النقود المصرية وعقدة الارتهان للفرد – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

علاقة المصريين بحكامِهم (تاريخياً) هى علاقة تختلف عن علاقة معظم شعوب العالم بحكامهم. فمصرُ ألّهت حكامها منذ آلاف السنين ، ولا تزال آثار منها في وجدانِ وعقولِ بعض أبنائها فما هي الجهة المسئولة عن وجود هذه “العلاقة الخاصة” بين المصريين وحكامهم .. التاريخ؟.. أم الحكام؟ .. أم نحن أبناء هذا الوطن؟ لقد تجاوزت العديد من الأمم عقدة البطل المخلص – هذا إذا كان بطلا مخلصا فعلا – إلى رحاب فكرة خلاص الإنسان من عقدة الارتهان للفرد الفذ.. إلى أفق حكم الجماعة عبر فكرة الاقتراع التي ولدت الديمقراطية – فيما بعد – التي تناهض فكرة دوران الأمة حول الزعيم/ البطل.. ليحل محله تقاسم مسؤولية صناعة القرار والوقوف على تبعاته ضمن صيغة تحفظ للمجتمعات الأمن وترسخ مبدأ تقاسم السلطة وتنظيم علاقاتها..ويقيني أن الحاكم ساهم في ترسيخ ظاهرة تبجيله إضافة لذاكرة شعبية عربية تمجد القوة حد التصنيم.

من مظاهر هذا التصنيم حرص أغلب الحكام على طبع صورهم وأسمائهم على العملات المالية لإيحاء الشعب أن أموال مصر ملكهم ، أو لعلهم أرادوا أن تنتشر صورهم وأسمائهم في الجيوب بدلا من القلوب وهى ظاهرة ترسخت لدى العرب والتي أخذوها عن الشعوب التي ألهت الحاكم إذ ظل العرب بعد الإسلام يتعاملون بالنقود الرومية والفارسية بكتابتها ونقوشها حتى أن خالد بن الوليد يوم ضرب باسمه نقودًا عام 16هـ جعلها على رسم الدنانير الرومية ، ,أبقى عليها الصليب والتاج والصولجان وعلى أحد وجهيها اسم خالد بالحرف اليوناني .

وقد سك رأس البغل “اسم لرجل يهودي” عام 18هـ نقودًا لعمر بن الخطاب على الطريقة الفارسية عليها صورة الملك ، ومكتوب تحت كرسيه بالفارسية “نوش خور” أي كل هنيئًا . ويُروي أن عمر لم يزد على نقوشه التي نقشها على غرار النقود الكسروية “الفارسية” إلا “الحمد لله محمد رسول الله”.

ولما دخل العرب مصر بقيادة عمرو بن العاص عام 20 هـ / 641م لم يعترض عمرو على استعمال العملة الرومية التي كان الذهب فيها مقياسًا للقيم ، ولما بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان عام 23هـ / 644م سك دراهم منقوشًا عليها “الله أكبر”.

وفي عصر الدولة الأموية كان المصريون يتعاملون بنقود مختلفة الأوزان ، كسروية وقيصرية. فكانوا يؤثرون أن يدفعوا ما يجب عليهم من الخراج بالعملة الردئية ويحتفظون بالعملة الجيدة !.  فلما استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان عام 65هـ / 685م رأى أن يكون للدولة عملة ذات صبغة مستقلة فأصدر دنانيره الذهبية سنة 74هـ ونقش صورته على أحد وجهيها ولم يسمح الخليفة الأموي بضرب النقود الذهبية بعد تعريبها تماما سنة 77هـ في غير مصر وسوريا ، فانحصر إنتاج الدنانير العربية في عهده في دار السك بكل من الفسطاط ودمشق.

وسار الوليد بن عبد الملك على نهج أبيه فضرب نقودًا سنة 93هـ تحمل نفس الكتابة التي على دنانير والده فيما عدا تغيير اسم الخليفة وتاريخ الضرب . ولما تولى العباسيون الخلافة ضرب عبد الله السفاح نقودًا ذهبية عام 132هـ / 749م كما ضرب من بعده الخليفة أبو جعفر هارون الرشيد أيام شرلمان نقودًا ذهبية في سنة 182هـ /798م نقش عليها “محمد رسول الله مما أمر به الأمير الأمين محمد بن أمير المؤمنين جعفر.

