الإبل في المعتقدات والأساطير العربية – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

إن الخوض في غمار تراثنا الخصب مسألة مشوقة , ضرورية رغم صعوبتها.فهي مشوقة لما يحتويه تراثنا من رموز تشكل هويتنا,صعبة نظرا لقدم وتشابك تلك الرموز بحيث إنها في الكثير من الأحيان تختلط فيصعب استسقاء مصدرها الأساسي والوقوف على التحولات والتغييرات التي لحقت بها عبر السنين.وما رمزية الإبل إلا إحدى أهم اللبنات التي شكلت ثقافة العربي القديم ، ولعل شيوع صفات تقديس لهذا الحيوان أو ذاك ، أو الارتقاء به إلى حد ( التأليه) في المجتمعات البشرية ، لا بد من اقترانه بوقائع أسطورية تضرب في أعماق التاريخ ، وبالمقابل قد يكون هذا الحيوان له أهميته في بعض القصص الديني الذي لا يشك فيه لوروده في الكتب السماوية ، لكن التحريف الذي لحق بذلك النوع من القصص كان باعثًا على نسج طائفة من الأساطير والمعتقدات رهبة وموعظة من النتائج التي آلت إليها الأحداث المرتبطة بالحيوان ارتباطًا مباشرًا وذلك هو مدخلنا في تحديد الملامح الأسطورية والمعتقدات والموروثات الشعبية  المرتبطة والمحاطة بالإبل لدى الوجدان الشعبي العربي .

ويبدو طبيعيا أن تكون عروسة المولد بشكلها ولونها وتعبيراتها وما حملته من تشكيلات حيوانية وما تضمنته من معاني تاريخية وأسطورية وسحرية وشعبية وجمالية وغير ذلك ، مصدرًا حيا لموضوع مثير تناوله الفنان الشعبي لأنه يتصل بالحس والوجدان والعاطفة فانعكس على  لعب الحلوى لنجد أنفسنا أمام سلسلة من الرمز مما يجعلنا نتساءل لماذا ظهرت لعب دون الأخرى ، ولماذا اختيرت حيوانات وطيور خاصة دون غيرها ؟! ، ولكننا نجيب على هذا التساؤل بأن هذه الأشكال لم تأت عفوًا وإنما أملتها ظروف خاصة على الوجدان الشعبي سواء بوعي أو غير وعي فعبر عنها دون غيرها مما جعل الرجل الشعبي وهو أصيل بطبعه الحفاظ على هذه الأشكال دون أن يدري من أمرها إلا قليلا.. ومن وجهة نظر العربي يعتبر الجمل أعظم الحيوانات نفعا فهو مطعم العربي وأداة انتقاله ووسيلة تبادله ومهر العروسة ودية الدم وهو صديق العربي البدوى الملازم وأمه المرضعة فهو يشرب لبنه بدل الماء الذي يدخره للماشية ويطعم لحمه ويغطى نفسه بجلده ويصنع خيمته من شعره ويتخذ روثه وقودا وقد ذكر في القرآن الكريم “والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون …” وهذه المعطيات وحدها كافية بأن تفسر لنا دواعي تلك الكثرة المفرطة من الأخبار الأسطورية التي دارت حول الإبل .

ونورد قصة منظومة شائعة بين عامة المصريين في ذكر معجزة الرسول مفداها : ” في أول القول مدحك يا نبي استفتاح ـ يا من تسلم عليك الشمس كل صباح ـ نطق الجمل والغزالة وأسلم أبو مسعود على يد ابن رامه صفوة المعبود ـ كان النبي والصحابة جالسين صفين ـ مجتمعين با بن رامه سيد الكونين ـ قال له عليك السلام يا جمل مالك لا بد ما جيت تشكى من عيا حالك ..إلى آخر القصة والتي أشار إليها الشيخ يوسف الشربيني في شرحه  لكتاب  هز القحوف لأبي شادوف:

سقينا على ذكر الحبيب مدامة طربنا بها كميت من الكرم ختامها مسك
وأختم خمرتي هذه بصلاتي وسلامي على نبي عربي جاءه الجمل يشكو
وعلى آله وأصحابه كلما حطوا الحجاج عند سيرهم الحمول وفكوا

