كيف سخر المصريون من حكامهم؟ – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

في إطار بحثنا عن الحقيقة التاريخية ودربها الطويل ..نجد أنفسنا أمام  السخرية  كـ “تخريمة” للوصول إليها لتعطينا الحقيقة في (برشامة) كأي دواء ناجع له طعم المر ، لكنه يعيننا على احتمال العيش في الدنيا بالضحك في موضع البكاء ، والبكاء في موضع الضحك وإدراك أن الحياة مزيج متشابك منهما معاً.

ومعها ندرك أن السخرية ـ رغم مبالغاتها ـ تعيدنا إلى أرض الواقع وتكشف لنا عن الحجرات الشعبية للتاريخ التي تعطينا صوراً أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية ، خاصة وأنت في مصر ؛ إذ كانت السخرية في تاريخها الطويل سلاحاً بين أيدي العامة وبين أيدي الكُتاب والشعراء لا للتعمية وقهر الناس بل لتحريرهم من الخوف والخور والذل والخضوع والنفاق ، فلم يعرف كتبة الحكام ولا السلاطين الطغاة ولا رموز وعبيد السلطة الجائرة السخرية باعتبارها نوعاً فنياً يعبر عنهم ، بل كانت الجدية العابسة الناطقة باسمهم قائمة على التهديد والوعيد والتخويف ليلجم الخوف كل الألسنة، فلا يعود مجال إلا أن ينطلق طائر النكتة مخترقاً الأسوار والحواجز كي يصل إلى الحاكمين وينبئهم فساد ما صنعوا.

التنفيس الفرعوني الجميل !

فالنكتة رسالة شديدة المرارة والصدق معاً ، خاصة النكتة السياسية ، إذ هى نوع من جلد الذات ..إن صح التعبير ، برع المصريون فى هذا اللون من الفنون وأصبحت النكتة لافتة أصبحت إعلان موجه للجميع .. برغم أنه مجهول المصدر ، والمصريين شعب أتقن الضحك في أحلك الظروف ” حتى على نفسه”والاطلاع على أحوال الشعب المصري على مدى تاريخه يكشف مدى الظلم الذي عانه هذا الشعب ، ولم يكن وليد العصر وإنما كان ميراثاً حملته الذاكرة الشعبية من عصور سابقة حتى ناء به كاهلها وفاض بها الكيل ، فكانت ثوراتها ضد الفقر والجوع والاضطهاد ، وكان إبداع الشعب الذي عبر بصدق عن أحوالها ترميزاً مرة وتصريحاً مرات منذ عصر الفراعنة إلى اليوم ..ومن المعروف أن ماعثر عليه الباحثون من أدبنا الفرعوني القديم لا يعدو رسوماً وأجزاء مبتورة منه ومع ذلك فأغانيهم ورسومهم وصورهم تدل على أنهم عاشوا في عصورهم بسلاح الكلمة والنقد اللاذع لحكامهم الذين لم ينصفوهم إذ نرى صورة ساخرة لذئب يرعى ماعزاً والمصور يشير بذلك إلى ما يطابق المثل الشعبي المعروف بين عوامنا إذ يقولون :”حاميها حراميها” حين يشترك خفير البيت في سرقته مثلاً ، ومن هذا اللون صورة لمعركة بين القطط والإوز ، ومن رسومهم الساخرة رسم نرى فيه الجرذان يحاصر قلعة للقطط وتقدمت فرقة فدائية ، فمدت على القلعة سلماً واعتلاه فدائي كبير !. وهناك صورة تمثل مبارة في لعبة الشطرنج بين أسد وغزال ، والغزال يأمر الأسد بأن “يكش الملك” والأسد مكشر عن أنيابه والشرر يتطاير من عينيه .

ولا شك أن التعبير الفني التهكمي أو الساخر يعتبر بمثابة الوجه الآخر للتعبير الأدبي الذي يتميز بالتهكم أو السخرية ..بمعنى أن الفنان حين كان يعبر عن روح الفكاهة أو السخرية في عمله الفني ، كان يري أن يعبر أدبياً عن تلك الروح بصيغة ضمنية .

