سيدنا الخضر – أسطورة قهر الموت – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ اجتماعي تاريخ شعبي دكتور عمرو منير
0 Flares 0 Flares ×

قامت الحضارة المصرية القديمة على محاولة قهر الموت بالإبقاء على الإنسان حاضرا بعد رحيله بتدوين سيرة حياته على جدران المعابد والمقابر في نقوش عبقرية في فنها الرفيع ، وبتحنيط الجسد ، والاهتمام بالمقبرة والاحتفاظ داخلها ليس فحسب بجثمان صاحبها بل وكل متعلقاته الشخصية في الحياة من مقاعد وأسرة ونياشين حتى إذا ما تم بعثه من جديد في العالم الآخر يبعث على ماكان عليه في الحياة ملكا أو وزيرا أو قائد جيش أو ما إلى ذلك من علامات تثبت مدى أهميته ، ولولا هذه النقوش والبرديات ما قدر لنا معرفة التاريخ الفرعوني ، ثم إن التماثيل المنحوتة بأزميل عبقري كانت من أهم وسائل التخليد ، وعلى هذا النحو بقى الملوك والقادة أحياء وإن صعدت أرواحهم إلى باريها . إذن فقد حققوا ما سعوا إليه من قهر للموت وتجسيد حي لتوق الإنسان المصري إلى الخلود واعتبر أن القبر هو بيته الأبدي ، ومآبه وملاذه ، فيه يتحقق الخلود فعنى المصري من قديم الأزل وحتى اليوم بتأسيس مقبرة له يلحق بها كافة المرافق لاعتقاده أن روحه التي ستسكنها ستجذب أهله وعياله لزيارته في الأعياد وربما أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع .لنتبين  إن كثيراً من الطقوس التي ما تزال قائمة إلى اليوم هي إعادة إنتاج لطقوس قديمة بمضمونات جديدة .

هذا الوهج والفاعلية المستمرَّين في جزء حيوي من مورثاتنا الشعبية إلى اليوم يعودان إلى أن هذه الموروثات تحمل بقايا عالم قديم رؤيوي قائم على الاستعارة الشاملة ، تتماهى فيه الأشياء في وحدة كلية تختزل العالم في زمن دائري .أسهم المقدس في الضمير الجمعي في منح الخلود والاستمرار لهذا العالم وبقاياه ورموزه في مكانه وزمانه الغامضين وأحداثه وشخصياته وأفكاره.وبالرغم من سيطرة العقل العلمي الحديث فإننا لم نتخلص تماماً في حياتنا وممارساتنا وطقوسنا وعاداتنا من استخدام هذه الموتيفات التي تحمل حطام رموز وأساطير موغلة في القدم ؛ مثال  ذلك الهلال والنسر،  وهما الرمز القومي لعدد من الشعوب العربية والسامية ، وتقابله نجمة داود ، وهي رمز القبائل العبرية، ونسر  هو المعبود القمري السبئي ، ويشير  إلى القدرية والدهرية ، وهو رمز لخلود الأمة وقوتها ، وقد ورد في نصوص المسند اسم بيت نسور . ويورد  عبيد بن شربة الجرهمي أسطورة الحكيم لقمان بن عاد ذي نسور ، الذي ارتبط موته بفناء نسوره السبعة لهذا سعى لقمان إلى الخلود عن طريق  نسوره ، كما سعى إليه الخضر، وفاز به  في الموروث الشعبي ، حتى أصبح رمزاً لاستمرار الحياة. ونجد  بقايا ذلك  في عادة جرت عليها بعض الأمهات ، عند ما يشرق الطفل  وتخاف على حياته ، تقول له ” خضر” كأنها تطلب له حياة الخضر، فالخضر في الموروثات   الشعبية الاعتقاديّة هو الذي قام بدفن آدم ، وهو صاحب موسى  ووزير ذي القرنين اليمني، وصاحب الظهورات التي تدل عليها المقامات. وذكره الرحالة التركي  أولياجلبي بقوله : “سيدنا الخضر النبي : رجلاً مسناً ذا تجارب وتدبيرات عظيمة في جيش الاسكندر، وكان معه في رحلاته في أنحاء العالم، ويقال أنه لا يزال حياً يرزق .!!”.