ولم ينس الفنان الشعبي أن يخلد الجمل المرتبط في مخيلته بتراث قديم لاسيما تراث المحمل المصري الذي كان أحد سبعة محامل عربية كانت تصل إلى مكة وهى الشامى والعراقي واليمني والمغربي والتكروري والتركي وبلغ من سطوة المحمل المصري أن فرض السلطان الظاهر بيبرس على ولاة محطات القافلة أن يقبلوا خف جمل المحمل كتعبير عن تقديرهم لجمل المحمل ، وخضوعهم للسلطان وهى العادة التي لم يوقفها إلا السلطان جمقمق عام 843 هـ بعد 176 سنة ثم عادت بعده من جديد .والتي كانت تدفع ببعض الحجاج المتحمسين بإلقاء أنفسهم تحت أقدام جمل المحمل إن استطاعوا أو تحت أقدام باقي جمال موكب المحمل فكانوا يتعرضون للدهس وتكسير العظام بل والموت أحيانا سعداء بالاستشهاد تحت أقدام المحمل والجمل المبارك  فكان يراعى في اختيار جمل المحمل أن يكون هادئ الطبع وطويلا وقويا وجميلا غير مشاكس ليتواءم مع سلوكيات زحام يوم دوران المحمل خاصة مع طقس لمس أو تقبيل لجامه (مقوده) وكذا تقبيل خفه ( قدمه ) وكذا الاقتتال على لمس كسوته في الدوران والخروج والعودة وكانوا يخضبون هذا الجمل بالحناء معبرين عن تقديرهم له بقولهم :” يا أبو خف زين ..رايح فين يا جمل ؟. رايح أودى الحبيب يزور نبينا .

فالجمل إلى جانب تقديسه وتعظيمه والتبرك به فإننا نجد صداه في فنوننا الشعبية ، ولا سيما ما ينتج فيها في الوجه القبلي إذ نصادف في لعب الأطفال التي تنتج بالأقصر وغيرها من بلدان الصعيد شكل الجمل بسنامه ويطلق عليه اسم الحصان ، وتشبه هذه اللعب الشعبية شكل أضرحة ومقابر نجع حمادى [1].

وفي السيرة النبوية اشتهرت ناقة النبي r المعروفة بالقصواء والجدعاء والعضباء وهى الناقة التي هاجر عليها ودخل بها إلى المدينة – ويروى حولها أنها عرفت بنفسها للنبي r  وأن الوحوش تتجنبها وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد وفاة النبي r  حتى ماتت فكانت لها صدى عميق لتعبير الفنان الشعبي عن الجمل .

وقد أوردت الكتابات التاريخية كثيرًا من الروايات الأسطورية التي تتضمن نبؤات [2] بظهور النبي محمد   rعلى ناقته وفتح العرب المسلمين مصر. التي عرفت التوحيد منذ القدم لا سيما وأن المخيلة الشعبية استدعت مضمون دخول النبي r للمدينة المنورة على ناقته فزخر الموروث الشعبي العربي برواياته المختلفة الناتجة عن الواقع الجديد وفتح العرب لمصر والذي شمل العرب, والمتعربين الذين حاولوا أن يثبتوا بقرائن ذهنيتهم عروبة وإيمان مصر بالتوحيد منذ نعومة أظافرها بشواهد وتجليات ظهور ناقة النبي الأكرم أو إبل وجمال الصحابة منذ القدم على جدران المعابد المصرية القديمة فنجد العديد من المؤرخين ينفذون إلي صميم التاريخ العربي والفتح الإسلامي لمصر من بوابات الأسطورة وطاقة النبوءات لتمدنا الروايات ببعض الوصف الإنثوجرافي للفاتحين العرب وملابسهم وهيئتهم وطرق حياتهم ومدى ارتباطهم بالجمل. إذ يبدو أن سيلاً من النبوءات, قد شاعت في المجتمع المصري, وأصبحت مألوفة في التراث المتعلق بالفتح الإسلامي لمصر ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن نصر المصري للمؤرخ المقريزي بأنه” كان علي باب القصر الكبير الذي يقال له باب الريحان عند الكنيسة المعلقة, صنم من نحاس علي خلقة الجمل, وعليه راكب عليه عمامة وقوسا عربية، في رجليه نعلاً، كانت الروم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم واعتدي بعضهم علي بعض تجاروا إليه حتى يقفوا بين يدي ذلك الجمل، فيقول المظلوم للظالم أنصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل, فيأخذ الحق لي منك شئت أم أبيت. يعنون بالراكب النبي محمد r فلما قدم عمرو بن العاص غيرت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهداً عليهم..”[3]. السيوطي أيضا يتحدث عن بربى (معبد) إخميم وما كان منقوشاً ومصوراً علي جدرانها من علوم وأسرار : “… وبربى إخميم, كان فيه صور الملوك الذين ملكوا مصر … ويُقال إنه كان بها جميع ما يحدث في الزمان حتى ظهور رسول الله  r  وأنه كان مصوراً فيها راكباً علي ناقة ” [4]ويعلق ابن الزيات بأنهم: ” كانوا يعنون بالراكب النبي r ولما قدم عمرو بن العاص إلي مصر غيرت الروم ذلك الجمل وبلغني أن تلك الصورة في ذلك الموضع أتي عليها ألف سنة أو أكثر ولا يعرف من عملها فهذه عجائب مصر..”[5]. أما ( ابن خرداذبة) المتوفى (سنة 300هـ). يؤكد لنا براوية ساقها علي ما جلبت عليه أفهام الناس آنذاك من تصديق ما تريد أن تصدقه ,وتؤمن به وتطوع النصوص من أجله, فيقول في سياق سرده لحادثة عثورهم علي كنز من كنوز المصريين القدماء  : “.. ثم فتحت النيمخانجة القبلية فوجدنا فيها جرناً من حجر أصم أسود مطبق …فإذا فيه شيخ ميت , فوجدنا في جانب منه صورتين من ذهب إحداهما صورة رجل بيده حية، والأخرى صورة رجل علي حمار بيده عكاز وفي الجانب الأخر صورة رجل علي ناقة بيده قضيب.. وأجمعنا علي أن الصور لموسي وعيسي ومحمد r  أجمعين.”.[6]

