القدس ليست أورشليم..صدمة الأسطورة – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ تاريخ مدن دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

لعل انبعاث أسطورة ما ، ووضعها أساساً لمسار فكري أو سياسي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير مجرى التاريخ في منطقة ما ، كانبعاث أسطورة الميعاد في فلسطين ، إذ يمكن لمجموعة من الأساطير أن تستغل لتكون الأساس لمنظومة فكرية عنصرية توسعية ، متخذة القوة والمنطق السياسي سبيلاً لتحقيق غايات معينه.وهو ما يحدث الآن في مدينة القدس التي ظلت أرض صراع دام قرنين من الزمان , من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي وهى الآن أرض صراع استكمل قرناً من الزمان ,ولم تظهر بعد فواتح انتهائه.

فما قامت الأطروحة الإسرائيلية على أرض فلسطين إلا تحت عناوينمشبعة بالخيال انتزعوها من وحي أساطيرهم ومدوناتهم التوراتية فأطلقوها، وزمجروا بها، وروّجوا لهـابكافة الوسائل وفي مختلـف المناسبات، فهلّلـوا بأساطير من مثل “أرض الميعاد” و “شعبالله المختار” و”هيكل سليمان” و “نجمة داود” و”ميراث الأنبياء” و”أرض الآباء” و”جبلالربّ” و”العرق السامي” وغيرها من أشكال متنوعة، ثم أُخْرِجت على هيئةأساطير ذات تعابير رنّانة مؤثّرة فاعلة قادرة على الوصول إلى وجدان أصحابها، و استطاعوا بهذا الأسلوب أن ينفذوا إلى وعي أتباعهم ويدفعوهمنحو الهجرة والقتال وبذل التضحيات .

فإذا كانوا قد اعتمدوا هذا السلاحونجحوا فيه إلى حدٍّ بعيد، أفلا يكون من الأولى أن نقف نحن أمام خطواته الناجحة تلكبحيادية وبوعي، وعلى مبدأ تقدير العقل؛ لندرس حقيقة الأساطير ودورها في حياة الفردوالجماعة، ثمّ نتفحّص الأساطير والمدوّنات في تراثنا العربي القديم، ما هي ومامضامينها وما هو مصدرها ومن القائم عليها؟  فلعلّ بها من الكنوز والأسرارما يُعيننا على اختراق النظام المعرفي السائد اليوم والمغلَّف بسياجٍ حصين، ومنثَمّ يفتح أمامنا المجال نحو تأسيس نظام معرفي سليم، يوصلنا إلى الحقيقة المغيّبةوسط هالات التعتيم وسحب الضباب، فإذا قمنا بذلك نكون قد رددنا أسطورتهم المشوّهة تلك بذات السلاح الذي صالوابه علينا وجالوا، ولكن بهيئته السويّة النقية أعني بأسطورة الحقيقة والصواب؟

هذا ما يطرحه علينا فاضل الربيعي في كتابه الصدمة  “القدس ليست أورشليم-مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين”. مؤكّداً على أنّ مسرح التوراة ليس فلسطين التي نعرفها.وبمهارة وموهبة يفكِّك الربيعي النص التوراتي لغوياً وجغرافياً، ليخلص إلى أنّ تأويله ليس إلا بدعة استشراقيّة وليقدم للإنسانية دليلا يكشف ثم ينسف أساطير ومرويات عشنا حتى الآن قرنا كاملا نعاني من آثارها وما ترتب عليها من جرائم وآثام. والمدهش هنا هو أن كتابا كهذا يمثل صدمة بكل ما تعنيه كلمة صدمة في إطار الفكر والتقليد ، وكل ما تعنيه كلمة صدمة من مسئوليات وواجبات مستقبلية إذ تتكشف لنا أسطورة كبرى ومؤامرة حكمت التاريخ واستبدت بفكر الإنسانية ويطيح بإحدى البديهيات التى ترسخت في الأذهان بشأن أورشاليم التوراة ليعلن لنا الربيعي أن القدس ليست اورشليم!.

ليطرح عددا من الاستفهامات ؛ هل القدس التي يُزعم أن اسمها ورد في التوراة، هي ذاتها المدينة التي ذكرها كتاب اليهودية المقدس باسم” أورشليم ” ؟ وهل الاسمين معا ً، يدّلان على مكان واحد بعينه كما تقول الرواية الإسرائيلية المعاصرة ؟ و هل ذكرت التوراة حقا ً،و بأيّ صيغة من الصيغ المفترضة، اسم ” القدس “- بألف ولام التعريف العربية-؟ وهل يتطابق وصف التوراة لها مع وصف أورشليم، بحيث يجوز لنا مطابقة المكانين وعدّهما مكانا ً واحدا ً؟ ليثير لنا  في هذه الأطروحة النظرية: إن التوراة لم تذكر اسم فلسطين أو الفلسطينيين قط، وأنها لم تأت ِعلى ذكر ” القدس” بأي صورة من الصور. وكل ما يُقال عن أن المكان الوارد ذكره في التوراة باسم ” قدش- قدس ”  قُصد َ به المدينة العربية، أمر يتنافى مع الحقيقة التاريخية والتوصيف الجغرافي ولا صلة له بالعلم لا من قريب ولا من بعيد.كما أن التوراة لا تقول البتة،أن َقدس التي وصلها بنو إسرائيل بعد رحلة التيه هي أورشليم؟ ويرى الربيعي أنه قد حامت الشُبهات- له – حول هذه البديهية الشائعة في المؤلفات التاريخية والسياسية قي العالم كله، منذ أن قام ، وطوال سنوات من العمل الشاق، بإعادة تركيب وبناء الرواية التوراتية عن التاريخ الفلسطيني استنادا ً إلى النص العبري، حيث تكشف له حقائق مذهلة غيبّها المخيال الاستشراقي السقيم طوال القرنين الماضيين، وذلك عبر الترويج الزائف لأسطورة أرض الميعاد اليهودي.