وقد تم العثور على عشرات من الرسوم التهكمية الساخرة التي تعبر في مضمونها الأدبي عن عالم مقلوب رأساً على عقب ..فنرى الملوك يقومون بخدمة الملكات ..كما نرى القطط تخدم الفئران ..أو نرى الثعلب يحرس قطيعاً من الأوز فالفنان في مثل هذه الأعمال يريد أن يعبر بمضمون أدبي عن التناقض الكامن في أن القوة عندما تصبح في خدمة “الضعف” فإن معنى ذلك أن الأمور أصبحت مقلوبة بكل مافي هذا المعنى من تهكم وسخرية .

وعندما يرسم الفنان عربة حربية يقودها فأر وهو حيوان معروف بالجبن ..أو عندما يرسم سفينة يقودها حمار ..فإنه يريد بذلك أن يعبر بكل تهكم وسخرية عن نظام سياسي لا يعجبه لأنه تحت قيادة الجبناء والأغبياء وعندما يرسم الفنان أسداً يلعب الضامة ـ وهى لعبة شبيهة بالشطرنج ـ مع ظبي كان من المفروض أن يكون فريسة سهلة لهذا الأسد ، فإنه يريد أن يبلغنا بأن المور قد تجاوزت حد المعقول إلى اللامعقول[1] .

وبهذه الشاكلة كانت مصر الفرعونية تسخر من حكامها ، فلما دهاها ما دهاها من غزو الفرس واليونان والرومان لها ذهبت تتنفس عن عذابها وآلامها وكآبتها بفكاهات مرة مليئة بسموم اللذع والتهكم والسخرية .

التحريض وثيقة تاريخية:

وطبيعي أن يسخروا ويتهكموا بالفرس لأنهم كانوا غزاة ظالمين أما البطالسة فعلى الرغم من أنهم توددوا إليهم وبذلوا كل ما استطاعوا ليكسبوا عطفهم وينالوا حبهم ، فإننا نراهم ، لا يتركون فرصة تمر دون أن يصيبوهم بسهام التهكمات ، وقد نبزوا كلا منهم بلقب ميزوه به ، فلقبوا بطليموس الأول بلقب الزمار ، أما بطليموس الثاني فقد أصابوه بغير سهم من سخريتهم ، وانتهزوا فرصة زواجه من أخته ، وسلطوا عليه أقذع الكلمات .

ونرى ثيوكريتوس الشاعر اليوناني الذي عاش في الإسكندرية أثناء القرن الثالث قبل الميلاد يشير إلى هذه النزعة في المصريين وما يطوى فيها من الفكاهة ، بل من السخرية المؤلمة بقوله :”إنهم شعب ماكر ، لاذع القول ، روحه مرحة !!”.

ونمضي إلى عصر الرومان فنجد الرومان يقسون عليهم في حكمهم وسرعان ما يسلطون عليهم سهام سخريتهم ، وقد كادوا لا يتركون قيصراً زار مصر من قياصرتهم دون أن يقدموا له هذه السهام الساخرة المسمومة ، وكانوا أحياناً لا ينتظرون حتى يفد عليهم القيصر الذي يريدون قذفه بهذه الحجارة المدوية ، فيصوبونها إليه من بعيد .

وكم من قيصر سلطوا عليه صوائب سهامهم ، فمن ذلك أنهم نبزوا القيصر فسبسيان بلقب تاجر السردين ، ولقبوا قيصراً آخر بلقب النسناس المدلل الصغير .

