خيال الظل في الأعياد والاحتفالات – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 28, 2014 عن طريق - قسم تاريخ شعبي دكتور عمرو منير فكر
0 Flares 0 Flares ×

فن خيال الظل فن متكامل ؛ بمعنى  أن له تقنياته الفنية والآلية مثله مثل فن المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة ، إنه يقوم على نص درامي يكتب خصيصا له كالمسرح تماما ، ومما يشير إلى أنه فن قديم جدا في مصر أن النصوص التي بقيت لنا عبر العصور الحديثة ، تثبت أنها وليدة تراث عريق في هذا الفن ، بمعنى أنها نصوص تطورت من التسلية الترفيهية المحضة إلى ما يمكن اعتباره أدبًا رفيع المستوى يتجادل مع المجتمع المصري ويأخذ منه موقفا انتقاديا صارما ، كما يسهم في عملية التنوير الثقافي والاجتماعي التي كانت نشطة في ذلك الحين  .

وقد تعددت وتنوعت مناسبات عروض خيال الظل في بلداننا العربية فمنها ما كان موسميا مؤقتا يعرض كل سنة لمدة محددة كالعروض التي تقدم باستمرار كل ليلة طوال شهر رمضان أو في ليالي الاحتفال بذكرى المولد النبوي وموالد الأولياء ، ومن العروض ما كان في مناسبات طارئة منها مناسبات فردية كالعروض الظلية التي كانت تقدم في الأعراس وحفلات الختان أو على سبيل التوضيح لأمر أو الدعوة إليه ، ومن هذه المناسبات ماكانت مناسبات عامة كالاحتفالات بالانتصارات العسكرية أو السياسية التي تقدم فيها العروض الظلية بمبادرة من المخايلين أو بالطلب منهم .

ويبدو أن البلدان العربية قد عرفت العروض الظلية الدائمة واليومية منذ القرن الرابع الهجري ذلك إن أقدم إشارة يستنتج منها وجود عرض ظلي يومي ، هى كلمة (بابة) التي وردت التي وردت للمرة الأولى – على ما وصلنا – في بيتي شعر لابن الحجاج (ت 391هـ / 1000م) والبابة شكل فنى كامل من أشكال الظليات العربية يستدعي موضوعه وعدته ومدة عرضه استقرارًا في مكان العرض وتركيزا ومتابعة من المشاهدين ، وهو ما كان له حضوره القوى في سهرات ليالي رمضان واحتفالات عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوي وموالد الأولياء . ومكانة شهر رمضان معروفة عند المسلمين ولا محل هنا للاستطراد بذكر ما وصفته كتب التراث والرحالة والعرب والأوربيين الذين زاروا البلاد العربية عن كيفية إحياء الأهالي ليالي شهر رمضان بإضاءة الفوانيس والمشاعل في الطرقات والبيوت والحوانيت والسهر حتى السحور وصلاة والفجر .

ورغم ما يقرره الفنان فاروق سعد في كتابه خيال الظل من أنه لم يجد إشارات في التراث العربي إلى عروض ظلية قدمت في سهرات ليالي رمضان إلا أن كتابات المستشرقين والرحالة والتقارير الصحفية تساعدنا في الجزم بأن شهر رمضان كان مناسبة سنوية لتقديم عروض ظلية ، ولعل ما كتبه ب . جاكينوم دوازي في مقاله  Autour du Ramadan Tunisisenحول رمضان في تونس هو اقدم نص وصلنا عن تقديم عروض ظلية في شهر رمضان إذ يعود إلى سنة 1887م ، ولكن لا ريب إن تقديم هذه العروض خلال شهر رمضان في البلاد العربية يعود إلى أبعد من ذلك ، وإن كانت النصوص التي تناولت بالوصف الاحتفالات به وسهر لياليه لم تشر إلى خيال الظل بل اهتمت بوصف حلقات سماع المقرئين والمكبرين والمسحرين ، أو الفرجة على مجالس الذكر ورقص المتصوفين .

وبما أنه ثابت من النصوص التي سبق أن عرضتها في باب خيال الظل في التراث العربي أن خيال الظل كان يقدم في احتفالات المولد النبوي وهو مناسبة ذات طابع ديني لا سيما وأن خيال الظل لم يكن مكروها برأي أهل الفقه والمتصوفين ولا محظورا بقرار أهل الحكم ( إلا لفترات قصيرة ) لا بل إن منهم لم يستنكف عن مشاهدة خيال الظل وإبداء ما فيه عظة وعبرة .

ولاحظ Kern  أن العرض الظلي يبدأ عادة بين الساعو الثامنة والساعة التاسعة مساء أنا في شهر رمضان فإنه في المسرح الذي شاهده سنة 1903 في القاهرة تقدم العروض الظلية في وقت أبكر . ومن المخايلين الذين اشتهروا بتقديم العروض الظلية في شهر رمضان كان المخايل المصري (جاد الحق) الذي أتي بروفر prufer  على ذكره في كتابه Ein agyptische Schattenspiel  ومن التقرير الصحفي الذي نشره Mess  في مجلة Illustration  سنة 1902م يتجلى لنا أن خيال الظل كان يمثل جانبا رحبا من الاحتفالات في ليالي شهر رمضان في تونس .

