مصر على قضبان العصر الذهبي للقطارات – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير مصر موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

تغير شكل القطار في مصر فبعد أن كانت القاطرة البخارية هى السمة العامة للقطارات ، ونظام الدواوين المعبر عن الألفة والصفاء بين الناس ، ابتكرت قطارات الإكسبريس ، وزاد عدد العربات ، ألغيت الدواوين ، وأصبحت العربات المكيفة تضم العشرات من الركاب ، وفقد القطار إحدى سماته وعصره الذهبي مما جعلني ألتفت للخلف لأناجي الماضي البعيد ، أتلمس بصمات الأمس التي كانت وجودًا نابضًا وصارت اليوم ذكريات تتراءى لقلبي معها صورة القطار في رائعة يوسف شاهين “باب الحديد” و “سيدة القطار” و ” ولوعة الحب”، أمضى في دروب الماضى التي لم أسلكها من قبل ، اسمع نغمات   عبد الوهاب في أحد أفلامه المهمة.. عندما شدا برائعته “يا وابور قوللي رايح علي فين”.. وغنت مصر كلها وراء الذين غنوا “ياوابور الساعة 12 يا مقبل ع الصعيد” ولم يكن يدور في بال مطربي هذا العصر أن القطار سيتحول من بساط سحري ينقل الأحبة والعشاق والناس من مكان لآخر.. إلي آلة دهس أسرع مما نتخيل للمواطن المصري بالذات.. آلة تصادق ملك الموت أينما حل ووجد ، آلة “فرم” عاجلة لأحلام البسطاء لاتحتمل أي أمل  للنجاة منها.. فمن يهرب من الموت المحقق يعش  بعاهة مستديمة تؤرقه طوال حياته .

افتح كتاب العصر الذهبي لوزارة المواصلات الذي أصدرته الوزارة عام 1933م بمناسبة عقد الاجتماع الثاني عشر للمؤتمر الدولى للسكك الحديدية بالقاهرة،  لنجد كم كانت سكك حديد مصر هي الأعرق والأقدم في العالم بعد سكك حديد المملكة البريطانية و ثاني سكك حديد في العالم,  حين استقبلت المحروسة المهندس الإنجليزي الشهير “روبرت استيفنسن ” – على نحو ما يقول الكتاب حيث كان الزائر الإنجليزي مكلفا بتخطيط مشروع بالغ الخطورة عظيم الريادةكان ذلك تحديدا في 12/7/1851م أما المشروع فهو: إنشاء خط سكة حديد يمتد من القاهرة إلى الإسكندرية.
هو أول خط حديدي في أفريقيا وفي الشرق الأوسط كله ويبدأ العمل سنة 1852م ليفتتح الجزء الأول سنة 1854، وفي سنة 1856م تم إنشاء الخط إلى القاهرة بطول 210كليومترا ، لتتوالى الخطوط الحديدية كخط حلوان ومريوط والوجه القبلى وخط الواحات الغربية ناهيك عن خط السكة الحديد الموصلة لفلسطين .

ثم يستعرض الكتاب الوثائق والصور التي تؤرخ لنشأة السكك الحديدية على نحو لا تنجح الكلمة المكتوبة في إبرازه فنجد (صورًا باللغتين العربية والإنجليزية للاتفاق الأصلى بين ممثلى الخديو عباس الأول وروبرت استيفنسن عن إنشاء خط السكة الحديد بين القاهرة والإسكندرية) وصور الكبارى الحديدية التي وثقت بعضها السينما المصرية مثل كوبرى السكة الحديدية بإمبابة ، وكوبرى السكة الحديدية بأدفينا وغيرها الكثير من الصور التوثيقية لمراحل التشييد والبناء وأخرى لأقدم وأحدث القاطرات ، وعرضًا لصور عربات الدرجة الثالثة بالطراز القديم والحديث ، وكذلك عربات ركاب الدرجة الأولى ، وعربات نقل القطن المصري في أوج ازدهاره ، ونجد صورًا نادرة ترصد عما كانت عليه محطات القطارات الرئيسة في المدن كالقاهرة والإسكندرية من بهاء وتنظيم  ومن خلال هذه اللقطات المصورة تمكنا من استعادة أحداث وشخصيات من ذلك الزمن البعيد لتذكرنا عما آل إليه حال أغلب المرافق المصرية من استضعاف واستلاب وإهمال وفساد يستدعى الذكريات ويقلّب المواجع ويحّرك الأشجان.

يطالعنا القسم الثاني من الكتاب بحديث طويل عن سياسة إدارة السكك الحديدية وصيانتها ومعايير الجودة والسلامة  إذ كان من الطبيعي أن تحافظ علي مكانها ومكانتها باعتبارها الوسيلة الأكثر أمانا, والأكثر انضباطا فيقول :”تعتبر الإشارات بحق أهم فروع هندسة السكة وعليها تعتمد إدارة الحركة وهندسة الوابورات في ضمان سير القطارات وسلامة أرواح الركاب والجمهور وكيفية ضمان هذه السلامة يأتي بتركيب الملاوينات المرتبطة بكشك البلوك حيث يتمكن عامل الكشك من تحريك المفاتيح والسيمافورات وإبر المواصلة وبوابات الشادوف وبوابات الدلف للمزلقانات العمومية وأجهزة وآلات أخرى مما يؤدى لمنع حصول أية عرقلة للخطوط التي تسير عليها القطارات فضلا عن أن سائق القطار يرى بوضوح تام ما إذا كان واجبًا عليه السير بقاطرته أم الوقوف.