وكانت هذه السخرية الخبيثة تكلفهم ثمناً غالياً ، فقد كان القياصرة يغتاظون غيظاً شديداً ، فيقسون عليهم في حكمهم ومع ذلك لم ينتهوا عن هجائهم ، بل ظلوا يقاومونهم ويسخرون بهم وكأن مزاجهم الفكه الساخر كان يضطرهم ويلزمهم دائماً بهذا الدفاع الساخر.[2]

الساخرون والضاحكون في القرون الوسطى:

ويُرفعُ كابوس الرومان عن صدر مصر وتضئ فيها تباشير فجر جديد وتصبح مصر ولاية عربية ، وتظل معها أدوات السخرية اللاذعة للطغاة من حكامها وذاعت أسماء منهم لعل أشهرهم سيبويه المصري الذي رافق الدولة الإخشيدية وكان يظهر التبالة والحمق والجنون ، ويضع كل ذلك مسرحاً ينفذ منه إلى نقد الدولة الأجنبية ونقد موظفيها المختلفين ، نقداً فيه مرارة وخبث ، وفيه تنفيس عما يقع على الناس من ظلم في هذه العهود الجائرة .

من ذلك أنه كان يطوف على حماره يوم جمعة ، فرأى الناس محتشدين لرؤية موكب الإخشيد أثناء مروره إلى الصلاة ـ التي كان يحرص عليها أمام العامة ؛ لشرعنة وتبرير وتسويق حكمه الديني لهم ـ فتوسط سيبويه المصري الجموع وصاح :”ما هذه الأشباح الواقفة ، والتماثيل العاكفة ، سلطت عليهم قاصفة ، يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ، وتغلي لهم قلوب واجفة؟ ” فقال له رجل :”هو الإخشيد ينزل إلى الصلاة ” ، فقال :”هذا الأصلع البطين ، المسمن البدين ، قطع الله منه الوتين ، ولا سلك به ذات اليمين ، أما كان يكفيه صاحب ولا صاحبان ولا حاجب ولا حاجبان ، ولا تابع ولا تابعان ؟ لا قبل الله له صلاة ، ولاقبل له زكاة ، وعَمر بجثته الفلاة “.

ولا ريب أن هذا الهجوم على الإخشيد كان يحدث تنفيساً عن الحرج في نفوس سامعيه ، فيضحكون ويغرقون في الضحك ، وكان يتخذ ذلك دائماً منحدراً له إلى هجائه اللاذع ، ومن الطريف أنه كان يورد هجاءه على الناس وهو واقف معهم يعظهم ، إذ كان فقيهاً صالحاً ، فمن ذلك أنه بغتهم مرة أثناء وعظه ، فقال :”حصلت الدنيا على أقطع وأقرع وأرفع “. يعنى بالأقطع ابن بويه الديلمي صاحب بغداد ، وبالأقرع سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب ، وبالأرقع كافورا ، وكانت قد صارت إليه شئون مصر ، وكان يسميه في مواعظه الخصيَّ لا يبالى .

وهذا كله هجاء سياسي لاذع كان يعتمد فيه سيبويه المصري على مجاميع من الأخطاء في الكلام ينفث فيها سهامه ولم يترك في عصره موظفاً كبيراً ولا قاضياً يتمسح بالدين إلا تعرض له ونقده [3] ليتخذ تطبيق النموذج الديني في الحكم شكلا ساخراً يعبر عن تحكم القوة لا حكم الدين وليس لنا أن نندهش لأفاعيل السلطة وشهوتها في التقوى والأتقياء حتى يومنا هذا ولتبرير الحكم باسم الدين يتلمس موظّفوها ومستخدموها كل سبيل تربطهم بما يحبه الناس وينقادون له، من صلاة وعياط وحكم وأمثال ومراجع علمية ودينية.

