الرحالة العثماني أولياچلبي يروى أسطورة أم الدنيا – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير رحلات شخصيات تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

عندما كان في صوفيا 100 مسجد وفي بلجراد 217 وجزية أثينا وقفًا على الحرمين الشريفين كان هناك شاب تركي مسلم هو أولياجلبي شغف بالترحال لمدة 44 سنة جاب فيها 23 دولة حيث لا تكاد تنتهى رحلة إلا ويفكر في رحلة أخرى يجوب فيها ديارًا مختلفة ويرى فيها شعوبًا مغايرة يستهويه الاستماع عنها ، فيشد الرحال لرؤية الواقع بعينه هو ؛ ليرصد رؤيته الخاصة لمشاهداته ولقاءاته مع من يصادف في تلك الديار ليشبع رغبة داخلية في نفسه في كشف المجهول أو الوقوف على ما سمع أو قرأ . ورغم المصاعب التي يواجهها الرحالة النابه إلا أنه يجد استمتاعا بالغا في تحقيق رغبته في الترحال رغم كل هذه الصعوبات .

قام أوليا جلبي برحلته في القرن السابع عشر بدأها من إستانبول ، وشملت 23 دولة من الدول المعروفة اليوم هى : تركيا وروسيا وألبانيا وبلغاريا واليونان ورومانيا ويوغسلافيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا والنمسا وبولندا وإيران والعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين والسعودية ومصر والسودان والحبشة والصومال وجيبوتي .

ترك لنا سفرًا جليلا في عشرة مجلدات جمع فيه (كل ما وقع له وعرفه وسمع به وشاهده من لطائف صنع الله وعجائب حكمته المودعة في بلاده وعباده)ليفتح أوليا جلبي في كتابه باب العجائب والأساطير على مصراعيه ليجمع الكتاب لنا خوارق النساك والمتصوفة بجانب خوارق البنيان والآثار ومن حين إلى حين نلتقي بغرائب الأخبار لا في الإنسان، بل أيضاً في الطير والحيوان البري والبحري والزواحف وعجائب الحيوانات النيلية ونقل أخباراً وحكايات كثيرة عن الرواة الذين كانوا يوردون الخرافات والمستحيلات دون تمحيص وكان يقبلها على علاتها ويثبتها دون أن يحكم عقله على أنه كان يتخلص أحياناً من تبعتها بقوله: (والله أعلم).

اهتم بمصر اهتماما ملحوظًا فخصص لها أغلب الجزء العاشر من رحلته إلى مصر التي زارها أول مرة 1672م وعاد  إليها من سياحته في إفريقيا عام 1676م ليمدنا بمعلومات طريفة عن مصر . ويعد كتابه “سياحتنا مه مصر” - الصادر مؤخرا في القاهرة عن المركز القومي للترجمة بترجمة مدهشة للصفصافي القطورى – من أمتع المؤلفات التي وصلتنا عن مصر في القرن السابع عشر الميلادي  ؛ لما به من تصوير فريد لبناء المجتمع المصري وأفكاره وحياته وأحواله , وبصفة خاصة أساسيات الفكر السائد وطبيعة العلاقات الاجتماعية ومحورها القائم على التجارة. كما كانت تلك الرحلة مجالاً خصباً للحكايات الشعبية الخرافية والأسطورية . إذ إن حكايات الرحلة وخرافاتها وموضوعاتها التي شدت انتباه صاحبها, جعلته أكثر قرباً من المعتقدات الشعبية ، إذ احتلت المسائل المتعلقة بالخرافات وحكايات الكرامات والغرائب والدراويش مكانة هامة بالنسبة له وقد لا نجيز لأنفسنا أن نؤاخذه إذا لم يلق بالاً لجوانب الحياة إلي تهم عصرنا ولكنه كان بدوره يعكس بدقة وإخلاص العصر والوسط اللذين عاش فيهما وذلك على ضوء الظروف الحضارية السائدة إذ ذاك ولكن هل تشابهت المعتقدات وتجانست الموروثات في البيئات الإسلامية المتعددة التنوع والتي خبرها الرحالة وعاش فيها سنوات طوالاً من المعتقدات والموروثات الموجودة في البيئة التي نشأ فيها ، أقول: نعم وبمقدار هذا التجانس القائم بين خرافات الرحلة وحكاياتها من مختلف البلدان يتبين لنا أن هذا التجانس لم يكن إلا باختياره هو نفسه وكل ما أورده ورواه إنما لمصادفته هوى خاصاً لدية يتفق ومقوماته الشخصية.