ثم يستعرض الكتاب طرق تشغيل وتركيبات الإشارات الميكانيكية إذ يوجد بمحطة مصر (القاهرة) آلة للقوة الكهربائية حيث تدار السيمافورات والإبر بواسطة الهواء المضغوط قوة 65 رطل للبوصة المربعة ، والمحركات (الموتورات) التي تتحكم في السيمافورات والإبر تدار بالقوة الكهربائية من الأكشاك ،ويشير الكتاب إلى ضرورة التجديد المستمر لهذه لمنظومة خاصة وقد استعملت هذه التركيبات في سنة 1915م ورؤي أنه من الضروري تجديدها كل بضعة سنوات اغتناما لفرصة إدخال أحدث الطرق المعروفة على هذا النمط الخاص حتى أصبح الجزء الجنوبي للمحطة يضارع آخر طراز لتركيبات الإشارات في الجهات الأخرى من العالم !.

ويوضح الكتاب أن أعظم فائدة لهذا التركيب الجديد هى ماكينة ضغط الهواء الأوتوماتيكي ، والسكك الموصلة للتيار الكهربائي ، والدياجرامات ذات الأنوار ، بواسطة هذه السكك الموصلة للتيار الكهربائي ، والدياجرامات ذات الأنوار ، وبواسطة هذه السكك الموصلة للتيار الكهربائي لا يخرج القطار عن السكك المقرر سيره عليها ، وكذلك يظهر لعامل البلوك في كشكه حركة سير القطار بالضبط . ولا يفت الكاتب الإشارة إلى أن كلمة السر في تطور مصلحة السكك الحديد بقوله :” والمصلحة إنما تتبع في إشاراتها النظام الإنجليزي ” .

وبعد أن يستعرض الكتاب خطة زيادة عدد القاطرات المستعملة للركاب وللبضائع وأخرى مخصصة لخطوط الضواحي وصلت مع نهاية 1931م إلى 721 قاطرة و 1103 عربة ركاب بطاقة استيعابية 60200 مقعد  يوضح آلية اختبارات الجودة والضمان لعربات الصلب المخصصة للركاب وأن التجارب أثبتت أن استخدام عربات الصلب أفضل بكثير من العربات الخشبية بصرف النظر عن تعميرها وطول احتمالها وقلة نفقات صيانتها . ويوضح الكتاب قيام المصلحة بتجربة عملية لمعرفة أي الألوان أبقى وأفضل ، فعرضوا عربة تحت مطلق أشعة الشمس في أسوان وتم قياس درجات الحرارة في فترات متفاوتة فتبين لهم أن لون الألومنيوم يفضل الألوان جميعًا ، ولذا اختارته المصلحة لطلاء عرباتها .

واستعرض الكتاب جهود المصلحة في العناية بالمحطات وتجديدها الدوري والعناية بأدق التفاصيل كنوعية تذاكر المسافرين ومطبوعات المصلحة بما يتوافر فيه الذوق السليم والفن الرفيع بما قيمته 30.000 جنيه مصري سنويا والحرص على اختيار نوعية ولون البلاط بالمحطات والشكل الجمالي ورونق المحطات واستراحات المسافرين ودورات المياه ونظافتها وإدخال أقصى ما يستطاع من وسائل التحسين عليها ،  وكيف أن المصلحة استرشدت برأي أحد المواطنين ببث روح المنافسة بين نظار المحطات بإجازة ومكافأة من يتفوق منهم في تجميل محطته ، بغرس الحدائق وتنسيق الزهور وترتيب الأشجار وقد بدأت هذه المسابقة على نطاق محدود بين المحطات الرئيسية الواقعة على خط مصر الإسكندرية ، وخط مصر بورسعيد ، وخط مصر الأقصر تمهيدا لتعميمها على جميع المحطات .

هذه ومضات من ماضي هيئة السكك الحديد في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين في عصرها الذهبي غير أنها مثل باقي الأشياء الجميلة في حياتنا  تدهورت ووصلت إلي ما هي عليه الآن, وبعد أن كنا نضبط الساعة علي وصول وقيام القطارات, ونتباهي بنظافتها وانضباطها تحولت إلي مولد وصاحبه غائب, فالقيام والوصول حسب الظروف, والقطارات أصبحت عنوانا للفوضى والقذارة, ومرتعا للفئران والباعة الجائلين و المتنطعين دون ضابط أو رابط. وبعد أن كانت الميزة الرئيسية للقطار أنه لا يعرف اللف أو الدوران؛ يسير في طريقه المستقيم نحو نقطة محددة، أضحت تصريحات المسئولين عن هيئة سكك حديد مصر غير مفهومة أو معقولة ؛ لأنها تتجه نحو أقصى اليمين ثم (تلف) فجأة نحو اليسار بأقصى سرعة فتتناثر العبارات مع أشلاء الضحايا على قضبان الموت ، ويعلو صرير العجلات على صرخات وأحلام الأبرياء من المصريين الذين قاوموا ومازالوا كل عوامل الفناء !!.

Picture 114 Picture 115 Picture 116 Picture 117 Picture 118 Picture 119 Picture 119[1] Picture 120 Picture 121

التعليقات