وقد ضرب في عهد العباسيين لأول مرة دنانير تذكارية بأوزان مضاعفة بمناسبة عيد النيروز ، وكانت سببا في ظهور أشهر الأطباق المصرية التي ظهرت في العصر العباسي وامتدت إلى العصر الفاطمي وهو طبق الكعك الذي كان يحشى بعضه بالدنانير الذهبية واسمه “افطن له” وكانت تختم على كل كعكة عبارة “كل واشكر مولاك!”

وبعد أن استقل الأمير أحمد بن طولون بحكم مصر قام بسك نقود مصرية عام 266هـ / 879م أطلق عليها اسم الدينار الأحمدي وكتب عليه اسم حاكم مصر مقرونا باسم الخليفة لأول مرة منذ عهود طويلة .

وبعد انتهاء الدولة الطولونية ضرب أبو القاسم الإخشيدي نقودًا ذهبية نقش عليها اسم الخليفة المطيع لله ومعه اسم الأخشيد ، وضربت نقود أخرى للخليفة العباسي الفضل المطيع لله سنة 353هـ/964م “وهو آخر من كانت له السيادة على مصر من العباسيين” مكتوب على وجه منها بعد صيغة الشهادة “عضد الدولة ” وعلى الوجه الثاني “ركن الدولة”. وفي عهد الدولة الفاطمية عندما دخل القائد أبو الحسن جوهر الصقلي مصر سك الدينار “المعزي” وابتدعت الدولة الفاطمية في مصر نقودًا تذكارية من معادن وأحجام مختلفة بقصد الإنعام بها على الشعب في بعض المواسم والأعياد تسمى “خروبة” ,وأخرى “الغرة”.حملت اسم الخليفة الفاطمي .

ولما زالت الدولة الفاطمية ، وجاء عهد الأيوبيين عمت الفوضى بمصر من جراء اختفاء الذهب من جراء الحروب الصليبية ليضرب صلاح الدين الأيوبي نقودًا نصفها فضة والآخر نحاس تحمل اسمه وسميت بالناصرية .

وفي أيام المماليك عام 648هـ سكت سلطانة مصر شجرة الدر دينارًا بعد موت زوجها الملك الصالح أيوب يحمل اسمها لترسخ به حكمها المفتقد للشرعية ، وكانت نقود شجرة الدر من أجود النقود الإسلامية في العالم ، ونحا سلاطين المماليك الذين خلفوا شجرة الدر في تولي أمور الحكم في مصر نفس منحاها من حيث الاهتمام بتسجيل أسمائهم على النقود لتأكيد شرعية الحكم المسلوب بقوة السيف ولكن تلاعب أكثرهم بأوزان العملة كالسلطان قانصوة الغوري فتوقفت الأسواق عن البيع والشراء بسبب الفلوس التي ضربها والتي كانت تخسر الثلث في المعاملة ، وحين وضع العثمانيون أيديهم على مصر سنة 923هـ /1517م اكتسبت النقود العديد من الأسماء التي تنسب للولاة والحكام والسلاطين العثمانيين وكان أهمها “الخيرية” ، والمحبوب بأنواعه “السليمي” ، و”المصطفاوي” ، “والمحمودي”، و”العدلية”.وكلها من الذهب . والبشلك ، والتمشلك والأكلك والتلق والقرش، وكلها من الفضة وأزال العثمانيون شهادة التوحيد والرسالة المحمدية والآيات القرآنية التي كانت تكتب على النقود منذ الفتح العربي لمصر واستبدلوها بالألقاب الفخرية للسلاطين .

وحين تولى محمد على شأن مصر جمع العملة القديمة التي اعتاد العسكر غشها بخلط الريالات الذهبية بالنحاس ومنع تداولها وقصر التداول على القطع ذات العشرين قرشًا والعشرة قروش والقرشين ، والسعيدية والخيرية مما أثار غضب الباب العالي على محمد على بضربه “الخيرية” نسبة لخاير بك المغضوب عليه ” والتي سماها المصريون “خريَّة”!.

