإسلامي أربع محامل سلطانية من القاهرة ودمشق وبغداد وتعز ، كل على إنفراد رغم قلة معلومات بروكيه عن تفاصيل شعائر الحج والأماكن المقدسة الإسلامية ، فإن معلوماته ووصفه لطريقة استقبال المحمل تتسم بالدقة فيلاحظ الفرق بين الجمل الذي يحمل الكسوة وبين المحفة التي كانت تحمل في العادة على جملين أو بغلين .

ويظهر بروكييه اهتمامًا كبيرا بالخيول العربية الأصيلة ، ومعلوماته عنها دقيقة ، فهو يؤكد اهتمام العربي بالخيل ، ويذكر أن الأغنياء من العرب يتحدثون مع ضيوفهم في الإسطبل الأمر الأمر الذي يحرصون من أجله على نظافته ورطوبته . وكان هذا مرًا طبيعيا في عصر كعصر المماليك اعتمد فيه على الخيل في الحرب . ونجد أن الاسطبلات السلطانية كانت تحت إدارة خاصة عرفت باسم “الركاب خاناه” وكان “ناظر الاسطبلات ” من الوظائف المهمة في الدولة ، وذكرها المقريزي بقوله ” أن هذه الوظيفة جليلة القدر” ويذكر بروكييه أن ثمن الحصان كان يبلغ مئة وخمسين دوكة ، ولكن أثمان الخيول الكريمة كانت تبلغ أضعاف هذا المبلغ ويذكر المقريزي أن ثمن الفرس الواحد من خيول آل مهنا بلغ الستين ألف درهم والسبعين ألف درهم ، وكان السلطان يخلع الخيول على الأمراء والمقربين إليه مرتين في السنة : الأولى عند خروجه إلى مرابط خيوله والثانية عند لعبه الكرة في الميدان.

ويهتم بروكييه بألبسة المسلمين اللذين لقيهما في طريقه إلى طبرية ، فيصف بدقة “الكلوتة” التي كان كل منهما يلبسها على رأسه بدون عمامة ،وهى ذات قرنين منعطفين إلى أسفل عينيه ومصنوعة من الصوف الأحمر ، ويذكر المقريزي أن هذه الكلوتات عرفت بالكلوتات الجركسية ويظهر أن هذين المسلمين كانا من العساكر العاديين لأنه يذكر أن أكمام قباءيهما كانت عريضة ، فقد كان الأمراء والمقدمون وأعيان الجند يتميزون بلبس أقبية قصيرة الأكمام .

كان الغرض الأساسي من رحلة بروكييه إلى الشرق الأدنى الإسلامي هى جمع المعلومات اللازمة لإعداد حملة لغزو البلاد والاستيلاء على القدس والأماكن المقدسة ، ومن أجل هذه المهمة المقدسة نراه يهتم اهتمامًا خاصًا بوصف الموانئ والمدن التي يمر بها وتحصيناتها ودرجة مناعتها في وجه الغزو . ثم يصف الأسلحة التي يراها ويحاول إثارة الغربيين لنجدة إخوانهم المسيحيين في الشرق الذين يصيبهم ظلم العرب ، ولتخليص الأماكن المقدسة من أيدي المسلمين بسبب ما يلقاه الحجاج إلى هذه البلاد من عاملة قاسية .

ومعلوماته فيما يختص بالموانئ والمدن ذات قيمة كبيرة من الناحيتين الجغرافية والتاريخية ، فيذكر بصدد الموانئ ما إذا كان الميناء صالحًا لاستقبال السفن ، ثم يصف تحصيناته إن كانت هناك تحصينات “فميناء عكا يصلح لرسو السفن ؛ عميق وغير مسور ” ، “وميناء يافا ضحل سيئ ” ويهتم فيما يختص بالمدن وأسوارها وفنادقها وقلاعها ، ومما يدل على بالغ اهتمامه بالقلاع تتبعه أخبار قلعة دمشق ، فلم يفته أنها تخضع للسلطان مباشرة وأن نائبها مستقل عن نائب دمشق ، وأنه لا يسمح لنائب دمشق بدخولها ، ويتفق في معلوماته هذه مع وضع قلعة دمشق عند مؤرخي هذه الفترة فيذكر القلقشندي :” أن نائبها لم يكن يمكن أحدًا من طلوعها ” .

ويبدو اهتمام بروكييه بالأسلحة في إطالته في وصف سيوف دمشق التي “هى خير السيوف وأفضل ما يصنع في سورية ” فيصف طريقة صقلها كما يصف مرايا الفولاذ التي تعكس الضوء فتولد النار في الأشياء . كما يبدي اهتمامًا بالغًا بالمقذوفات النارية التي كان أهل بيروت يطلقونها احتفالا بالعيد ، فتحرى عن صانعها وعن طريقة صنعها . وألح على الصانع أن يوقفه على طريقة صنعها ، وقدم له رشوة من أجل هذا الطلب ، فوقف على السر وأخذ معه إلى أوروبا نموذجًا من هذه المقذوفات ، كما اجتذب القوس اهتمامه فتحرى عن استعماله.

ويشير بروكييه إلى الظلم الذي كان يقع على النصارى من أهل البلاد والقسوة التي كان الحجاج يعاملون بها في البلاد المقدسة ، ويحاول بهذا إثارة الغربيين لنجدة إخوانهم في الدين بالاستيلاء على الأماكن المقدسة ، فهو يرى :”أن خضوع القدس لحكم العرب القاسي يلحق العار بالعالم المسيحي ويحزنه”.

وتلقى رحلة بروكييه ضوء على فئة التراجمة والأدلاء الذين كانوا يقدمون خدمات كبيرة للحجاج تصل أحيانا إلى تعريض أنفسهم للموت في سبيل القيام بواجبهم نحو المسافرين بسبب جشع الموظفين وبعض إعتداءات قطاع الطرق ونجد في تقارير العديد من الرحالة الأجانب ما يدل على أن التراجمة على العموم كانوا كرماء في معاملتهم للمسافرين ورغم ذلك لا يزجي بروكييه الكثير من الثناء على خدمات هؤلاء بسبب ماكان يحمله من فكرة مشينة عن أهل البلاد بوجه عام وبسبب ما كان يقوم به المكارة وأصحاب الدواب أحيانا من محاولات للحصول على مبلغ من المال أكبر من المتفق عليه. ورغم الموقف العدائي المسبق للجاسوس بروكييه إلا إن رحلته تكشف لنا أنه رغم أن الحروب الصليبية قد ألهبت المشاعر العدائية على الجانبين بالفعل ، ولكنها كشفت أيضًا لكل من الجانبين أن ” الآخر ” إنسان ، وأنه يحمل من الخصائص والخصال الإنسانية الحقيقية ما يجعل التعامل معه أمرًا ممكنًا.وأن الناس في حياتهم اليومية لا يكونون على الدوام أسرى الأفكار والرؤى الأيديولوجية التي يروجها أبناء النخبة الذين يربطون أنفسهم عادة بمصالح الحكم وطموحاته وإنما يبحثون عن ما ينفعهم .

التعليقات