يوميات الحصار العثماني للقسطنطينية كما رواها الأطباء – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ تاريخ عثماني تاريخ مدن دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

يوميات المسافرين ومدوَّناتهم الشخصية تشكل في الثقافات الأخرى مكتبة قائمة في ذاتها، وتعتبر كتب اليوميات من أمتع المؤلفات وأكثرها رواجاً على اختلاف قيمتها الأدبية، وتنوع الموضوعات التي طرقها كتابها.

فأدب اليوميات ، على هذا الصعيد، يشكِّل ثروةً معرفيَّةً كبيرةً، ومخزناً للمشاهد والقصص والوقائع والملاحظات، فضلاً عن كونه مادة سرديّة شائقة تحتوي على الطريف والغريب والمُدهش مما التقطته عيون ترصد وأنفسٌ تنفعل بما ترى، ووعي يُلِمُّ بالأشياء ويحلِّلها ويراقب الظواهرَ ويتفكَّرُ فيها هكذا جاءت يوميات حصار العثمانيين للقسطنطينية حتى فتحوها سنة 1453م كما رواها الطبيب والجراح البندقي نيقولو باربارو أحد أفراد الأسر النبيلة بمدينة البندقية وأحد شهود العيان ، الذي يجعلك تستشعر كأنك مع حكاء يمتلك طريقة ساحرة ومدهشة، عفوية بسيطة في رصد تفاصيل مشهد الحصار العثماني للقسطنطينية على شكل يوميات تبدأ مع وصول الطبيب إلى القسطنطينية للمشاركة في الدفاع عنها وتمر بأيام الحصار القاسية وتنتهي عند اللحظات التي فر فيها هذا الطبيب بعدما اقتحم العثمانيون المدينة بعد ثلاثة أشهر من الحصار المضني . وبطريقة أخاذة ومدهشة تُسلبك إرادتك وتمسك بتلابيبك ولا تتركك إلا بعد أن تنتهي من قراءة يومياته التي بين يديك التي اقتربت من المائتين صفحة، ساعتها فقط تًدرك أنك أمام نص تم ترجمته بحرفية مدهشة وبعين مترجم يعرف أهم مفاتيح عبقرية النصوص التراثية تساعده على الإمساك بتلابيب القارئ حتى آخر كلمة في النص رغم صرامته العلمية وهي ميزة تجلت بوضوح في يوميات الحصار العثماني للقسطنطينية .

وعلى الرغم من عشرات الكتب التي كتبت حول موضوع الفتح العثماني للقسطنطينية فإن رواية شاهد العيان لهذا الحادث التاريخي الفذ تبقى لها جاذبيتها ، التي تقف بك على طبيعة الوعي بالذات والآخر الذي تشكَّل عن طريق اليوميات ، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الكاتب ، والانتباهات التي ميَّزت نظرته العدائية إلى العثمانيين وحروبهم  والناس والظواهر والأفكار.

نجح نيقولو باربارو إلي حد كبير عن طريق الحذف والإيجاز وعدم الاستطراد في اللغة والتكثيف والتقطير في استخدام اللغة المدببة نحو الهدف، ووصف شخصيات وأحداث الحصار ورصد لنا سكان القسطنطينية  ومشاعرهم المتباينة وأحزانهم ، وقلقهم ، وتوجسهم ، ومعاناة النساء والأطفال ، كأنها شريط سينمائي يمر أمام عين القارئ ، وذلك بلغة بسيطة، موحية مؤثرة ، متدفقة ، جذلة موجزة لنرى كيف نقل إلينا الكاتب أحد المشاهد الحصار المرير ،  ونجح في تصويره بحرفية ومهارة عالية، وجعله ماثلا أمام عين القارئ كأنه صورة سينمائية: “في الثامن والعشرين من مايو، وبعد حلول الظلام بساعة، بدأ الأتراك في إيقاد نار هائلة في معسكرهم، أكبر من تلك التي قاموا بإيقادها في الليلتين السابقتين وأكثر سعيراً، وكان صراخهم وصياحهم أعلى من أن تستطيع قلوب المسيحيين تحمله، إضافة إلى صراخهم قاموا بإطلاق القذائف بأعداد كبيرة من المدافع والبنادق، وقذفوا بأحجار لاحصر لها، حتى بدا لنا أن ما يحدث لهو الجحيم بعينه.استمرت هذه الصرخات الهستيرية حتى منتصف الليل، عندما خبت النيران، وطوال الليل والنهار أخذ الكفار الوثنيون في الصلاة إلى محمدهم . من أجل أن يجلب لهم النصر، ولأجل غزو المدينة ، أما نحن المسيحيين فظللنا آناء الليل وأطراف النهار نصلي للرب، وللعذراء ، ولكافة القديسيين في السماوات ، كنا نصلي ونبتهل لهم بدموع قلوبنا لأجل أن يلهمونا الصبر والثبات والنصر ، وأن لا نفر من وجه أولئك الكفرة الملاعين الذين يستهويهم لون الدم” . هذا اللون من اليوميات الذي سرعان ما اختفى ، تاركاً مكانه لأعمال البحث الفكري والكتابات الأيديولوجية الصارمة في حمأة صراع سياسي واجتماعي محتدم مع الآخر. ومعه غفا نيقولو باربارو واختفت اليوميات ، ولم تعد الكتابة في هذا الميدان تشكل ظاهرة تاريخية يمكن الإشارة إليها.