وظل محمد على وخلفائه في ضرب النقود التي تحمل أسماء سلاطين آل عثمان على الوجه أما الظهر فحمل عبارة “ضرب في مصر” ولم يسمح لهم بإصدار نقود تحمل أسماءهم إلى أن تخلصت مصر من النفوذ العثماني عام 1916م وأعيد نقش اسم الحاكم المصري “السلطان حسين كامل” على وجه العملات الفضية ونقش على الظهر “السلطنة المصرية “وفي عام 1920م /1338هـ سكت نقود فضية من فئة العشرة والخمسة قروش والقرشين باسم السلطان فؤاد الأول .

وعندما أعلنت الملكية في مصر سنة 1922م حدث تغيير جوهري في الشكل العام للعملة المصرية ؛ إذ أعيد نقش صور الملوك على وجهها بعد أن توقف نقش أية صور عليه سنين طويلة منذ سنة 77هـ في عهد عبد الملك بن مروان حين اختفت الدنانير المصورة من التعامل كلية . وحرص الملك فؤاد منذ عام 1930م ضرب النقود التي تحمل صورته بالملابس العسكرية في تلميح لقبضته العسكرية على الشعب  وفي عام 1356هـ / 1937م سكت أول نقود فضية تحمل صورة فاروق ثم تتابع سك النقود الذهبية والنيكلية والبرونزية التي ضربت أيام فاروق وكلها كان منقوشًا عليها صورة فاروق ، وكلمة فاروق الأول ملك مصر ما عدا المليم المثقوب فحمل اسم فاروق فقط .

وفي عهد ثورة الجيش بدأ سك عملات برونزية جديدة تحمل طابع الثورة ولكنها استبدلت صورة فاروق بصورة أحد ملوك مصر القدامى “أبو الهول أو خوفو” ولم تخل أي عملة صدرت في عهد الثورة من صور ملوك مصر القدامي مثل “رمسيس الثاني أو خوفو أو النسر الفرعوني أو نسر الناصر صلاح الدين أو صور لملكات مصرية كنفرتيتي أو فتيات فرعونية يحملن مشعل الحرية !

وفي عام 1970 سك عملات من فئة الخمسة جنيهات والجنيه والخمسين قرشًا والخمسة والعشرين قرشًا القابلة للتداول ونقش عليها جميعا صورة الرئيس جمال عبد الناصر .كما ظهرت عملات تحمل صور الملك الإله الفرعوني أوزوريس وأخرى للملكة كليوباترا . وفي عام 1980 صدرت عملة تحمل صورة الرئيس محمد أنور السادات .

وهكذا خلد المصريون ذكرى عبد الناصر رغم الهزيمة لأنهم رأوا فيه زعيما عربيا، وخلدوا السادات من أجل نصر أكتوبر أما مبارك فلم يكن في حاجة لوضع صورته على النقود لتخليد ذكراه كعادة الملوك والرؤساء من قبله ؛ربما لأنه أعتبر أن أموال مصر ملك خالص له ولأسرته واكتفى قانعا أن يطل بصورته علينا في معظم ميادين وشوارع مصر وأغلب المشروعات الكبرى، مثل مشروع مبارك لإسكان الشباب، وأكاديمية مبارك للشرطة، ومحطة رمسيس، وأكثر من 100 مؤسسة ومدرسة ومشروع حملت اسمه  ، ولعل نشر صوره وتماثيله ، جاء مبنيًا على قاعدة نفسية وعلمية معروفة، وهي أن الرئيس معكم ويتابعكم في كل مكان. فجاءت تماثيله كجزء من التسلط عليهم، وإرعابهم ووضعهم تحت السيطرة التي دفعت البعض بالمطالبة بعودته مرة أخرى فلا تستغربوا شغف الذاكرة الشعبية بصورة البطل المنصف، أو المستبد العادل.. كما كان يدعو له الإمام محمد عبده.. ولم يكن المستبد عادلا يوما من الأيام.. إنه تمجيد لصورة القوة، حتى لو خلت من وجه الإنسان.

التعليقات