لا نصل إلى العصر الفاطمي حتى تتسع روح السخرية عند الشعب إذ أخذوا يتربصون بحكامهم حين كثر القول بين الناس عن الفاطميين ونسبهم وهل ينسبون حقاً إلى فاطمة الزهراء أو لا ينسبون فبلغت الجرأة بهم أن رموا على منبر المسجد الجامع يوم الجمعة بطاقة للعزيز ثاني حكام الدولة الفاطمية جاء فيها :

إنا سمعنا نسباً منكراً يُتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقاً فاذكر أبا بعد الأب الرابع
أو فدع الأنساب مستورة وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بني هاشم يُقصر عنها طمع الطامع

ولم تقتصر هذه السخرية السياسية على نسب الفاطميين وسلوكهم بل اتصلت أيضاً بإدراتهم وكبار موظفيهم وما كان من توظيفهم لليهود في المناصب الكبرى فاحتج المصريون بقولهم :

يهود هذا الزمان قد بلغوا ** غاية آمالهم وقد ملكوا

العزُّ فيهم والمال عندهم ** ومنهم المستشار والملك

قراقوش كل عصر !

وعلى الرغم مما شهدته الشخصية المصرية من محن وشدائد عديدة صهرتها محنة الحروب الصليبية فقد خرجت منها ومن المحنة المغولية غير فاقدة لقدرتها على المرح والتفاؤل وعشق الحياة فالمصريون لم ينسوا طبعهم أثناء الحروب الصليبية بل لقد خلف لنا هذا العصر طرفة فكاهية مشهورة هى “كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش”هذا الكتاب أقدم الكتب الساخرة فى تاريخ مصر فى العصر الإسلامي ألفه الأسعد بن مماتى صاحب ديوان الجيش والمال لعهد صلاح الدين الأيوبي وقد عرف ابن مماتى كيف يحيل قراقوش إلى شخصية هزلية وقد أضافت العصور التالية إلى هذه الشخصية خطوطًا وألوانا أخرى إذ نسب المصريون بروح الدعابة التي يمتازون بها إلى تلك الشخصية كثيرا من القصص المضحكة وأصبحت شخصية قراقوش شخصية رمزية لكل حاكم طاغية على مصر فكان المصريون طوال الحكم التركى فى عصر المماليك وبعده يقصون نوادره ويضيفون إليها نوارد جديدة.[4]وكانت الكلمة أحياناً سلاحهم الفاعل في ثورتهم ضد حكام لم ينصفوهم .

واتخذت الثورات التي قام بها المصريون أحياناً شكلاً من الثورات الكلامية التي كان يلجأ إليها العامة أحياناً عن طريق السخرية والتهكم وقد أثمر هذا الأسلوب بالفعل في تغيير بعض الأحوال ، فعندما ازداد نفوذ المماليك في عصر الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتدوا على ممتلكات العامة وتوجس الشعب منهم خيفة لم يجد الشعب متنفساً له سوى التعبير عن هذا السخط بأبيات من الشعر بقوله :

الصالح المرتضى أيوب أكثر من ترك بدولته يا شر مجلوب
لا أخذ الله أيوبًا بفعلته فالناس قد أصبحوا في صبر أيوب[5]

وعندما بلغ مسمع الملك الصالح هذه الأبيات أدرك ما فيها وقام ببناء قلعة الروضة لهؤلاء المماليك حتى يكف آذاهم عن الرعية[6] .

صلاح الدين ..الحقيقة والأسطورة:

ولم يسلم صلاح الدين نفسه من السخرية والتهكم فكان يسمع من المتظلمين والمستغيثين أغلظ ما يمكن أن يسمع فقال عنه الشاعر ابن عنين :

سلطاننا أعرج وقاضيه ذو عمش والوزير منحدب

وكان صلاح الدين به بعض عرج والقاضي صدر الدين بن درباس به بعض عمش والوزير الفاضل منحدب .

