العلاج بالفن في بيوت تسكنها الأرواح – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 27, 2014 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

العلاج بالفنون”Art therapy اتجاه حديث بديلا عن العلاج النفسي التقليدي الذي يعرفه الناس، ويعتمد عادة، على إصغاء الطبيب إلى المريض في جلسات مطولة تنتهي بوصف بعض الأدوية. فالاتجاه الحديث يختلف تماما ويعتمد على مفهوم مغاير. وإن كان العلاج النفسي بشكل عام لا يحظى، أصلا، بالقدر الكافي من الاهتمام في العالم العربي، فإن هذه الاتجاهات الحديثة يراهن القائمون عليها على أن تلقى قبولا أكبر لدى جمهور الناس،وهو علاج نفسي يعتمد في مدخله على شكل فني مثل الرسم أو الموسيقى أو النحت أو السرد أو ما يسمى بـ”السيكودراما”. وبشكل عام فإن أي ممارسة لطاقة إبداعية تكون مشبعا نفسيا وتخرج الطاقات السلبية وتشحن الشخص بطاقة إيجابية، أمر جيد لكل من يعاني الكآبة أو أكثر من ذلك.

هذا ما تطرحه المتوالية السردية الجديدة ” بيوت تسكنها الأرواح ” ذلك العمل الرائع الذى يستحق بوكر وأكثر لهويدا صالح التي صدرت مؤخرا عن سلسلة كتابات جديدة التي تصدر عن الهيئة العامة للكتاب.

تختار الكاتبة مجموعة من الشخصيات المأزومة نفسيا واجتماعيا وتدفع بها في فضائها السردي وتتخذ من فن الحكي ، حكي الخيبات والتعاسات والأزمات النفسية وسيلة للخروج من تلك الأزمات النفسية. تتمكن الذات الساردة بطلة هذه المتتالية أن تخرج من ذلك النفق المظلم الذي أدخلها لعالم المرض النفسي عبر الفن، عبر الحكي. يختار لها ولبقية الشخصيات المأزمة الطبيب المعالج حلقات السيكودراما لتكون بداية العلاج، وحين تدرك الذات الساردة أنها يمكن لها أن تخرج كل ما يمور داخلها من عقد نفسية عبر الفن تخرج من الجلسات وقد قررت أن تكتب ، تكتب لتتعافى ، تكتب لتشفى، فتقرر أن تكتب كل من مر بها من شخوص وتجارب، وحين تنتهي من نسج  فضاء سردي مغاير تكون قد وضعت نقطة النهاية لمرضها النفسي:” حين وقفت وسط المجموعة التي كونها الطبيب؛ ليطبق عليهم العلاج الجماعي ترددت كثيرا قبل أن توافق على مشاركتهم ما أسمته باسمة لعبا. الجلسة الماضية كانت تجلس خارج الحلقة، ترقبهم من بعيد، فتوترت فتاة ربما لا يتعدى عمرها عشرين عاما من نظراتها، ورفضت الاندماج في الدور الذي اختارته. لاحظ الطبيب ذلك فقام إليها،أمسكها من يدها بود ودخل بها إلى وسط الحلقة وبدأ يُعرِّف بها . نظرت في الوجوه المتحفزة لها والمتوترة من وجودها، وابتسمت. طلب منها الطبيب أن تحكي لهم عن سبب وجودها بينهم، فابتعلت ريقها بصعوبة ولم تستطع أن تتحدث، فأشفق عليها الطبيب وأجلسها في صمت. حاول أن يعود بالمجموعة إلى حالة الاندماج السابق، فلم يستطع. توترت الأجواء، ففض الجلسة في هدوء وذهب إلى مكتبه”.

تطرح المتتالية السؤال الاجتماعي، كيف يدفع المجتمع أفراده وبخاصة النساء إلى حافة الجنون، كيف يمارس المجتمع قهره على الطبقات المهمشة والدونية ، المكونات الثقافية الأضعف فيه، وهل هناك أضعف من النساء في مجتمع تتحكم في بنية تفكيره الثقافة الذكورية التي تُشيئ المرأة وتتخذها وسيلة للمتعة؟ إنها الثقافة وحدها المسؤولة عن الأنفاق المظلمة التي تدخلها النساء قهرا، فمجموعة النساء في بيوت هويدا صالح إنما يعانين على كل الأصعدة، لا فرق بين طبقة وأخرى، فنساء الطبقة العليا يعانين مثلما تعاني نساء الطبقة الدنيا لا فرق ،فكلهن عرضة للاستغلال والتهميش والإقصاء، كلهن عرضة لأن ينال منهن المجتمع الذكوري الذي يتخذهن وسيلة للمتعة.

