التأمين ضد تساقط شعر الخيول في القدس !! – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 27, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور عمرو منير موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

انتشرت في أوربا منذ عقود ثقافة التأمين على كل شيء حتى وصل الأمر إلى التأمين على حياة الفرد إذا ما حدث له أي مكروه، بل والأغرب في عالم التأمين ما قام به بعض المشاهير في العالم ،حين قام بعضهم بالتأمين على أجزاء من أجسامهم والتي كانت سببا في شهرتهم في العالم  مثل الأنف أو الشنب أو الساقين، أو شعر الصدر وغيرها من التصرفات الغريبة التي يتسم بها مشاهير الغرب. ولكن الأعجب أن نرى تلك الأفكار الغرائبية تمتد إلى فرسان العصور الوسطى في مدينة القدس وبلاد الشام إذ كانوا يحرصون على التأمين على حياة وأجساد خيولهم أو تساقط شعر الخيول ! لدرجة دفعهتم إلى سن قانون خاص للتأمين على حياة الخيول وهو بحق قانونا فريداً في عصره غير مسبوق في الغرب المسيحي أو الشرق الإسلامي، أتى استجابة لتحدى نقص الخيول المخصصة للأغراض العسكرية لدى الصليبيين لضمان توفيرها وقت الحرب ، غير أن الواضح أن التحدي كان أكبر من أن يعالجه سن قانون أو تشريع وهذا ما يوضحه لنا المؤرخ المصري الشاب محمد فوزي رحيل في دراسته الرصينة والمدهشة (قانون التأمين على  خيل الحرب  في مملكة بيت المقدس الصليبية) الصادرة مؤخرًا عن الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة .

عانت القدس تحت الاحتلال الصليبي من نقص الخيول التي كان لنقصها دوراً كبيراً في التراجع النوعي للقوات الصليبية أمام القوات الإسلامية طوال تلك الفترة المليئة بانقسامات حادة بل متعارضة بين الشعوب على كل المستويات الإنسانية والثقافية والحضارية والدينية ، وكان يجب على الملوك ,والقادة الصليبيين إيجاد حل لهذا التحدي الذي يهدد كيانهم الدخيل على أرض العرب. وبالفعل اتجه هؤلاء الملوك والأمراء إلي إيجاد حل لهذا التهديد، وثمة محاولة مبكرة لتوفير وتعويض ما يخسره المقاتلون أثناء المعارك قام بها تانكرد Tancred (ت 1112م/ 505هـ)، وذلك في عام 1109 (503هـ) حين هاجم شيزر ووجد صدودا من الفرسان وعدم رغبة منهم في تشديد الهجوم ولم يكن ذلك سوى بسبب خوف الفرسان من فقد خيولهم فما كان منه سوى تقديم تعهد بتعويض من يفقد فرسه فرسا آخر محله.

وبالرغم من عدم تصريح المصادر بحالات مماثلة في القدس المحتلة إلا أن الأمر كان متفشيا ونقص الخيول عاني منه الجميع ومن هنا وجب على ملوك بيت المقدس إيجاد حل جذري لهذه المشكلة وكان هذا الحل هو (القانون المعروف بقانون بلبيس) الذي أصدره الملك الصليبي عموري الأول عام 1168م (564هـ) أثناء حصاره لبلبيس المصرية. إذ سن قانوناً بمقتضاه لا يحق للسيد إرغام تابعه  أثناء حصار مدينة أو قلعة ما لم يكن لديه من الدواب ما يكفي لهذه المهمه، وبجانب ذلك أشار هذا القانون بين مستخدمي الخيل من النبلاء وغير النبلاء ،   بحيث لا يجوز إرغام النبلاء على الترجل عن الخيل أثناء مهاجمة مدينة أو قلعة. ويبدو أن هذا القانون قد سن بسبب نقص الدواب وبخاصة الخيل .

نجح محمد رحيل في دراسته أن يعكس لنا روح قوانين القدس التي ينبعث منها عبق التاريخ فشرح مواد القانون الممتدة من الفصل العاشر إلي الثالث عشر من كتاب الملك المكون من اثنين وخمسين فصلاً: الفصل العاشر حول ” شروط التأمين “، والفصل الحادي عشر  عن ” نفوذ الموظف المختص بفحص الجياد”، والفصل الثاني عشر يحمل عنوان “حقوق الأتباع في الحيوانات التي تموت دون مرض أو حادث، وعلي من ترجع الخسارة، كيف يحق لهم مطالبة المحكمة بتعويض عنها”، والفصل الثالث عشر والأخير حول موانع الحصول علي التعويض.