إذ إن الأسطورة تتضمن تصوراً ما عن حدث معين أو شخص كان له وجود تاريخي ولكن الخيال الشعبي أو التراث في حرصه على تأكيد قيمة معينة أو رمزية خاصة يلجأ إلى تصوير ذلك الحدث أو تلك الشخصية في إطار المبالغة والتضخيم, ومن المعروف أن المفهوم الإنثوجرافي لا يجرد الأساطير تجريداً تاماً من الحقيقة بل يرى أن في كل أسطورة شيئاً من الحقيقة لا يلبث أن ينمو ويتضخم بفعل الخيال الشعبي

وتأتي أهمية رحلة أولياچلبي إلى مصر, في أنها تتم في فترة تندر فيها المصادر العربية والتركية والأوربية عن وصف مصر, كما أنها تعد من أشهر الرحلات التي قامت بها عقلية شرقية إسلامية إلى الديار المصرية, وتأتي هذه الرحلة في الوقت الذي اكتسب فيها أولياچلبي  علماً وخبرة أكثر لأنها تعتبر نهاية المطاف بالنسبة له حيث توفي بعدها بقليل , فكان كتابه “سياحتنا مه مصر” منهلاً ثرياً أفاد المشهد التاريخي. إذ يعد كتابه من أدق وأوفى ما كتب عن مصر في القرن السابع عشر الميلادي فلو استبعدنا الخرافات والأساطير التي ألمت به في تفسير بعض الظواهر لاعتبر هذا الكتاب سجلاً وافياً لما كان في الحجاز ومصر من آثار ومساجد وجوامع وتكايا وزوايا ومستشفيات وكنائس وخانات وقصور وبرك وترع وقنوات ومعسكرات وعائلات. وكذا مرجعاً لا يستهان به للوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والعسكري والإداري لمصر في تلك الحقبة التاريخية الغامضة من تاريخ مصر ووصف لنا ما كانت عليه ما يسودها من عادات وتقاليد وأفكار وأعراف.

أولياچلبي كان يدون ملاحظاته ومشاهداته عن مصر ثم يرجع إلى كتب التاريخ والرحلات التي سبقته إليها وخاصة الثقاة منهم . أمثال القزويني, والمقريزي والطبري, والذهبي, وجلال زادة, وصولق زادة ,والأطلس الصغير ثم يدعم هذا كله بالرجوع إلى القوانين والسجلات, وكتب المناقب, وسجلات الولايات ودفاترها وميزانياتها. وقد كان يستخدم أساليب عصره في القياس فما أن يمر بجامع أو قلعة حتى يحصي الأبواب والأدوار والمخازن ويقيس بالخطوة والذراع كل ما يصادفه من آثار وأطلال كما كان يعود إلى ما سجله أو رجع إليه من مراجع في كتبه السابقة على حد قوله  .

وكان من أهم مقومات كتاب أولياچلبي هو اعتماده على الدراسة الميدانية التي تتوافر فيها ثلاث مراحل وهي؛ المشاهدة الدقيقة المصحوبة أحياناً بالانبهار، ثم تسجيل المشاهدات وتدوينها، فالتفسير والشرح والوصف طبقاً للانطباع الذي خرج به وقد اعتمد على قراءاته السابقة المتنوعة عن مصر وأرضها وأهلها وتاريخها وجغرافيتها وآثارها في إثراء ما كتب عن مصر التي انبهر بها. وقد اجتهد أولياچلبي في وصف الشكل الخارجي للأماكن التي زارها في مصر مدعماً كلامه بطريقة التقصي والتتبع ومزج ذلك بمشاعره وعواطفه وأحاسيسه تجاه المعالم التي حازت على إعجابه وخلبت لبه.