وربما كان لظهور الناقة[7] بكثرة في الروايات التي تنبأت بظهور النبي r  تُعَد إشارة ودلالة لها علاقة بتقديس العرب للإبل وتأليهها وترتبط بنظرة العرب إليها من زاوية ارتباطها بمعتقداتهم ونمط تفكيرهم قبل الإسلام.[8]ولم تكن مثل هذه الاعتقادات والتصورات قاصرة علي الجاهلية بل امتدت إلي العصر الإسلامي فاتخذت العقلية الشعبية من الناقة مادة تتجلي مع معجزات الرسول r[9].

ويتبدى الجمل كطوطم عربي موغل في القدم ، في مجمل تراثنا العربي الأسطوري وبالتالي الفولكلوري خاصة .فالجمل ذلك الحيوان المتميز باحتمال كل مشاق في مجتمعاتنا العربية المجدبة الصحراوية ، يتمثل به قائلوه من جمهور الموال بكثرة ملفتة جدًا ، كرمز للجلد واحتمال المشاق ، كما يتضح من النماذج الشعرية الفولكلورية التي يذخر بها تراثنا الشعبي . فكانت أنثاه وهى الناقة ، من أقدم وأبرز المعبودات من آلهة – أنثى – وطواطم عربية . وربما تسنى لنا إيجاد صلة بين هذا المعنى وبين ما ورد عند ابن سيرين من تأويله لرؤيا الإبل في الأحلام – والتي تعد من أهم المراجع في تصوير المعتقدات وتسجيل العقلية الاجتماعية وما زالت لها قدسيتها وأهميتها بين الشعبيين إلى اليوم  – بقوله :” وأما الإبل إذا دخلت مدينة بلا جهاز أو مشت في غير طريق الدواب ، فهى خير وسحب وأمطار ، وأما من ملك إبلا فإنه يقهر رجالا لهم أقدار ، والجمل الواحد رجل ، فإن كان من العرب فهو عربي ، وإن كان من البخت فهو رجل مشهور “[10].

وإذا تطرقنا إلى رمزية الحيوان داخل فنجان القهوة الناشف – إذ تظهر تكتلات البن الجاف على عدة أشكال,يراها البعض عادية والبعض الآخر يحلو له أن يفسرها للآخرين,فإذا بهم يصدقون التوقعات والافتراضات,ليبنوا تصرفاتهم ومواقفهم على أساسها. انه التبصير الذي يعتمد على طرفين, قارئة الفنجان الخبيرة في طرح التأويلات وترجمة خطوط القهوة المتشكلة في الفنجان,والشخص الذي يسعى إلى معرفة مستقبله بلهفة الباحث عن المواقف الايجابية – . فالجمل: إشارة إلى الاعتدال والتقدم لمكانة مرموقة وتقدم في الصحة ورحلة بعيدة وإذا كان باركًا عل الأرض فالمتوقع إرجاء لأمور مهمة وإذا كان الجمل محمّلا , يعني خبر موت من/ أو عن قريب وكلما قلت الحمولة بعدت القرابة.وإذا كان الجمل مرفوع الرأس , يعني أن صاحب الفنجان جلدًا صبورًا ولن يتأثر بهذا الخبر[11].