كانت شروط التأمين تتلخص في تحديد المشرع مبلغ التأمين علي الجواد وهو 40 بيزنت Besant،  30 بيزنت للبغال ، ومن الضرورى تقديم الجواد أو البغل إلي الموظف البيطرى للاطمئنان علي صحة الحيوان والتأكد من خلوه من الأمراض التي تمنع التأمين عليه. وبمجرد التأكد  من سلامة الجواد يأمر كتبة السجلات بتسجيل هذا الحيوان في سجلات الملك بوصفه حيوانا يتمتع بالتأمين لضمان حصول صاحبه علي التعويض بمجرد موت الحيوان أو عجزه عن الخدمة العسكرية.حتى لا يقع فريسة سهلة للأعداء. وكان من الممكن أن يؤمن الفارس في الديوان الملكي على أكثر من جواد في نفس الوقت إذا دعت الحاجة إلي ذلك.

توضح الدراسة صفات الجواد الصحيح وهى صفات يشرف عليها كونستابل مملكة بيت المقدس المحتلة The Constableومعاونه المارشال The Marshalذا الرتبة العسكرية العالية. الذي كان من مهامه الإشراف على الخيول وتوزيع الخيول المستولى عليها خلال حروبهم مع المسلمين وتزويد المقاتلين بخيول بديلة لما فقدوه خلال المعارك أو نفقت بسبب الأمراض .

ويتعلق الفصل الحادي عشر للقانون ” بنفوذ الموظف المختص بفحص الجياد” وقد أوضح رحيل في دراسته أن هذا الفصل القانوني رسخ من نفوذ الموظف المسئول عن عملية التأمين والذي يعطيه الحق في زيارة مالك الحيوان في أي وقت للتأكد من سلامته وعدم الإهمال في رعايته ، كما تعدى دوره الحيوان إلي تجهيزاته العسكرية حتى يكون صالحاً للمشاركة في القتال وقت الحاجة. والجدير بالذكر أن الحصان كان يحتاج إلي تجهيزات خاصة حتى يكون جاهزاً للقتال، وهذه التجهيزات تنقسم إلي أربعة أقسام وهي: 1- اللجام والمقود وهي تتفاوت في أحجامها وصفاتها باختلاف الحيوان بحيث توفي بالغرض منها دون أذية الحيوان. 2- اللواوين والقلائد وتستخدم اللواوين في تسيير الخيول وقت السير، أما القلائد فهي ما يعمل في رقبة الحصان مثل الخرز أو القرون على سبيل الزينة. 3- السروج والعبي وهي تختلف باختلاف الحصان حسب سنه كما تختلف ألوانها باختلاف لون الفرس فللفرس الأدهم عباءة بيضاء والأشقر له العسلي4-الكنابيش والبراقع والمدبات ، وهي  أغطية للخيول تمنع عن الحيوان الغبار ولدغ الذباب. وبنود هذا الفصل تنم عن إهمال بعض الفرسان في رعاية خيولهم ومن ثم وجب الحد منها عن طريق هذا الفصل الرادع من قانون الملك.

27530alsh3er

أما عن الفصل الثاني عشر من القانون يوضح “حقوق الأتباع في الحيوانات التي تموت بمرض أو حادث، وعلي من ترجع الخسارة، وكيف يحق لهم مطالبة المحكمة بتعويض عنها”  ومن هذا الفصل يتضح لنا عدد من أسباب عدم صلاحية الحيوان للخدمة لعسكرية بسبب الإصابة إما في العمليات العسكرية أو الخدمة الحكومية أو إصابتها بمرض خارج عن مسئولية الفارس صاحب الدابة، كما يوضح بعض الإصابات الأكثر انتشاراً بين الخيول مثل ألم السيقان أو كسر ضلع الدابة، إذ ينص القانون على أنه من حق صاحب الحيوان المؤمن عليه الحصول علي تعويض عن حيوانه في حالة موته أو عجزه عن العمل، وهذا التعويض إما بالحصول علي مبلغ لشراء حيوان مناظر أوالحصول علي حيوان جديد من جهة التأمين.وإذا ما تعرض الحيوان للكسر في ساقه أو فخذه أثناء المشاركة في عمل حكومي أو العمليات العسكرية،  يحصل صاحبه علي مبلغ التأمين أو حيوان جديد. وإذا أصيبت الدابة المؤمن عليها بأي شيء يمنعها من العمل فمن حق صاحبها الحصول علي التعويض مع الاحتفاظ بدابته. وإذا أصيبت الدابة بمرض من حق صاحبها إعادتها إلي المحكمة التي تدفع ثمنها أو تسلمه غيرها. وإذا تعرضت سيقان الدابة للألم من حق صاحب الدابة رفع دعوى أمام القضاء للحصول علي التعويض. وأخيراً إذا كسر الضلع العلوي للدابة فمن حق صاحبها رفع دعوى أمام المحكمة للحصول علي التعويض

