حياة أجدادنا في الصيف – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

طقس الصيف الحار لا يكاد يشعر به الرعيل الأول من الآباء والأجداد حتى يتذكروا الماضي، إذ يعود بهم إلى همسات الماضي الدافئة ، وتذهب بهم بعيداً عن حياة الحاضر ومكملاتها المعاصرة. إذ يرتبط الصيف في أذهان أجدادنا بأمور عدة، ربما لها تاريخ طويل، وقد تطرأ تغيرات جديدة كل عام إلا أنهم سرعان ما كانوا «يتحايلون» عليها ليظل الصيف هو الصيف.

فأوجدت ظروف الحياة والطقس في بلاد العرب قديماً نظماً وأنماطاً حياتية متكاملة تؤثر وتتأثر حسب الوقت والمكان، فأوجد الصيف بحره اللافح أنماطاً وسلوكاً بشرياً متكاملاً، خصوصاً فيما يتعلق بالغذاء والطعام في المجتمع . ولأن حرارة الصيف كانت قاسية كان في المقابل أجدادنا الأوائل يبحثون عن الوسائل المتوافرة حينها كي يتعايشوا مع هذه الحرارة، بل ويوظفوها من أجل مصالحهم. وتميز الآباء والأجداد في الماضي بقدرتهم على التكيف مع جميع المواسم والأحوال السائدة، سلاحهم الصبر والإرادة، لا يستسلمون بسهولة، ويبحثون عن الأمل والمستقبل حتى وإن: “مات جماعة منهم من شدة الحر؛ حر النار مع حر الزمن” حسبما ذكر البكري في الروضة المأنوسة .

واجتهاد الرعيل الأول من أجدادنا ليؤمنوا احتياجاتهم في ظل حالة شظف العيش التي سادت في الأزمان الغابرة يعد مدخلاً لابد من الخوض فيه وتحليل أثره على الإنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في المجتمع العربي قديماً. إذ كانت ومازالت أيام الصيف العربية تشتعل من شدة الحرارة. لذلك كان أصحاب البيوت يتشبثون بأية وسيلة تحميهم من حرارة الصيف المحرقة فكانت وسائل التبريد عندهم تتطلب اتخاذ طرق خاصة في تكييف وتبريد دورهم بحيث تجعلها مجهزة لحمايتهم من حرارة الصيف. والطرق التي يستعملونها حيث اتخذ الناس في الديار الإسلامية قديمًا خاصة الأغنياء منهم وأهل النعم جملة وسائل للتبريد والتهوية أيام الصيف الحارة ، فمن اتخذ السراديب تحت الأرض إلى الإكثار من الباذهنجات (فتحة على طول الحائط لإضاءة السرداب أو لأدخال الهواء فيه) إلى نصب الخيش وبله بالماء البارد إلى بناء قبات من القصب الرطب الأخضر إلى غير ذلك . ويبدو أن العرب كانوا يطينون سقف البيت وأرضه ، ويؤتى بقطع الثلج العظام فتجعل ما بين أضعافها ، وكان بنو أمية يفعلون ذلك أيضًا ، فلما كانت خلافة المنصور طين له بيت في الصيف ليقيل فيه واتخذ له أبو أيوب المورياني وزيره ثيابًا كثيفة تبل ثم اتخذ الخيش المبلول ونصبه على القبة الخاصة به . وقد غلب اتخاذ الخيش أية وسيلة أخرى للتبريد أيام الصيف ، وقيل أن أول من علق الخيش لاتقاء الحر الحجاج بن يوسف الثقفي .

ولكثرة اشتهار المنصور باستعمال الخيش اعتبر بعض المؤرخين هذا من اختراعه ، وكانت هذه العادة شائعة كثيرًا في خراسان فقد اخبرنا المقدسي أنه رأى هناك بيوت الخيش ينزع عليها الماء من قنى حولها من فوق بالدوام . ويبدو أن استعمال الخيش على هذه الشاكلة شاع بين الناس حتى اعتبروه لذة العيش . ورووا أن أبانا اللاحقي دخل على عنان جارية الناطغي في يوم من الصيف وهى جالسة في الخيش فقال لها :

لذة عيش الصيف في الخيش .

فأحابته : لافي لقاء الجيش بالجيش .

والتراث العربي ذاخر بأخبار طريفة عن استعمال الخيش اتقاء الحر اللافح : حدث بعضهم قال : دخلت على الرشيد فإذا هو في هيئة الصيف في بيت مكشوف وليس فيه فرش على مقعد عند باب البيت ، وكان لا يخيش البيت الذي هو فيه لأنه كان يؤذيه . ولكنه كان يدخل على برد الخيش ولا يجلس فيه . وكان أول من اتخذ في بيت مقيلة في الصيف سقفًا يلى سقف البيت الذي يقيل فيه . وكان يؤتى بغلائل القصب فتغمس بالطيب فيفعل ذلك مرارا فيعبق بيت مقيله بالبخور والطيب .

وذكر أبو الحسن العروضي أنه اجتمع مع أبي بكر الأنباري عند الراضي بالله (934- 940) على الطعام ، وكان الطباخ قد عرف ما يأكل أبو بكر وشوى له قلية يابسة . قال : فأكلنا نحن ألوان الطعام وأطيابه وهو يعالج تلك القلية ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها ، فقمنا ونمنا على الخيش ولم يشرب ماء إلى العصر ، فلما كان بعد العصر قال يا غلام الوظيفة ، فجاء من الحب وترك الماء المزمل بالثلج فغاظنى أمره وقلت : يا أمير المؤمنين يحتاج هذا إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها .

وذكر أحد جلاس حامد بن العباس في ولايته أنهم كانوا يومًا جلوسًا في الخيش بمدينة واسط في يومٍ شديد الحر فجاء البرد في ليلة ، فأصبحوا من غد وقد لبسوا الخز المحشو ، وتعجبوا من التفاوت بين الحالمين في شدة الحر وشدة البرد في ليلة واحدة .

وقد اتهم البغداديون أنهم غير أهل للغزو والقتال لأنهم قد ألفوا بيوت دجلة وشرب النبيذ والثلج وبيوت الخيش المبلل وسماع القيان .

فقد حدث أبو محمد بدر بن أبي الأصبع الكاتب ، قال حدثنى جدي قال : دخلت إلى بختيشوع في يوم شديد الحر وهو جالس في مجلس مخيش بعدة طاقات من الخيش طاقان ريح بينهما طاق أسود وفي وسطها قبة عليها جلال من قصب مظهر بدبيقي قد صبغ بماء الورد والكافور والصندل ، وعليه جبة يمانى مثقلة ، ومطرف قد التحف به فعجبت من زيه ، فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال : يا غلام اكشف جوانب القبة فكشف فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج وغلمان يروحون ذلك الثلج فيخرج منه البرد الذي لحقنى .

وأعجب من هذه الطريقة ، طريقة أخرى عمد إليها بختيشوع الطبيب أيضًا يوم كلف بإقامة دعوة غداء للخليفة المتوكل على الله .

يحدثنا سهيل فاشا في سياق كلامه عن الثلج أنه حدث بعض أصحاب بختيشوع قال : إن المتوكل قال يومًا لبختيشوع : ادعنى ، فقال : السمع والطاعة . وكان الحر شديدًا ، فقال بختيشوع لأسبابه وأصحابه ، أمرنا كله مستقيم إلا الخيش فإنه ليس لنا منه ما يكفى فأحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش بسر من رأى ( سامراء) ، ففعلوا ذلك واحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع ، فقطع لداره كلها : صحونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها ، خيشًا حتى لا يجتاز الخليفة ، وموضع غير مخيش ، وأنه فكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة ، فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسامراء من البطيخ ، واحضر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها ، وأصبح وقد انقطعت روائحه ، فتقدم إلى فراشيه فعلقوا جميعه في المواضع المذكورة ، فلما وافاه المتوكل ،رأى كثرة الخيش وجدته ، فقال : أي شئ ذهب برائحته ،  فأعاد عليه حديث البطيخ ، فعجب من ذلك . وأراد النوم فقال لبختيشوع أريد أن تنومنى في موضع مضئ لا ذباب فيه ، وظن أنه يتعنته بذلك . وقد كان بختيشوع تقدم بأن تجعل أجاجين السيلان – أي الدبس – في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه . فلم يقرب أسافل الدار ذبابة واحدة ، ثم دخل المتوكل إلى بيت مربع كبير وسقفه كله بكواء فيها جامات يضئ البيت منها ، وهو مخيش مظهر بعد الخيش بالنسيج الديبقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور . فلما اضطجع للنوم ، أقبل يشم روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هى لأنه لم ير خلف الخيش طاقات ولا موضعًا يجعل فيه شئ من ذلك , فتعجب المتوكل وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها فخرج يطوف فوجد حول البيت وخارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابًا صغارًا كالطاقات محشوة بصنوف الرياحين والفواكه وماء الورد والزعفران وغيرها من الطيب ورأى الفتح غلمانًا قد وكلوا بتلك الطاقات مع كل غلام مجمرة فيها ند يسجره ويبخر به البيت . ويبدوا أن الخيش كان كثير الشيوع ولعله لم يكن غالي الثمن ، وظل يأتيهم من نواح كثيرة أخصها مصر التي عرفت بحسن خيشها ، واشتهرت طبرستان أيضًا بثياب الخيش المحمولة إلى الآفاق ، ويباع منها بمكة شئ كثير ، ولكثرة الخيش في دار الخليفة كان الرسم على كل عريف فيها أن يدخل يومًا من الأيام هو ومن في عرافته إلى دور الخدم لرش الخيوش التي فيها . وقد عرف العرب من بين وسائل التبريد لديهم مروحة الخيش التي شاعت عندهم وتكون شبه الشراع للسفينة وتعلق في سقف الدار ويشد بها حبل تدير به مشيها وتبل بالماء وترش بماء الورد فإذا أراد الرجل بالقائلة أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجئ فيهب على الرجل منها النسيم باردًا رطب الريح فيذهب عنه أذى الحر ، ويستطيب وهى من فوقه ذاهبة وجائية .

وهذه المروحة ” مروحة الخيش” محدثة في زمن العباسيين ، وكان سبب حدوثها أن هارون الرشيد دخل يومًا على أخته عليَّة بنت المهدي في قيظ شديد فألفاها قد صبغت ثيابًا من زعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف فجلس هارون قريبًا من الثياب المنشورة فجعلت الريح ترفع الثياب فتحمل منها ريحًا طيبة عطرة ، فوجد لذلك راحة من الحر واستطابه فأمر أن يصنع له في مجلسه مروحة على الوجه المذكور . ليتركنا نحن اليوم وسط هذه القيظ من حرارة الصيف وسخونة الأحداث السياسية دون أن نجد هبة نسيم باردة تمنح العقل العربي بعضا من الانتعاش وسط ليل طويل ،  أنهك العقل من متابعته اليومية لإحداث الانقسامات العربية والحرب والاغتيالات والخلافات كأن الأقدار قد اختصت منطقتنا وحدها بكل بؤر انشغال النيران وتركت بقية مناطق العالم بردا وسلاما علي أهلها .!

التعليقات