وارتبطت بالإبل بعض المعتقدات الشعبية ذات الملامح الأسطورية مما كان يقع في باب التطبيب العربي القديم[12] فكان يحرق وبر الإبل ويذر على الدم السائل للاعتقاد بأن ذلك يعمل على إيقافه ، وكانت المرأة تتحمل بمخ ساق الجمل لظنها أن ذلك يقضي على العقم ، وكان السكران يشرب بول الجمل طلبا للشفاء من ورم الكبد ، وعند عرب فلسطين كان ينتشر تقليد غسل الأطفال ببول الجمل للاعتقاد بأن ذلك يعمل على تقوية أعضائهم ، وكانت تُربط قرادة الجمل في كم العاشق أملاً في زوال عشقه وإذا طالت علة المريض وظنوا أن به مسًا من الجن عملوا له جمالا من طين وجعلوا فيها جوالق وملؤوها حنطة وشعيرًا وتمرًا ، وجعلوا تلك الجمال إلى جهة الغرب وقت غروب الشمس ، وباتوا ليلتهم فإذا أقبل الصباح نظروا إلى جمال الطين ، فإذا رأوا أنها على حالها قالوا : لم تُقبل الهدية فزادوا فيها ، وإذا رأوها تساقطت قالوا : قُبلت الهدية ، واستدلوا بذلك على شفاء المريض[13] .

وعرف العرب الجاهليون ، شعائر النوق والجمال السائبة ، تلك التي تترك لترعى حرة في حمى الأرض الحرام ، مثل – حرم مكة وحمى الطائف – ومنافعها للآلهة دون غيرهم . فاعتادوا إذا ولدت الناقة خمسة بطون آخرها ذكر ، أن يشقوا أذنها ويخلوا سبيلها سائبة للآلهة – لأصنام كعبة مكة – فلا تركب ولا تحلب ، وتصبح مشاعًا – طقسيا – سائبا ، تحمى بالتابو ، بمعنى أن لا يصح ويحل المساس بها من جانب الأحياء ، فكانت تنذر للآلهة والأرض المقدسة أو المحرمة ، فيما حول مكة ونجد والطائف .

وتُنسب هذه الطقوس الشهيرة لعمرو بن لحي بن قمعة الخزاعي ( أمير مكة في عصر قبيلة خزاعة) الذي أحل النظرة الوثنية ذات البعد الأسطوري محل النظرة الدينية الموحدة التي كانت الناقة فيها حجة الله على ثمود  إذ هو أول من بحر البحيرة ، ووصل الوصيلة ، وسيّب السائبة ، وحمى الحامي، وغيّر دين إسماعيل عليه السلام، ودعا العرب إلى عبادة الأصنام والأوثان.

ومما أسهم في أسطورية الإبل أن عبادتها كانت أشهر العبادات التي عرفها العرب القدماء والتي استمرت إلى ظهور الإسلام: إذ يذكر ابن الكلبي أنه كان لبكر بن وائل سقبا /ولد الناقة/ يعبدون كما كان.. وقد أورد جورج كدر في كتابه “معجم آلهة العرب قبل الإسلام” أن العرب عرفت عبادات للإبل بصور أسطورية مختلفة منها عبادة “قرة أو قرة العين” وقرة صنم كان بمنى لقضاعة ومن داناها وكان الطائفون يطفون حوله والأرجح أنه كان ناقة لأن “القرة” تعني ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن تقسم الغنائم وهي من طقوس الأضاحي وكان يقال لها “قرة العين”.. وقد عثر على مدافن خاصة للإبل في السعودية وقطر والإمارات والبحرين.ويعتقد البعض أن الجمال الموجودة بالقبور قد ذبحت وقدمت إلى المتوفى ولكن الأرجح أنها وضعت في حفرة وتركت ولم تنحر ، وهذا يوافق عادات عرب الجاهلية في البلة ، ويبدو أيضًا أن الجمال كانت تعتبر من ممتلكات الميت التي يجب أن تكون معه في القبر[14] .

