محمد أنيس رائداً لمدرسة التاريخ الاجتماعي في مصر(1921 – 1986م) – بقلم الدكتور عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يوليو 27, 2014 عن طريق - قسم تاريخ اجتماعي دكتور عمرو منير شخصيات تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

عالم الدكتور محمد أنيس عالم ملئ بالقضايا الإنسانية التي تعامل معها في سياق علمي محكم , وببساطة وعمق آسرين يتناغم المؤرخ والعالم /الإنسان , وفي منطقة هامة من مناطق التعرية لكل ما هو غامض وممتنع ينبش في الأعمق من هذا الخضم ليأتي بصور وحقائق وأقوال وشهادات ومذكرات تنتظم وهذا التاريخ المرير , تاريخ المجتمع السلبي إزاء قضاياه الفكرية والثقافية المتعاقبة  , والجامحة بزوايا منحرفة عن كل قيمة وأصل وحقيقة تمهيداً لإعادة صياغة أخرى لهذا التاريخ لتبث معطيات ناهضة جديدة تعيد للمجتمع الإنساني موقعه الأمثل والأقرب لحقائق الصورة التاريخية والعلمية بما يتماثل وأهمية الوجود الإنساني في كل الأحوال . .. من هنا تبدأ مشروعية وجود رسالة المؤرخ والعالم التي تؤكد على طرح السؤال في لحظة إنسانية وتاريخية تكاد تكون مصيرية وفعالة لافتضاح الماضي وتعريته وبث معطيات دافعة تعيد للمجتمع الإنساني موقعه الأمثل ومن هذا المفهوم يتفجر (العالم والمؤرخ محمد أنيس ) باتجاهه التقدمي مؤكداً على وجوب تغيير .. ثورة ضد اللامألوف واللا إنساني … ضد الجموح .. الهيمنة .. الذل .. الصمت .. الموت قبل الموت .. ضد الطبقية .. الإمبريالية , انتصاراً لرقعة خضراء تصلح لابتسامة هادئة غير مروعة تنبئ بالرضا والسماحة قمة الشعور الإنساني الذي جسده محمد أنيس بموقعه من عالم أشخاص الأمة .

وعالم أشخاص الأمة , هو العالم الذي يزكي الأمة ومعانيها ومضامينها في الوعي والسعي , ومن ثم سنجد في القرآن الكريم ” إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله ” فالشخص الأمة هو الذي يحمل رسالة وهو معلم الخير , وهو الصالح المستمسك بأمته وعقيدته إذا فسد الناس وعياً وسعياً . هذه المعاني تتداعى حينما نحاول أن نسلط إضاءات حول عالم أشخاص الأمة  , خاصة حينما نتحدث عن علماء ومؤرخي الأمة المعاصرين الذي جعلوا الأمة قبلتهم في البحث والكتابة والتأريخ والتأليف , وحملوا همها في عقولهم وكيانهم , ومن هنا لم يكن مستغرباً أن يسطر قلم الدكتور محمد أنيس سلسلة من الكتابات والمقالات التاريخية والسياسة والفكرية تعطي المؤرخ صوراً عن حياة الناس أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية .

بدا محمد أنيس كمؤرخ بحث عن جوهر وظيفة المؤرخ في أمته يتحيز لها وينحاز لقضاياها ,ويعلن عن انتمائه لهذه الأمة مفتخراً بذلك , ولكن ليس من ذلك النوع من الفخر الذي يقعده متغنياً بمجدها الغابر , أو بماضيها الذهبي , أو البكاء على أطلالها وإنما يبحث عن الحي في الأمة في عالم أفكارها وحياتها وفاعلياتها ويبحث عن ضرورات الإحياء ومساراته فيها , إنها مصر التي عبر عنها في كتاباته بروح العاشق الرومانسي ولكن دون أن تمتزج رومانسية العاشق بتحليلات الباحث المفسر ولم يكن ذلك تعبيراً عن ملكيته لها , بل كتعبير عن امتلاكها له .