وإنه لمن المهم جدًا والبديع حقًا ، أن يقوم الدارس المصري النابه “محمد أبو الفضل بدران” بما له من خبرة بالفولكلور والميثولوجيا بدراسة فكرة الخلود في العالم متمثلة في عالمية شخصية “الخضر” في واحدة من أهم الدراسات الشاملة المستبصرة  بعنوان :”الخضر في التراث العالمي ” الصادرة مؤخرا عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة لتأتي فصول هذه الدراسة أشبه بجسور توصلنا إلى أبنية عتيقة ساحرة ، إلى آفاق يلعب فيها الخيال البدائي دورًا في غاية الجمال والفطنة الإنسانية المفطورة على حب البقاء وكسر الحواجز بين الزمان والمكان وخلق لغة للتفاهم بها مع ظواهر الكون ومع نواميسه الغامضة .وتحدي الموت والفناء ومعها لا يمكن أن نخطئ الروابط بين هذا الحطام الرمزي الذي أحاط بشخصية الخضر  في المعتقدات الشعبية وبين ما شاع بين الناس عن وجود نبات سحري مجدد للشباب وتجديد للحياة, والذي يساعد على تأجيل وقوع الموت للإنسان , أو للبطل في الملاحم والحكايات والقصص الشعبي, وهو ما نلمح أثره في بعض نصوص التوراة وبعض الملاحم الشعبية التي تضمنت أفكاراً أقدم ترتبط بالعبادات الطوطمية .

فالخضر هو الرجل الأخضر مخضر النبات ، صاحب النهر المنساب للخلود ، وهو صاحب النماء ، وصاحب الرايات الخضر ، منقذ المظلومين والضعفاء من يأس الطغاة والبغاة الجبارين ، والمطارد لقطاع الطرق ، وسيد الأولياء : ألأحياء منهم والأموات ، الواقف درجات فوق درجات القطب في الديوان السماوي الصوفي ، وهو نفسه القطب الأكبر ، الحي الذي لا يموت إلا آخر الزمان ، ومن صديق أنه ميت فهو يعترف بأن روحه تجوب الآفاق ؛ لتصنع الخير والعدل .

وقد يراه البعض منفردًا بشخصه وباسمه ، وقد يراه آخرون مختلطًا مع سيدنا إلياس النبي ، كما يقرنه آخرون بصاحب الحربة الشهيد البطل مارى جرجس الذي يسميه البعض “الخضر” ، والذي يراه بعض المسلمين من الرسل المذكرين في سورة “يس” وهذا يفسر احتفال المسلمين والمسيحيين بمولده في الأديرة المسماة باسمه في أرجاء مصر .

إن الخضر عند البعض بصفته واسمه ، وعند الآخرين هو كل هؤلاء ، هو كل الموجدين في الهند وإيران والعالم العربي .

الخضر عليه السلام الذي شغل كثيرا من الباحثين لمحاولة التعرف عليه وكشف مغاليق أسراره ، منهم من بدأ وتوقف ، ومنهم من قدم جانبا عنه وتوقف أيضًا حتى كتب أبو الفضل كتابه هذا عن الخضر فجمع شتات ما قيل عن علاقة الخضر بالأساطير القديمة والرؤية الإسلامية له وحضور الخضر في الشعر العربي والقصة والراوية ، ثم انتهى إلى الخضر في السير الشعبية العربية وألف ليلة وليلة ، وكانت له رؤية كاشفة عنه فملاء هذا الكتاب فراغًا في الدراسات الشعبية والدراسات في علم الأساطير للبحث عن شخصية أسطورية كاملة الرؤية في عالمنا الإسلامي ، فهى الشخصية التي اختلف في رؤيتها ولكن أجمع على قداستها . إنه أسطورة لا ينكرها عابد مسلم وإن أنكرها عالم عقلاني فهو لا يستطيع أن يقنع الناس بإنكاره ، وكل ما يمكن أن يقال عنه إنه ميت ، وليس حيًا ، كلمات الخضر قليلة ولكن أفعاله كثيرة وهى نفسها كلمات فاعلة . فهو معلم موسى ، ومعلم الأنبياء ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى لو أن موسى لم يجادل الخضر حتى لا تنقطع علاقته به لنعرف منه الكثير ، فما صنعه الخضر مع موسى عليه السلام لا يصنعه إلا من كانت علاقته خاصة ووثيقة بالله فهو ممن أعطاهم الله المعرفة فهو العالم المتلقى علمه من الله والمنقذ للبطل في السير الشعبية العربية (كالزير سالم ، وسيرة بنى هلال)  والمساعد له في تنفيذ الإرادة الإلهية في تحقيق العدل والخير والنماء أملا في استمرار الحياة ، ليس في شكلها الواقعي على ظهر الأرض فحسب وإنما في ذلك الحطام الهائل والمتراكم من الرموز الأولى في موروثنا الشعبي ورغم ذلك جاء كتاب “الخضر في التراث العالمي ” ليخاطب عقلك ووجدانك بلغة متحررة من عيبين متأصلين في الأكاديميين : الجفاف والإبهام .

التعليقات