نقل أولياچلبي لنا صوراً حية وصادقة عن مشاهداته وكانت هناك عاطفة قوية نحو ما يصف وما يصور سواء كانت هذه العاطفة مبعثها الحب والإعجاب أو البغض والكراهية وكان مغرماً بذكر المواقف الغريبة والنادرة وشغوفاً بالحديث عن القصص والأساطير والخرافات الخيالية التي سمع بها مهما كانت شطحاتها لأنها تشكل جزءاً من تراث الشعوب. وكان يركز أحياناً على النوادر والغرائب والعجائب ويأتي من أحوال البلاد بما يستغربه الناس فيشيع الإثارة والبهجة ويجعل القارئ يستمتع بمتابعته فأسلوبه لا يخلو من الطرافة والجاذبية في عرض الأحداث وإيراد المعلومات  وتأثير عامل الخيال يبدو واضحاً في كتاباته وقد قاده خياله في بعض المرات إلى المبالغة والمغالاة وهو يصور الأحداث ويجسدها مما أثرى البحث الذي نحن بصدده أيما ثراء.

ومن أمثلة ذلك حديثه عن مدينة ” أمسوس” بعد طوفان نوح فيقول: (ولم يكن هناك شيء ظاهر سوى جبل الهرة الذي كان قد أقيم بإشارة من النبي إدريس تجاه النيل ليأووا إليه ومع ذلك فإن الذين لجأوا إليه عند الطوفان قد غرقوا بأموالهم وكنوزهم في مياه الطوفان). فالكتاب حافل بالأفكار العامية السيَّارة والشائعة غير المحققة علمياً وبرغم ذلك فالكتاب يعتبر من بواكير دراسة الإنسان مقترناً ببيئته الجغرافية وفي إطار من المعتقدات والعادات والتقاليد والغرائب ولا غرو في ذلك فقد كان الاهتمام بـ “بعجائب البلدان” قاسماً مشتركاً بين كتب الجغرافيين والمؤرخين والأدباء والرحالة في العصور الوسطى والإسلامية. والذين أجمعوا أن  في “مصر من العلوم والعجائب التي عمرت الدنيا … فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤها الذين ورثوا الحكمة من مصر خرجوا و بها ولدوا ومنها انتشرت علومهم فى الأرض .. وكانت مصر يسير إليها فى الزمن الأول طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوة الذكاء ودقة الفطنة”   وربما لهذا يسمون مصر “أم الدنيا” ولا يسمونها “أبو الدنيا”. هى أم الدنيا لأنها الرحم الذي لا ينضب بل يصدر أولاده إلى البلاد العقيمة دون وصاية من أب !!أو على حد قول أولياجلبي :”.. مصر بأم الدنيا؛ لأنها تحتوي على جميع أجناس الخلق, وأنواع الأمم, التي يبلغ عددها اثنين وسبعين أمة تتكلم بمائة وأربعين لغة. كما تشمل على أقوام من التابعين للمذاهب الأربعة, فبفضل مصر هذه يعيش كل هؤلاء الخلائق, فضلاً من الله ومنة..وما ذلك إلا أن كثرة أهالي مصر, وسكانها من الفلاحين. أعني أنهم من أهل الكد والعمل الشاق, ومعاناة الأهوال في سبيل إسعاد الغير. إذ إن هؤلاء المساكين بعملهم الدائب هذا يجعلون مصر في بحبوحة من الخيرات, والخصب وعلى جانب عظيم من النعم, ورغد العيش الذي يتمتع به الناس والحيوان. فلأجل هذا سميت مصر بحق (أم الدنيا) كالأم الرءوم تعنى بجميع أركان الدنيا , وتحدب عليها وتبذل لها من متاعها وسلعها , وهكذا تكون الأقاليم السبعة من الدنيا عالة عليها ..”.

التعليقات