وختام فصول القانون هو الفصل الثالث عشر حول (موانع الحصول علي التعويض ) وفي هذا الفصل يعالج القانون الحالات التي تحول دون حصول صاحب الدابة المؤمن عليها علي التعويض من المحكمة. ومن بينها إذا قام صاحب الدابة بإعارتها وتعرضت لمرض أدي إلي وفاتها أو أصيبت بالعجز ففي هذه الحالة لا يحق لصاحب الدابة طلب التعويض وإذا  رفع الدعوى أمام المحكمة فإنها دعوى مرفوضة . وفي حالة الخروج للتنزه واصطحاب الأسلحة دون إذن القائد وتعرض الدابة للإصابة فليس من حق صاحبها الحصول علي التعويض من الملك.

وإذا ما  أهمل الرقيب في تعليق شريط السرج وأدي ذلك إلي خنق الدابة وموتها فلا يحق لصاحبها طلب التعويض من الملك أو اللجوء للقضاء. وإذا قام الرقيب بشد شريط القدم حول ساق الجواد بشكل شديد وأدى ذلك لكسر رجل الدابة فالخسائر تقع علي صاحبها وليس علي السيد. وإذا ما سقطت الدابة المربوطة في الإسطبل وتبين لصاحبها أنها أصيبت بمرض سقوط الشعر مما أدى إلي عجزها فالخسارة علي صاحب الدابة ، ويجب علي الموظف المختص بالتأمين علي الجياد الكشف عن حالة الحيوان حال موته أو عجزه لتحديد علي من تقع المسئولية وبالتالي لا يظلم السيد ولا تابعه صاحب الحيوان العاجز أو النافق.

ومن هذا الفصل يتضح لنا عدد من أسباب خروج الحيوان من الخدمة العسكرية مثل: الأمراض ومنها مرض سقوط الشعر، الذي يصيب الخيل إذا ما تعرضت للإهمال في الإسطبلات،  أو إعارة الدابة المؤمن عليها للغير الذي لا يلتزم برعاية الحيوان مما قد يتسبب في عجزه ، كما يؤكد الفصل على ضرورة مراقبة الفارس لرقبائه والمسئولين عن رعاية خيوله، لأن الإهمال يؤدي إلي فقدان صاحب الدابة الحق في التعويض عنها. أيضا يشير فوزي رحيل إلي انتشار كسور السيقان والضلوع بشكل واسع بين الحيوانات بسبب شد الرقيب شد شريط القدم حول الساق مما يؤدى إلي كسرها. وقد أكدت كتب البيطرة العربية على خطورة كسور الكتف ذلك أنه لا يرجى شفاؤه وكذلك كسر قصبة الرجل ومن ثم يخرج الحصان من الخدمة العسكرية إلي الأبد. أو يهمل الرقيب شد شريط السرج مما يؤدى إلي خنق الدابة ونفوقها، ومن هنا يلزم القانون تلميحا لا تصريحا بضرورة متابعة الفارس لخيوله المؤمن عليها وطريقة رعاية الرقباء لها والتشديد عليهم في الالتزام بقواعد هذه الرعاية وعقابهم في حالة الإهمال.

العصور الوسطى

ويختتم فوزي دراسته بعرض مدى تأثر هذا القانون بالنظم الإسلامية والعربية بحكم اعتزاز الفرسان العرب بخيولهم وتقديرهم لها ، بل لأى فرس يرونه شجاعًا ، فاعتبروا ترويض الخيول وسياستها والحفاظ عليها من الأعمال التي لا ينجح فيها إلا الفرسان البارعون دون سواهم ، وكان لقدرتهم على سياسة الخيل دور في تدعيم وتأكيد مكانتهم كفرسان ، لذلك قال مبدع السيرة الهلالية ( ولا كل من ركب الكحيلة سايسها) .دراسة رغم تخصصها الدقيق تضمن المتعة حتى لغير المتخصصين .

التعليقات