الأطراف الصناعية في التراث العربي القديم – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

تذكر بعض المرويات إن التصميم الأقدم للأطراف الصناعية في التاريخ الغربي بدأ في عام 1529م عندما صمم أحد الجراحين قدما صناعية لمساعدة المحاربين الذين فقدوا بعض أطرافهم خلال الحروب ، ويرجع البعض فكرة استخدام طرف صناعي إلى القرن الخامس قبل الميلاد عندما قام احد أسرى الحرب بقطع ساقه لكي يهرب من سلاسل السجن ، ثم شاهده الناس يسير ، وقد دهشوا لذلك وعندما دققوا النظر وجدوا أنه استخدم طرفا خشبيا.  ومنذ ذلك التاريخ أخذ الإنسان يهتم بهذا الجانب فمن القدم الخشبية إلى تطورات هائلة دخلت فيها كل أشكال التكنولوجيا ففي السنوات الأخيرة توصل الإنسان إلى اكتشاف أطراف تعمل على التقنيات الالكترونية بعدما زودت بأجهزة استشعار حساسة للحرارة واللمس ، كذلك يمكن ربطها بالجهاز العصبي مباشرة، حيث يستطيع المعاق تحريكها بواسطة التفكير فقط .فالذراع الصناعية مثلا يستطيع ان تزود المعاق بعناصر حس طبيعية، خاصة اللمس والحرارة وقوة القبضة.ولكن مطالعات ميخائيل عواد في تراثنا العربي القديم ، تؤكد على سبق العرب في هذا المجال وتقف بنا مصادر تراثنا  على أخبار تاريخية تتناول تركيب أعضاء مُصطنعة للإنسان حينما كان يفقد عضوًا من أعضائه : كالرجل واليد والأصابع والأنف والأسنان والشعر واللحية . فقد ذكر غير واحد ، ممن ترجم للزمخشري ، الأديب اللغوي الشهير المتوفى سنة 538 هـ / 1144م ، أنه أصاب خراج في رجله ، فقطعها واتخذ رجلا من خشب ، وقيل أصابه برد الثلج في بعض أسفاره بنواحي خوارزم ، فسقطت رجله .

وحُكي أن الدامغاني المتكلم الفقيه ، سأل الزمخشري عن سبب قطع رجله ، فقال : دعاء الوالدة ، وذلك أني أمسكت عصفورا وأنا صبي صغير وربطت برجله خيطا ، فأفلت من يدي ، ودخل خرقًا ، فجذبته فانقطعت رجله ، فتألمت له والدتي ، وقالت : قطع الله رجلك كما قطعت ، فلما رحلت إلى بخارى في طلب العلم ، سقطت عن الدابة في أثناء الطريق فانكسرت رجلي ، وأصابني من الألم ما أوجب قطعها .

وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال ، فيظن من يراه أنه أعرج . وجاء في أحداث سنة 427 هـ / 1035م أنه في شهر رمضان ، توفى رافع بن الحسين بن مقن من وكان حازمًا ، شجاعا ، وخلف بتكريت ما يزيد على خمس مائة ألف دينار ، فملكها ابن أخيه خميس بن تغلب ، وكان طريدًا في أيام عمه ، وكانت يده قد قُطعت ؛ لأن بعض عبيد بنى عمه كان يشرب معه ، فجرى بينه وبين آخر خصومة ، فجردا سيفيهما فقام رافع ليصلح بينهما ، فضرب العبد يده فقطعها غلطَا ، ولرافع فيها شعر ، ولم تمنعه من قتال ، فقد عمل له كفًا أخرى يمسك بها العنان ويقاتل .

ذكر ابن قتيبة الدينوري المتوفى 276هـ / 889م في ترجمة خلف بن خليفة ، أنه :” كان أقطع اليد وله أصابع من جلود ، وكان شاعرا ظريفا مطبوعا ..” ولم يذكر إذا كانت مفاصل تلكم الأصابع تتحرك أم لا ، ومهما يكن من الأمر ، فاتخاذ الأصابع من الأدم ، يدل على أن العرب عرفوا شيئًا من التعويض عما يتلف من أعضائهم .

أما الأنف المصطنع فإن أول من اتخذ أنفا من المعدن ، هو عرفجة بن أسعد ، فقد أُصيب بأنفه في يوم الكُلاب ، وقد صنع له أنفا من ورق أي من فضة فصدُؤَ وتعفن أنفه ، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب ؛ لأن الذهب لا يصدأ .

وتتبوأ الأسنان الصدارة في ميدان تركيب الأعضاء المصطنعة للإنسان ، ولعل أبعد الأخبار عهدا في هذا الشأن ، يرتقى إلى فجر الإسلام ، فقد ذكر غير واحد من المؤرخين الذين تناولوا ترجمة الخليفة عثمان بن عفان أن أسنانه كانت مشدودة بالذهب .