لعل هذه الروح المصرية  الساخرة لم تتسع في عصر كما اتسعت في عصر المماليك ، وأيا ما كان الأمر ، أو حكم التاريخ في حكم المماليك ومن قبلهم حكم الأيوبيين ، فإن جوهر المأساة من وجهة نظر المجتمع الشعبي على الأقل ـ يقوم على تلك المفارقة الكبرى بين غايات هؤلاء السلاطين ووسائلهم في تحقيقها ، حيث تتجلى المتناقضات ـ الرحم الطبيعي للسخرية ـ على أشدها بين نبل المقصد وشرف الغاية ، وبين دناءة الوسيلة وبشاعة الأسلوب ..وطبيعي أن يسخر الشعب ويتهكم عليهم جميعاً فلم يتركوا حاكم ظالم إلا وقد نبزوا كلا منهم بلقب ميزوه به مثل السلطان ” قُلة ” أو السلطان “بلياي المجنون ” والسلطان “بخشي” و”سلطان ليلة” ، “وسلطان الجزيرة ” والسلطان أبو عيشة ” وهذه الألقاب والكنى إنما تشير إشارة ساخرة إلى سلوكهم أو إلى كونهم ألعوبة في يد الأمراء ، أو إلى أنهم لم يلبثوا في السلطة غير ليلة واحدة أو تسلطن بعضهم في الجزيرة بالنيل لا العاصمة إثر إنقلاب دموي ، لم تلبث أن ترتد سهامه إليه ، وهكذا …

وأطلق المصريون على النواب والولاه والأمراء والصناجق من قبيل السخرية ألقاباً ساخرة وكنايات هازلة مثل :”الأمير سم الموت”،”الأمير فأر السقوف”، “والأمير طلليه” ، و”الأمير فرعون”، “والأمير الفول المقشر”، “والأمير برسباي حداية”، “والأمير “سلامو عليكو” ، و”الأمير حلاوة “، “والأمير المجنون”، و”الأمير القرد”، “وأمير سوق السلاح ” ، “والأمير حاصل ماتم”، “والأمير قانصوه”، “روح له باشا”، “والأمير “خاين بك” ، “والأمير السنجق “أبو نبوت”، “والصنجق “هات لبن” ، والصنجق غليظ الرقبة[7].وطالت سهام السخرية كل حاكم رأوه غير كفء للجلوس من كرسي السلطة حتى وإن تزلف لهم باسم الدين لدغدغة مشاعرهم أو بكى وعيط فتجدهم يلقبونه بـ”العياط”! ..إلخ.

وفي صفحات التاريخ أغنية شعبية تغنى بها العامة لعصر السلطان بيبرس الجاشنكير ، وكانو يكرهونه كما كانوا يكرهون نائباً له نبزوه بلقب “دقين”  تندراً عليه لأنه كان أجرد ، وانتهزت العامة فرصة غياب النيل عن موعده ، وغنت في المنتزهات :

سلطاننا رُكين ونائبو دقين
يجينا الماء من أين؟
هاتوا لنا الأعرج يجي الما يدحرج

ويسخر الوجدان الشعبي أيضاً من الأتابكي قوصون نائب السلطان الذي استاثر لنفسه بأمور المملكة وصار صاحب الحل والعقد دون الملك الأشرف علاء الدين كجك (أي الصغير ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون مستغلاً في ذلك وصايته على هذا السلطان الطفل الذي تربع على عرش مصر وهو دون السابعة من عمره ..ولكن الشعب الذي لا يزال يدين بالولاء لأيام الملك الناصر ، كان من الوفاء بحيث أنه وقف إلى جانب أبناء الناصر ، بعد موته وساندوهم ، ووقف مع انصارهم ، ونهب بيوت خصومهم ، وسخر من أعدائهم حتى حاقت بهم الهزيمة ، يقول ابن تغري بردي :”ولبعض عوام مصر قصيدة “الكان وكان”أولها :

من الكرك جانا الناصر وجب معه أسد الغابة
ودولتك يا أمير قوصون ماكانت لا كدابة

يا رب يا متجلي

وفي العصر العثماني رغم ما عانت منه مصر من سواد حالك إلا أن ذلك لم يمنع المصريون عن التعبير عن سخطهم ضد الحاكم المستبد والتحريض ضده والسخرية منه ،  وينقل لنا الجبرتي في حوادث سنة 1137هـ احتجاجات العامة على زيادة الضرائب وشعارهم في الاحتجاج :”