والمدهش أن هذا الكشف قد لا يكون صادما ً لوجدان اليهود المتعصبين والتوراتيين والاستشراقيين وحسب ؛ بل ربما يكون صادما ً أيضا َ، للوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي على حد ٍ سواء، ما دامت الفكرة الرائجة التي تقول أن اسم القدس ورد في التوراة، هي فكرة مغرية وجذابة في الثقافة الروحية، يصعب المس بها أو تعديلها لتتوافق مع التاريخ المتحقق، وذلك نظرا ً لارتباطها بالجانب العاطفي لا التاريخي من مسألة قدسية وقدِم المدينة القديمة. ويمكن للمرء أن يخمن بسهولة، مقدار الصعوبة في مراجعة هذا النوع من الصور والأفكار الأثيرة. بيد أن الحقيقة التاريخية عن ِقدم القدس و” قدسيتها “، المؤكدة بالنسبة للمسلمين  والمسيحيين كافة، هما أمران مُسلمّ بهما ولا يستوجبان بأي شكل من الأشكال، الاستعانة بالتوراة، أو بما يزعم انه نصوص توراتية ورد فيها ذكر القدس من اجل التأكيد على هذا الجانب؛ بل على العكس من ذلك، ربما تكون الاستعانة بالتوراة ضرورية فقط، من اجل البرهنة على أن الكتاب المقدس لليهودية يتحدث عن ” قَدس ” أخرى عرفها شعب بني إسرائيل، لا علاقة لها بالقدس العربية – بألف ولام-.

ويؤكد الربيعي : إن أكثر ما يجب أن يثير اهتمامنا اليوم حول هذه المسألة، هو البحث من داخل النص العبري عن الدليل الذي استخدمه التوراتيون للترويج لأسطورة تطابق القدس وأورشليم، وبالتالي دحض الأفكار والصور الاستشراقية التي سادت في علم الآثار عن هذا التطابق. ومن غير شك؛ فإن إثارة النقاش حول نوع وطبيعة التزوير الفاضح الذي تعرض له تاريخ القدس العربية على أيدي علماء الآثار من التيار التوراتي، سيكون ضروريا ً للغاية من اجل تقديم مساهمة جديدة لتصحيح تاريخ فلسطين القديم برمته؛ فهذا التاريخ كان ُعرضة للتزوير والتلاعب بصورة مرّوعة، يشعر معها المرء بالحيرة والعجز حيال إمكانية تطويق النتائج التي رسخت بسببه في ذاكرات الملايين من البشر.

ويرى أن المساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين القديمة، يتطلب من عموم القرّاء إمعان الفكر مليا ً بالأدلة المقدمة والانفتاح عليها والتعامل معها بروح العلم لا العاطفة والأحكام المُسبقة . إذ يمكن للمشتغلين في حقل التاريخ، أن يقدموا بسهولة وفي المحافل العربية والدولية ؛ تقريرا ً تاريخيا ً احتفاليا ً بالمدينة المقدسة، يكرر فيه ما هو رائج في المؤلفات والكثير منها مبني على قصص التوراة. لكن الأهم من الاحتفاء الرمزي بتاريخية المدينة المقدسة، أن يجرؤ- المرء نفسه- على قلب الحقيقة المزيفة رأسا ً على عقب، وأن يعيد النقاش العلمي برمته إلى نقطة البداية: كيف، ولماذا جرت المطابقة التعسفية وما الغرض منها ؟ وهذا يقدمه المؤرخ الربيعي عبر مشروعه البحثي الأثير.

لقد كانت فلسطين وما تزال، ضحية تلاعب- بالتاريخ القديم- يرقى إلى مستوى العبث غير الأخلاقي بالحقائق الجغرافية والتاريخية. وفي مناسبة من هذا النوع، جدير بنا أيضا ً، أن نقوم ودون تردد بفضح العبث الاسشتراقي الذي جرى على أيدي علماء آثار ومحققين ومؤرخين ، وطوال أكثر من مائة عام، لا بهذه الحقيقة وحدها، وإنما بنظام السرد التاريخي كذلك، للأحداث والمرويات والقصص التي روتها التوراة، وُزعمَ أنها دارت فوق ارض فلسطين. وإذا كان لا بد من قول ٍ يختصر ُ فكرة َ هذه الدراسة وُيحددّها ضمن إطار واضح؛ فإن فاضل الربيعي يرغب في التشديد على قوله : هذه ” قدسنا ” القديمة، وهي ليست -ولم تكن تدعى- أورشليم. ولا ريب أن هذا الكتاب ، شأن كل الأعمال التى تتصف بجرأة الريادة قد تشوبه بعض المآخذ من حيث التأويل أو الاستنتاجات إلا أنها تظل مدهشة في آلية هدمها للعديد من الأفكار التي غرسها الآخر وباتت من المسلمات بالتقادم  سعادتي بكتاب القدس ليست أورشليم أننى ما أن صادفنى عنوانه حتى بركت عليه فالتهمته كالأسد الجائع يلتهم فريسة مشبعة ..طاف بنا فاضل الربيعي بين التاريخ والأسطورة وبحث معنا عن روح التاريخ لا جسده وأضاء لنا خلفية الحس التاريخي فى المخيلة الشعبية وأنجز ذلك بعين محايدة ، عين عالم التاريخ المعاصر وإني لعلى يقين بأن قراء هذا الكتاب سيجدون ما وجدت من متعة وفائدة .

التعليقات