وعلى الرغم من أهمية هذا الحادث الفذ فى تاريخ المسلمين ، فإن ستارًا من النسيان – وربما التناسي- قد أُسدل على هذا الحدث الذي لا يعرف تفاصيله ومقدماته ونتائجه كثير من المسلمين من العامة والمثقفين وبسبب تطورات التاريخ الثقافي السلبية فى أنحاء العالم الإسلامي ظل هذا الحدث أسير إطار الانحيازات الغربية ضد المسلمين وتاريخهم .

ومع أن إسلامبول (استنبول ) ظلت قاعدة العالم الإسلامي طوال عدة قرون ؛ فإن ما أطلقه المؤرخون الغربيون من “شائعات تاريخية ” حول العثمانيين لقى آذانًا فارغة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي عندما أرادت الدول الغربية – أثناء صراعها الطويل مع العثمانيين الذين تقدموا في أوروبا تقدمًا أفزعهم ولم تره أوربا من دولة إسلامية من قبل – فعمدت عبر معاهد الاستشراق والجامعات الأوربية إلى دراسة هذا العدو العملاق – أي العثمانيين – لذلك نشأت دراسات العثمانيين في أوروبا ، عدائية للإسلام وبالتالي للعثمانيين ؛ بغية فهم الدولة العثمانية لتقويض دعائمها ، حتى يرتاح الغرب ويسود الشرق .

في الوقت الذي تاقت فيه الشعوب الأوربية إلى الاستماع لقصة سقوط القسطنطينية بآذان صاغية ، ووصلت إلينا عدة مصادر حول ذلك الحدث على أنه لا يوجد مصدر تاريخي أكثر تفصيلا وحبكة تاريخية من هذا المصدر الذي كان مؤلفه يعمل على إحدى سفن أسطول البندقية إذ كانت سفينته تشارك في أعمال الدفاع عن المدينة حيث قام بتدوين أحداث الفتح أولا بأول واحتفظ نيقولو باربارو بيومياته حتى عاد إلى مدينته الأم البندقية في شهر يوليو 1453م ليعيد كتابتها وصياغتها من جديد . بعد أن دون كافة الأحداث العسكرية بين الجانبين العثماني والبيزنطي منذ الثاني من مارس 1452م حتى التاسع والعشرين من مايو 1453م ، ونجحت سفينته فى الفرار بعد سقوط القسطنطينية وعادت إلى البندقية .

ويمكننا أن نلاحظ ، من خلال تحليلنا ليوميات باربارو ، أنه لم يكن مؤرخًا محترفًا كالمؤرخين البيزنطيين المعاصرين لنفس الحدث بقدر امتلاكه موهبة السرد ووصف الحدث بأدق تفصيلاته ونلحظ أن المؤلف قام بهذا العمل لنفسه لأنه لم يتوافر لنا أية معلومات تفيد بأنه كان ينوى تقديم يومياته في صورة تقرير للبحرية البندقية أو إلى الدوج والسناتو في مدينة البندقية .

كان نيقولو باربارو يدرك جيدا حجم الخطر العثماني ، وكان يدرك أيضًا مغزى سقوط القسطنطينية في يد السلطان محمد الفاتح ، ولهذا فقد امتلأ كتابه بالكثير من عبارات السخط والكلمات الحانقة على الأتراك . وعكس باربارو فى كتابه خوف الأوربيين من الخطر العثماني المتصاعد فى مقابل الضعف البيزنطي المتزايد ، وتجلى ذلك في حديثه عن السلطان العثماني محمد الفاتح الذى كنَّ له باربارو ،وللعثمانيين ، كراهية عميقة ، إذ يمكن فى هذا الصدد إلقاء الضوء على رؤية تركيا لدورها الجديد فى المنطقة، وهو دور نستطيع أن نسميه بدور القوة “فوق الإقليمية الفاعلة” super regional power .

كما تبدو في يوميات باربارو بعض الأفكار الخاطئة عن الإسلام ، مثل ذكره عن توجه المسلمين بالصلاة تجاه محمد (ص) وغير ذلك مما يشى بضعف ثقافته خارج نطاق الدين المسيحى . على أن الأمر المثير للانتباه حقيقة ، هو أنه على الرغم من كون مهنة باربارو هى الطب والجراحة ، فإنه لم يتطرق في يومياته إلى أية أحداث تقترب من تخصصه أو إشارات تفيد أنه مارس مهنته سواء على متن السفينة أو ساحل القسطنطينية إذ يبدو أنه ككثير من الأطباء الذين غلبت عليهم موهبتهم الأدبية على مهنتهم الإنسانية .

من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي قدمه إلى المكتبة العربية المؤرخ حاتم الطحاوى الباحث المتخصص في تاريخ العثمانيين والتي امتازت الترجمة بأنها الأولى في لغة العرب من ناحية وبسلاسة وبساطة محببة تكشف عن جهد كبير بذله المؤرخ الطحاوى في سبيل إخراج صورة حية لحدث نادر المثال فى التاريخ الإنساني من ناحية أخرى ، ولعلها كانت مفارقة ساخرة من التاريخ أن يفقد المسلمون قاعدتهم في الأندلس بأقصى الغرب الأوربي فى السنوات الأخيرة من القرن الذي شهد فتح المسلمين لقاعدة المسيحية الشرقية في أقصى الشرق الأوربي .

التعليقات