باشا يا باشا يا عين القملة من قالك تعمل دي العملة
باشا يا باشا يا عين الصيرة من قالك تدبر دي التدبيرة

وظل الشعب يرددها في محناته فسمعنا بها مرات عديدة أثناء ثورة عرابي عندما ضرب الأسطول الإنجليزي على يد القائد سيمور حصون الإسكندرية ودك إستحكاماتها سنة 1882م مما دفع الشعب وقتئذ إلى إنشاد :

سمور يا وش القملة    إيش قالك تعمل دي العمله

وظل يرددها حتى سنة 1919م حين ثار مرة أخرى في وجه المستعمر .

وأورد اجبرتي مطلع شعر آخر اتخذه الشعب في موقف مماثل عندما حاول البرديسي بعد جلاء الحملة الفرنسية زيادة الضرائب على التجار وأرباب الحرف فثارت القاهرة وردد العوام :

“إيش تاخد من تفليسي يا برديسي”

ويسجل لنا مطلع شعار آخر يعكس مدى كراهية العوام للحكم العثماني آنذاك :

يا رب يا متجلي أهلك العثملي

وفي العصر العثماني استمر المصريون يطلقون أسماء تهكمية لازعة على الأمراء والحكام ، وكان من الألقاب التي اطلقها المصريون على حكامهم “بارم ديله” ، “المنفوخ” ، “أبو مناخير فض” ،”جلب القرد” ، ” صنجق سِتَّهُ” ، “قفا الثور”، “السبع بنات” ، وغيرها من الألقاب التي تذخر بها الكتابات المعاصرة والتي كانت تمثل بوضوح نوعاً من التحدي للظلم والطغيان.

ظلت تلك الشعارات والأمثال جزءاً وثائقيا مهما من التراث السياسي للعامة كما عبرت عنه في مأثوراتها الشعبية من ناحية ، وشاهدا حيا على إرادة عامة الشعب في التغيير وقدرتها على التمرد ، فضلاً عن أنها كانت لها نتائج إيجابية مناسبة لمناخها السياسي آنذاك ، وإذا كان بعض هذا اللون من التمرد الشعبي قد نجح في تصوير هذا الواقع السياسي المتردي ، فبعضه الآخر ، قد أفلح في تقويم هذا الواقع نحو الأفضل حتى وإن جثمت حرارة العياط والبكاء على أنفاس الشعب إلى حين . ولئن كان الظلم والاستبداد طاغيا في حياة البشرية جمعاء، فإن له في تاريخنا حضوره الذي لا ينكر، ومعه تحس بالمقابل بغضب دفين على بشر بلغ بهم الضعف والخور والخضوع هذا المبلغ المتدن في بعض الأحيان أو مغيب باسم الدين في أحيان أخرى ، وتجد نفسك تتساءل لماذا لا يثور هؤلاء؟ أم أنه السيف والحذاء؟!.

———————————————————

* كاتب وأكاديمي مصري .

[1]- مختار السويفي : الضحك والسخرية عند المصريين القدماء ،(مجلة الهلال ، عدد ديسمبر 1995م), ص 50.

[2]- شوقي ضيف : – شوقي ضيف : الفكاهة في مصر ،( دار المعارف ، القاهرة 2004م)، ، ص 23.

[3]- شوقي ضيف ، الفكاهة ، ص29.

[4]- نفسه، ص49.

[5]-يوسف بن تغري بردي :  النجوم الزاهرة ، ج 6 ، ص 67؛ محمد رجب النجار : الشعر الشعبي الساخر في عصور المماليك ، ( مجلة عالم الفكر، المجلد 13 ، العدد 3 ) ، ص 79.

[6]- عبد الرحمن زكي : نشأة القاهرة وامتدادها في أيام الأيوبيين ، المجلة التاريخية المصرية ، المجلد الثامن ، 1971م، ص 7.

[7]- محمد رجب النجار : الشعر الشعبي الساخر، ص 97.

 

التعليقات