وقد استمر تقديم العروض الظلية في البلاد العربية في شهر رمضان حتى القرن العشرين ، ولنا في المقال المنشور سنة 1937م في مجلة ( ليبيا المصورة) عن شهر رمضان في ليبيا ، وفي تقريرين صحفيين في عددين من جريدة Palestine post  الأول سنة 1943م ( رمضان سنة 1362هـ ) والثاني سنة 1944م ( رمضان سنة 1363هـ) البينة على استمرار تقديم العروض الظلية في كل من ليبيا وفلسطين حتى سنة 1944م على الأقل . كما كانت الاحتفالات السنوية في مصر بعيد المولد النبوي مناسبة لتقديم عروض ظلية منها تلك التي أشار إليها ابن إياس في بدائه الزهور في وقائع الدهور عندما ذكر أن المخايل قدم في القناطر عروضا ظلية للسلطان أبي السعادات الناصر محمد بن الشرف قايتباي في سنة 904 هـ / 1508م .

وفي القرن الماضي كانت تقدم في حديقة الأزبكية في القاهرة في مناسبة المولد النبوي ورمضان العروض الظلية التي شاهد بعضها prufer وكتب عنها كما كتب عن عروض ظلية في الموالد في أسوان وطنطا وأحدها كان بمناسبة مولد السيد أحمد البدوي .وربما كان حي الأزبكية الذي أطلق عليه المؤرخون المصريون المحدثون هوليود الشرق سببا مباشرا في تقدم الكثير من الفنون العربية ، وعلى رأسها فن خيال الظل الذي تطور عنه فن الأراجوز، ولهذا يمكن القول دون حذر شديد إن الإرهاصة الحقيقية في السينما كانت موجودة عندنا قبل ظهور فن التصوير أصلا ناهيك عن التصوير المتحرك بالصوت والصورة .

وكانت الأعياد مناسبة للعروض الظلية في مصر فقد ذكر المسبحي والمقريزي أن أهل الأسواق قد اقاموا نحو أسبوعين ( خلال شهر جمادي الأول سنة 415هـ /1024م) يطوفون الشوارع بالخيال والسماجات والتماثيل ويطلعون إلى القاهرة .

أما في حفلات الأعراس فقد كان أصحابها يستقدمون المخايلين لتقديم عروضهم ولعل أشهرهم المخايل داود المناوي الذي استدعى إلى اسطنبول لتقديم أعماله الظلية بمناسبة عرس جفهرهان شقيقة السلطان العثماني أحمد الأول إلى الباشا التركي محمد باشا السابع ، وقد وصلتنا يوميات داود المناوي عن هذه الرحلة في قصيدية زجلية طويلة وهى تضاهي بما تشتمل عليه ملاحظات وشواهد مذكرات أي من الفنانين المحدثين بحيث يمكن اعتمادها مرجعا فنيا واجتماعيا في آن واحد ، ومن هؤلاء المخايلين الذين تفرغوا للعروض الظلية في الأعراس الأسطى دوريش القشاش والأسطى جاد الحق وناجى في مصر ، كذلك كانت تقدم عروض خيال الظل في الأفراح في حلب ، ولم تصلنا معلومات عن تقديم عروض خيال الظل في الأفراح في امكنة أخرى إنما هذا لا يعنى أنها لم تكن تقدم في هذه البلاد في هذه المناسبات طالما أنه لا توجد أية أسباب تحول دون وجودها .

وفي حفلات الختان يصف لنا ابن طولون في كتابه “مفاكهة الخلان في حوادث الزمان” زفة ختان الولد محمد بن الأزعر أحمد بن قبعية في دمشق سنة 926هـ / 1519م . حيث يذكر :”أن الشباب من حارات دمشق وضواحيها كالشاغور والقبيبات وكفرسوسا والمزة والقابون وبرزة وحرستا ومعهم الطبول والزمور والمغاني والمخايلة وغير ذلك اجتمعوا بالصالحية عند الجامع المظفر ونزلوا منها عل درب الشلبية وداروا دورة دمشق على باب الجابية ثم الشاغور ثم الشيخ أرسلان ثم السبق ثم مسجد القصب ثم حارة المزابل ثم عادوا إلى الصالحية على طريق الجسر” وفي مصر يذكر الجبرتي في كتابه “عجائب الآثار ” أن المير عبد الرحمن بك كاشف الشرقية أقام احتفالا بمناسبة ختان أولاده سنة 1108هـ / 1696م ، قدم فيه أرباب الخيال عروضهم .

وفي احتفالات الانتصارات السياسية والعسكرية ينقل الغزولي في “مطالع البدور في منزل السرور” أن صلاح الدين الأيوبي بحضور القاضي الفاضل وحاشيته حضروا عرض ظلي احتفالا بانتصار سياسي لصلاح الدين بعد انهاء حكم الدولة الفاطمية وانتقال السلطة كليا إلى صلاح الدين ولا يقل شهر عن العرض الظلي الذي قدم لصلاح الدين بمناسبة انتصاره السياسي ذلك العرض الذي قدمه أمام السلطان العثماني سليم الأول ذلك المخايل المصري الذي روى ابن أياس عنه في بدائع الزهور أنه صنع صفة باب زويلة وصفة السلطان طومان باي لما شنق عليها وقطع الحبل مرتين فانشرح ابن عثمان لذلك وأنعم على المخايل في تلك الليلة ، وقد ارتبط هذا العرض بمناسبة عسكرية هى انتصار السلطان سليم الأول العثماني على طومان باي آخر سلاطين المماليك وشنقه له .

 

التعليقات