وفي مصر نجد أن مقابر البدو في بعض مناطق الصعيد في أشكالها أقرب ما تكون إلى قوافل الجمال وقد بركت للراحة في إحدى رحلاتها الطويلة التي كانت تقطعها القوافل من هذا المكان إلى الواحات وبلاد النوبة ويبدو من قراءة الوصف الأسطوري الذي ورد في كتاب الدر المكنوز والسر المغروز في الدلائل والخبايا والدفائن والكنوز أن الكاتب إنما يصف بعض المقابر والجبانات التي أقيمت أضرحتها على هيئة جمال مما حمله على وضعها فيما يشبه الخيال كأنها حارسة لكنوز قديمة مدفونة تحتها كما يدلنا كتاب الدر المكنوز على شيوع تقليد إقامة المقابر منذ أزمنة غابرة على شكل جمال ، لاسيما في منطقة أخميم المجاورة لنجع حمادى ومنطقة الهو ، الأمر الذي يرجع استمرار التقليد نفسه إلى يومنا هذا ، وإقامة المقابر حتى هذه اللحظة على شكل قوافل من الجمال الباركة على الأرض[15] .  وربما كان إدخال أشكال الجمال في تصميم قبور البدو يحمل بقايا تقليد يهدف إلى التبرك بوضع أشكال الآلهة القديمة فوق القبور أو جعلها بمثابة شواهد تحرس الموتى [16].

ومن الملامح الأسطورية المرتبطة بالناقة ما عرف بـ”طقس” البليّة “جمع البلايا” وهي ناقة كانت تترك عند قبر الميت حتى تهلك عطشا وجوعا أي تموت مع صاحبها …واعتقد أنه طقس رمزي من طقوس الموت الذي يقدم للميت ما يعينه في رحلته للعالم الآخر. كما أن الناقة السائبة والبحيرة حازت على أهمية خاصة في التراث الديني للعرب قبل الإسلام فيحق للعربي القسم بالناقة والجمل ، فيقول :”إذا شفيت فناقتي سائبة ” والقسم دليل على قدسية المقسم به ، وبهذا الوعي  تصبح الناقة محرمة أو تحت التابو للآلهة والأصنام ، بدلا من الناس. والبحيرة عند العرب هى التي يشق أذنها فلا تركب ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا الضيف أو تهمل للإلهه.. والوصيلة أيضا والحامي كل ذلك يدلل على مكانة الناقة الرفعية في تاريخ العرب الديني قبل الإسلام.. كما كانت تقدم ضمن طقوس “المحرّقات” كأضاحي للآلهة

وعرف العرب  “الجمل الأسود”: الذي كانت تعبده جماعة من طيء ومنهم زيد الخيل الذي “سمّي كذلك لكثرة خيله” وغير الرسول اسمه لزيد الخير. ولهم قال الرسول “إني خير لكم من العزى، ومما حازت مناع من كل ضار غير نفَّاع، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله عز وجل”.ومن المعطيات الأسطورية للجمل أن بعض القبائل كانت تصطحبه في الحروب تيمنا به مثلما صنعت تميم ، ومثل هذا يقال عن ناقة الملك الغساني ( يزيد بن عمرو ) إذ كانت “محماة وفي عنقها مدية وزناد وصرة ملح ، وقد كان يمتحن بها رعيته لينظر من يجترئ عليه ” وقد دفع الحارث بن ظالم حياته ثمنا لنحره هذه الناقة ، وهناك ناقة (أبي دؤاد الإيادى) (الزباء ) التي كانت في نظر الإياديين ناقة ميمونة يرسلونها فحيث توجهت يتبعونها ، وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا نجعة[17] .

ولكى تستقيم الصورة الأسطورية المتعلقة بالإبل ، كان لابد من تعزيزها بربط الإبل بالقوى الخفية من الجن والشياطين ، بوصف هذه القوى قاسمًا مشتركًا في كل الكائنات التي تخلفها الأفكار الأسطورية  وذلك ما أفادنا به الجاحظ في كتابه الحيوان أن بعضهم يزعم أن في الإبل عرقا من سفاد الجن وذهبوا إلى الحديث أنهم إنما كرهوا الصلاة في أعطان الإبل ؛ لأنها خلقت من أعراق الشياطين وكذلك ما زعموه بشأن (الإبل المتوحشة) من أنها التي ضربت فيها إبل الجن ، وأن من نسل الجن الإبل الحوشية[18] ، وقد نجد بقايا هذا التصور الأسطوري في قصصنا الشعبي الذي يرمز بالجمل إلى أحد ملوك الجان .