وقال غيرهم ، إنه حينما كبر وتقدم في السن وضع له سنا من الذهب . وذكر ابن حجر أن عبد الله بن عبد الله ابن أُبي، فقد في معركة أحد، إحدى رباعياته ، فنصحه رسول الله بأن يعوضها بثنية من ذهب . وكان عبد الملك بن مروان من أعاظم الخلفاء ودهاتهم ، مفتوح الفم ، مشبك الأسنان بالذهب . وقد أجاب سائله يوما : إن الذي أحوجني إلى شد ثناياي بالذهب ، قراع المنابر . قال أبو الحسن المدائنى : لما شد عبد الملك أسنانه بالذهب قال : لولا المنابر والنساء ما باليت متى سقطت .

يعنى أن من مستلزمات الخطيب أن يكون فصيح النطق ، بين الألفاظ ، وإن فقد مقدم الأسنان يذهب بالنطق الفحل ، ويوهن قيمة ألفاظ الخطيب التي يريد بها التأثير على السامع .

ونظيره أبو عمرو بن العلاء من أعلام النحويين في البصرة ، كانت أسنانه الأمامية مكسوة بالذهب .

وعُرف في يغداد رجل يقال له أبو مسلم معاذ الهراء النحوي الكوفي كان يبيع الثياب الهروية ، فنسب إليها . وكان من أعيان النحاة ، وعنه أخذ الكسائي النحو . قال ابن خلكان :”كان في عصره مشهورا بالعمر الطويل وكان له أولاد وأولاد أولاد فمات الكل وهو باق . وقد عاش مئة وخمسين سنة . قال عثمان بن أبي شيبة : رأيت معاذ بن مسلم الهراء ، وقد شدت أسنانه من الكبر .

وكان الحسن بن على بن شبيب المعروف بالمعمري من علماء بغداد وقضاتها ، شد أسنانه بالذهب ، وقد عمر فبلغ اثنتين وثمانين سنة . وروى أحمد بن حنبل عن حماد بن أبي سليمان الكوفي ، أنه قال : إنه رأى المغيرة بن عبد الله ، وقد شد أسنانه بالذهب .

كما عرفت الحضارة الإسلامية ما يُعرف بالشعر المصطنع فإن أبا الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني يذكر لنا خلال كلامه عن جميلة سيدة الغناء قال : قال أبو عبد الله : جلست جميلة يوما ولبست برنسا طويلا ، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك ، وكان في القوم ابن سريج ، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه ..ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج ، فوضعتها على رأسها ، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا “.

وفي المصادر العربية القديمة ، أخبار وحكايات بشأن اللحى ، تجمع بين الطرافة والغرابة ، والعناية بها كأنها رمز الحكمة ، وقد صنف غير واحد من العلماء والكتاب القدامى والمعاصرين ، رسائل في اللحية .

جاء في أخبار سنة 284هـ /897م أن :”فيها ظهر في دار الخليفة المعتضد بالله ، شخص في يده سيف مسلول ، فقصده بعض الخدام ، فضربه بالسيف فجرحه ، واختفى في البستان ، فطلب قلم يوجد له أثر فعظم ذلك على المعتضد ، واحترز على نفسه وساءت الظنون فيه ، فقيل هو من الجن ، وقيل غير ذلك . واقام الشخص يظهر مرارا ثم يختفى ، ولم يظهر خبره حتى مات المعتضد والمكتفي ، فإذا هو خادم كان يميل إلى بعض الجواري التي في الدور . وكانت عادة المعتضد أنه من بلغ الحُلُم من الخدام ، منعه من الدخول إلى الحُرم ، وكان خارج دور الحرم بستان كبير ، فاتخذ هذا الخادم لحية بيضاء ، وبقى تارة يظهر في صورة راهب ، وتارة يظهر بزي جندي بيده سيف ، واتخذ عدة لحى مختلفة الهيئات والألوان ، فإذا ظهر خرجت الجارية مع الجراري لتراه ، فيخلو بها بين الشجر ، فإذا طُلب دخل بين الشجر ونزع اللحية والبرنس ونحو ذلك ، وخبأها وترك السيف في يده مسلولا كأنه من جملة الطالبين لذلك الشخص . وبقى كذلك إلى أن ولى المقتدر الخلافة وأخرج الخادم إلى طرسوس فتحدثت جارية بحديثه بعد ذلك .

وكان بعض المحدثين لا يقبل في مجلسه من لم يكن ملتحيا ، خوفا من قصص الغرام فيما يظهر ، ويذكر أن صبيا كان شديد الرغبة في سماع الحديث ومنع من ذلك ، فاتخذ لنفسه لحية مصطنعة .

التعليقات