ومن قبيل المفارقة أن الطبيب الذي يحاول إنقاذ هذه الأرواح المأزومة هو رجل، لكن هويدا صالح تطرح بوعي فكرة أنه رجل قادم من ثقافة تجاوزت منذ زمن بعيد تلك الأزمات الاجتماعية، هو رجل قادم من أمريكا ، رجل عرف معنى المواطنة واحترام النساء والإيمان بالقيم الاجتماعية، لذا تبنى قضية النساء وحاول أن يوجد لهن المخرج النفسي، أن يقوي دفاعاتهن النفسية ضد تهميش الثقافة لهن:” كنت أتمزق حين أجد أرواحهم تصرخ . الأرواح عالم واسع ومخيف . أكملت دراستي في الخارج ، وغصت في عوالم كثيرة ما بين التصوف والفلسفة. عشقي للأرواح وعوالمها الخفية جعلني أتلصص عليها ، فدرست الطب النفسي ، وتعمقت في الفلسفة . ولعي بالأرواح جعلني أتحايل مع صديقي القس في إحدى الكنائس حتى يمكنني أن أتلقى اعترافات الناس وخاصة النساء، أرواح النساء هي ما أسعى لمعرفته. النساء كائنات مختلفة، لم يكتشفها أحد بعد. الرجال لا يجيدون إلا قهر هذه الأرواح المميزة. لا أعرف ما النداء الخفي الذي جعلني أعود إلى مصر بعد سنوات كثيرة قضيتها في أوربا . حين عدت كنت قادرا على أن أشتري عيادة في مكان راق في وسط البلد وأبدأ فيها عملي ، لكنني قررت أن أبدا من مستشفى عام . التحقت بالعمل في مستشفى العباسية.منذ الوهلة الأولى فجعني ما تلاقي النساء . حالات كثيرة لا تدعو للرثاء فقط ، بل تشق الروح . لم أكن أتصور أن تتعرض النساء لكل هذه القسوة”.

اتخذت هويدا صالح من المتوالية السردية شكلا لعالمها السردي، والمتوالية شكلاا يجمع نصوصًا قصصية متفرقة  ويكون الرابط لها إما الزمان والمكان، وإما الحدث، وإما الشخصية الواحدة. وقد اعتمدت الكاتبة على تيمة الشخصية الواحدة  التي تشارك القارئ رحلة السرد منذ انطلاقه حتى نهايته، فبطلة العمل تعاني من القلق النفسي والاكتئاب، فتذهب إلى طبيب نفسي يعالجها هي وآخرين بالحكي، بالفن، بسرد الآلام والتخلص منها، كي تنهض أرواحهم، وتقاوم. تدرك البطلة قيمة الاستشفاء بالفن، فتقرر أن تكتب أوجاعها وآلامها، تصور كل ما يشغلها ويوجعها في قصص متخيلة وتدفع بها إلى فضاء البيوت التي تسكنها أرواح هؤلاء المعذبين والمهمشين، والذين دفع بهم المجتمع بشكل أو بآخر إلى حدود الجنون، وأغرقهم في المرض النفسي.

تدين النصوص وتفضح المسكوت عنه واللامقول في الثقافة الذكورية التي تعمل على تشييء النساء وتسليعهن، واعتبارهن محض أجساد خلقت لمتعة الرجال.

ويصبح سؤال الكتابة هو السؤال الاجتماعي والرؤية النسوية للعالم التي تحاول الانتصار للنساء ، كما تحاول أن تنهض بأرواحهن حتى تتمكن تلك الأرواح من المقاومة ، سواء كانت المقاومة بالفن أو بكتابة تلك الأرواح المعذبة :” تحلم أنها في حجرة مغلقة تضيق عليها. كأن على ظهرها الكثير من الأشياء.  قررت أن تنزل الأشياء الكثيرة التي تكومت على ظهرها. كلما تنزل شيئا تتسع الحجرة الضيقة. ظلت تتسع. تتباعد الحوائط، و تكتسي بألوان زاهية. مع آخر ما وضعته عن ظهرها من أحمال تلاشت الحوائط تماما. تشعر بخفة في جسدها. تتحول لعصفور صغير يرفرف بجناحيه. تبتسم لكل هذا الاتساع الذي صار ملكها. استيقظت من حلمها ونظرت حولها، فاكتشفت أنها ما تزال في منزلها الصغير، لكن ثمة ما  تغير داخلها. جلست في السرير تحتضن ركبتيها وتعود بذاكرتها لفضاء اتسع أمامها وامتص أثقال جسدها. حين تمسك الذاكرة بخيوط الحلم تحاول أن تفكك علاماته. هي  مولعة بتفكيك العلامات، وقراءتها. كل علامات حلمها تشير إلى شئ لا بد حادث لها. تشعر أن ثمة روح جديدة تلمستها. تطهرت تماما وتصالحت مع ذاتها المنقسمة”.

أفادت هويدا صالح من الطرائق السردية الحداثية عبر الاشتغال على تيمة تعدد الأصوات ، أو كرنفالية السرد، فهناك صوت الساردة وصوت الطبيب وصوت الأخ وصوت الأم، كلها أصوات سردية تتيح لكل شخصية أن تروي الحدث من زاوية رؤية مختلفة مغايرة، فالحدث الواحد يقدم عبر رؤية بانورامية وعبر أصوات مختلفة ، لنحيط به من كل الزوايا، كما أفادت الكاتبة من  تشظي السرد  وهي تقنية تناسب التشظي الداخلي للشخصيات المأزومة.

تتسم لغة ” بيوت تسكنها الأرواح” بأنها لغة بصرية مشهدية ، تشتغل على تصوير المشهد وتبتعد قدر لإمكان عن اللغة الخبرية المباشرة. كما اتسم بناء الشخصيات في هذا العمل بالاعتماد على الغوص النفسي لدواخل الشخصيات.

التعليقات