وتروي الرويات ما يصيب القوم من عنت إذا  هم عبثوا بالقدسية التي فرضها الكهان لهذه الإبل ، ومن ثم ارتبطت بها ظاهرة التشاؤم ، وأفرطوا في ذلك حتى أنهم كانوا يخشون نفرة الناقة وهو فوق ظهرها على أرض مقدسة ، فإذا نفرت تحتهم نحروها ، وقد يكون في جملة تشاؤم العرب من الغراب أنه كان يضر بإبلهم ، فهم يذكرون أنه إذا وجد دبره في ظهر البعير أو قرحة في عنقه ، سقط عليها ونقره وعقره حتى يبلغ دايات العنق ، وما يتصل بها من خرزات الصلب وفقار الظهر[19] . ومن عاداتهم أنه إذا ضل رجل منهم في الخلاء أناخ ناقته وقلب ثيابه وصفق بيده ، وصاح في أذن الناقة :” الوحا الوحا ، النجا النجا ، العجل العجل ، الساعة الساعة ، إلىَّ إلىَّ” . والملاحظ أن هذا النداء يقوم به الممارس عادة عند استدعاء الجلن أو الخُدام (الروحانية ) ونراه بصيغ متنوعة في الكثير من مصنفات السحر التي بين أيدينا اليوم ، فكان الرجل يستنفر الناقة ويستغيث بها باعتبارها من الجان[20] .

وقد وردت في بعض كتب التراث أسماء عدد من سلالات الإبل لم يعد لها وجود اليوم وفي أوصاف هذه الإبل وفي تناسلها واختلاطها بالجن ، والحديث عن سلالات ذات تصورات أسطورية ومن أشهر هذه الإبل التي وردت لدى الجاحظ والدميري :البَهونِيّة وهى ما يكون بين الكرمانية والعربية ، وهو دخيل في الكلام ، ويقال : ومتى ضربت فحول العِراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل البهونية والصرصرانية ، فتخرج أقبح منظرًا وأشد أسرا من أبويها . أما التيهيات : تسمى التيه أو الهيت ، وهى من النجائب المشهورة في الجودة ، وهى سلالة مهجنة من الإبل ، وأساسها من سيناء من وادى التيه وأصل الركايب الحراير من نسلها . أما الجوامز : فهى إذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز . والبخت .

وعند بني إسرائيل فإن كلمة سبط تعني ( سبطت الناقة أي طرحت مولودها). بهذا المعنى، يبدو أن تنظيم الأنساب ارتبط بمجتمع الإبل هذا، فقد نظمت القبائل نفسها في شكل أسباط ثم انتقلت إلى شكل جديد آخر. هو القبيلة ( والقبيل هو جبهة الإنسان) فكأن القبائل انتقلت من محاكاة مجتمع الإبل إلى محاكاة الإنسان نفسه.

وفي عالم الأساطير فإن أشهر أسطورتين تتعلقان بالإبل هما “ناقة صالح” التي عرفت بـ”ناقة الله” أو الناقة الفتنة ، وناقة البسوس التي رمي ضرعها بسهم فاختلط اللبن بالدم حدثا جلالا اهتز له التاريخ وتسببت بحرب دامت سنوات طويلة فناقة النبي صالح أو ناقة الله السائبة حين عقرها قومه ، فكان دمار قبائل ثمود البائدة ، ويمكن القول : بأن حضارتي عاد وثمود [21]، هما ما أُرسل عليهم الرعاف أو السيول كعقاب ، كما هو الحال مع سالفة نوح وقومه ثم الطوفان كعقاب . وهكذا فإن التعدى على ناقة النبي صالح ومصرع ناقة البسوس كانا ضربًا من انتهاك محرم أو مقدس ولكن الأمر لا يعنى أن القصتين لا تنطويان على دلالات أخرى من نفسية واجتماعية وسياسية وتاريخية ربما فسرت لنا انقلاب رمزية الناقة والجمل في ظل الإسلام من دائرة المقدس إلى دائرة اللامقدس بل قد تكون هى التي أدت إلى اقترانهما بالشيطان وبالجهل والنفاق كما شبه النيران الشمس والقمر بالثورين يُقذفان يوم القيامة في النار في ذلك الخبر المأثور عن كعب الأحبار والذي نفاه ابن عباس مثلما تدل على ذلك الآية الكريمة : ” إن هم إلا كالأنعام” الفرقان /44.وهاتان الناقتان يختصران المكانة المقدسة للإبل في التراث العربي.

وتتوحد ناقة صالح مع ناقة البسوس السائبة أو المقدسة بدورها ، حين اقتحمت حمى كليب – ملك العرب – فكان أن ضربها بسهمه ، فشجب ضرعها “بالدم واللبن ” فاندلعت حرب البسوس الشهيرة التي امتدت أربعين عامًا ، وعنها تؤرخ سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل التي تجرى أحداثها ما بين الشام وفلسطين .

حلف الصف من محله ما انتجل لعويل

أكمنكم بدلتو الجمال البخاتي كلهم بعويل

وليه يا رفاق على ناكرين ودي

والقلب من يمكم عمال يجيب ويودي

وأنا لحلف على العين ما تاخد منكم ولا تدى

أكمنكم بدلتو الجمال البخاتي كلهم بعويل (أي إنسان ذليل منزوى).

فيطلق على جانب كبير من المواويل المصرية بمواوايل الجمال ، وفيها يلجأ الشاعر الشعبي للتستر وراء هذا الحيوان – الطوطم – الذي لعب أهم الأدوار داخل رقعة الآداب الشعبية والفولكلورية العربية ، فالجمل في هذه المواويل ، يرمز إلى الرجل (العال) الذي يتحمل ويصبر ، ويكدح ولا يكل ولا “يتضمضم ” فتشبيه الشعب بالجمل ، تشبيه يستهدف القوة والجلد[22] .

جمل المحامل برك ، وكان جاله الأعود وسند

يقوللو يا بدر خدنى معاك وأنا أكتبلك حجاب وسند

يقوللو لفيت الكون ملقيتش صدر حنين وسند

يفوت الأعود ع الجمل يقوللو ياما مهابيل تقول وتطول

شوف من سوء بخت الجمل ، جالوا لأعود وسند.

فكثيرًا ما يتمثل الإنسان – العربي – المعدم بالجمل الصلب ، إلا أن علته هنا ه صاحبه ومستغله الجمال وكذا السلطوى :

أنا جمل صلب ، لكن علتى الجمال

غشيم مقاوح ، ولا يعرف هوى لجمال

كار الجمل لوجمل يا علة الجمال

وربي رماني حدا ناس ميعرفوش قدري

وشيلوني التراب بعد الحمول العال

وصبحت عيان قوى ، ويلعبو بي العال (يلعب بي العيال ، ويهزأون منى ) .

وطلعوني السوق باعم واشترو فيه

من يد واحد لواحد ملقتيش حد يصون الود والجمال

أنا جمل صلب ، لكن علتي الجمال .

فجانبا كبيرا من مواويل الشعب المصري يستمد من الجمال وحدة ، ليشبه الشعب المصري ، ولم يأت هذا نتيجة المصادفة ، فهناك أكثر من رابطة بين الشعب والجمل . فالجمل حيوان ضخم ، صبور وكادح وشغال ، والشعب المصري تتمثل فيه كل هذه الصفات مجتمعة ، وهو حين يربط بين مصيره ومصير الجمال  حين يقول : أنه جمل صلب من قبل الخزام والكام ، أي من قبل أن يكمه الإقطاعي والحاكم والمستعمر فهو حينئذ يصدق . فالجمل هنا ليس هو الحيوان الضخم المنقاد والمضلل ، بل هو الشعب المصري من فلاحين وأجراء .. فهو حين يؤكد أنه جمل صلب ، لكن علته الجمال ، يعرف تماما ما يعنيه هذا التشبيه !.

———————————————————————–

[1]- سعد الخادم : تصويرنا الشعبي خلال العصور ، (القاهرة 1963م) ، ص 114.

[2]- النبوءة: هي الأخبار بالمستقبل قبل وقوعه، أي قراءة الغيب، وهى من العناصر التي تعد مشتركة بين القصص البطولي في معظم أشكاله, وهي رسالة للبطل نفسه, تريحه وتمنحه اليقين, وتزيل عنه الخوف, وقد تكون يقينا للجماعة بدور بطلهم المقَّدر عليهم، ويساعدنا في التعرف علي النبوءة طرق عديدة أهمها؛ النبأ الموجود في الكتب القديمة.أحمد شمس الدين الحجاجى: مولد البطل في السيرة الشعبية (دار الهلال، القاهرة 1991م)، ص48؛ كارم محمود عزيز: النموذج الفولكلوري للبطل في العهد القديم ( رسالة دكتوراه – غير منشورة – جامعة الزقازيق 1997م)، ص20.

[3] – المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي عبد القادر)،( ت 845 هـ): الخطط المقريزية، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار( الجزء الأول، مطبعة النيل، القاهرة 1325هـ), ج1،ص 32.

[4] – السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن السيوطي) : حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (تحقيق، محمد أبو الفضل ، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة 1997م)،  ج1، ص65، ص66.

[5] – ابن الزيات ( شمس الدين محمد): الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة في القرافتين الكبرى والصغرى ( المطبعة الأميرية بمصر، القاهرة 1907م),ص66 .

[6] – ابن خرداذبة (أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله)( ت 300هـ):المسالك والممالك ( طبعة بريل 1889م)،, ص160.

[7] – تعد فكرة الناقة من أكثر الأفكار تنوعاً في التراث العربي القديم , فالناقة منبت كل ما أهم وأقلق وأحزن الشاعر الجاهليّ , والناقة هى خالقة الأساطير التي أخرجت الشعر من الغناء الساذج إلى التصدي الملح لفكرة المشكلات , أو لنقل أن الناقةَ هى التي نقلت الفكر العربي قبل الإسلام مما نسميه طبيعة الملاحم إلى طبيعة الدراما والصراع فالعلاقاتُ الأساسية بين العربي والعالم في شكل مزاج من الرفض والقبول تكمن في هذه الناقة , كما أن العربي القديم كان يظن الناقة رمزاً لكل هم أو اهتمام أساسيّ , ولذلك لا ينافسها في خلق الأفكار شئ. انظر /ثناء أنس الوجود : تجليات الطبيعة والحيوان في الشعر الأموي ,( طبعة الشركة المصرية العالمية للنشر,  , القاهرة 1998م ), ص42.

[8] -أحمد إسماعيل النعيمي: الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام ( سينا للنشر ، القاهرة 1995م) ، ص181.

[9] –  صلاح الراوي :الفولكلور في كتاب حياة الحيوان (سلسلة الدراسات الشعبية,العدد 73، القاهرة 2003م)، ص63.

[10] – محمد بن سيرين : منتخب الكلام في تفسير الأحلام ، ( القاهرة ، طبعة عيسى البابي الحلبي ) ، ص 186.

[11] – أيمن الشربيني : طالعك في الفنجان ( القاهرة 1950م) ، ص50 ؛ عبد الفتاح السيد الطوخي : البيان في علمي الكوتشينة والفنجان ، (القاهرة ، د.ت) ، ص5.

[12]- جواد على : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ( دار العلم للملايين ، بيروت 1978م) ، ج 2، ص 96 ، ج 6 ، ص 786 ، 787.

[13] – سليمان محمود حسن : الرموز التشكيلية في السحر الشعبي (القاهرة 1999م) ، ص51.

[14] – جورج كدر : معجم آلهة العرب قبل الإسلام ، ( دار الساقي ـ الطبعة الأولى 2013م ) ، ص 32.

[15]- محمود السطوحي : الزخارف الشعبية على مقابر الهو (سلسلة الدراسات الشعبية ،  القاهرة 1999م) ، 50 ، 51.

[16]- سعد الخادم : تصويرنا الشعبي خلال العصور ، (القاهرة 1963م) ، ص114.

[17] – أحمد إسماعيل النعيمي  : الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام ، ص188.

[18]- محمد عجينة : موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، ( دار الفارابي ، بيروت 1994م) ، ص 286.

[19]- الجاحظ : كتاب الحيوان ( تحقيق عبد السلام هارون ، مكتبة مصطفي الحلبي ، القاهرة 1357هـ) ، ج 3 ، ص 415، 439 .

[20]- سليمان محمود حسن : الرموز التشكيلية في السحر الشعبي ، ص53.

[21]-  يلاحظ أن صالح أُرسل إلى قوم أو قبائل “ثمود” الآرامية البائدة وكانوا يسكنون اليمن إلى أن طردهم الحميريون القحطانيون ، ورأسهم هو حمير بن عبد شمس الملقب بسبأ ؛ ” لأنه كان يسبى أعداءه ” فنزلوا مدائن صالح بالحجاز وأصبحوا مضرب الأمثال في التفرق ، فقيل فيهم :”لعبت بهم أيدي سبأ”.

[22] – شوقي عبد الحكيم : موسوعة الفولكلور والأساطير العربية ، ( دار العودة ، بيروت 1982م) ، ص 214.

التعليقات