فملكت عليه عقله وفكره و بتعبيرات وشعارات واضحة لا لبس فيها , حمل هم مصر من دون أن يغيب هو عن مصر أو تغيب هى عنه , ليعبر عن أقرب درجات الانتماء لمصر. كان مقتنعاً أن صناعة الانتماء والقدوة هي من أولويات ما اصطلحنا عليه الآن بهموم العمل الوطني , فلا غرو أن نراه حين وقع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م . أن يدخل المعلم والمربي الدكتور أنيس قاعة المحاضرة متبنياً قيم الإرادة والتحدي وتأكيد الذات فلم يقل غير كلمات محدودة :” ليس الآن وقت الكلام , وإنما هو وقت النضال , وليس عندي ما أقوله سوى دعوتكم جميعاً للخروج في هذه اللحظة , والانضمام إلى مراكز التدريب ” . وهكذا خرج الطلاب أفراداً وجماعات يبحثون عن تلك المراكز التي كان يجري إعدادها على عجل .

مصر وفق هذه المواقف معنى يخصه وهم  يملاء عليه عقله , وقلبه يتوجه إليه  بفكره وكتاباته ومواقفه . ومن هنا حاول أن يربط الحركة التاريخية في مصر بإبراز دور المقاومة الشعبية , ورد اعتبار الشعب المصري وسيرته في صنع الأحداث ,ومقاومة الناس في مصر للنفوذ الاستعماري بكافة أشكاله , وإبراز دور الحركات الشعبية في مواجهة الاحتلال  , فجاءت أعماله التاريخية  وعلى وجه الخصوص (تطور المجتمع المصري من الإقطاع إلى ثورة 23 يوليو) , (مدرسة التاريخ المصري في العصر العثماني) لتعطي المؤرخ صوراً أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية و كإضافة حقيقية إلى تاريخ مصر , بكل ما تتضمنه من إيحاء ودلالة وصدق لجزئيات الواقع الحياتي المجتمعي , في وقت سادت فيه آفة اغتراب العلم التاريخي وتجاهله وتهميشه لدور الناس والجماعات الشعبية في صنع التاريخ . فوجه الدكتور أنيس تلاميذه في الدراسات العليا إلى التركيز على دور الصناع الحقيقيين لتاريخ مصر والعرب ولثورات التحرر في الوطن العربي , ودراسة القوى الاجتماعية , ورؤيتها لذاتها وللأحداث من حولها في محاولة مستميتة منه كي يملاء فجوات في بنية (المسكوت عنه تاريخياً عمداً أو بدون قصد) في المصادر التاريخية التقليدية, والتي لا تستطيع وحدها أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية ,إذ أنه لا يمكن للشهادات الجزئية أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية, وإنما غاية ما يمكنها أن تقدم لنا, جانباً جزئياً من تلك الحقيقة التاريخية.

فالتاريخ بصورته الحالية ـ عند محمد أنيس ـ وحده لا يمكن أن يطلعنا على وجدان الشعب ,لأنه يصنف الحوادث ,ويحتفل بالأسباب والنتائج , ويتسم بالتعميم.وقد أخذ هذا التاريخ في صورته الرسمية إلى سنوات قليلة خلت , يقص سيرة مصر من قمة الكيان الاجتماعي ويرتب مراحل هذه السيرة بالدول الحاكمة أى تاريخ (القمم) بحيث إنها نادراً ما تطرقت إلي تاريخ الناس العاديين الذين يقبعون في (سفوح المجتمعات) إن صح التعبيرمما جعلنا نستقرأ تراثاً ناقصاً,ولا نلتفت إلى ما أنشاه الشعب لنفسه عن نفسه.

فخرجت على يديه عشرات الرسائل في هذا المضمار . منها رسالتي الدكتور عبد العظيم رمضان (رحمه الله) للماجستير والدكتوراه ” تطور الحركة الوطنية في مصر من 1918م إلى 1936م” . و ” تطور الحركة الوطنية في مصر من إبرام معاهدة 1936م إلى بداية الحرب العالمية الثانية ” . ورسالة الدكتورة نوال راضي للماجستير ” الحركة العمالية وأثرها في تطور التاريخ السياسي في مصر 1899-1930م” ,ورسالة الدكتور على بركات للدكتوراه ” تطور الملكية الزراعية في مصر وأثره على الحركة السياسية 1846-1914م” ورسالة عبد الله جندي للماجستير ” كفاح الأمير عبد القادر الجزائري ضد الفرنسيين في الجزائر ” , ورسالة أحمد صدقي الدجاني للماجستير ” نشأة الحركة السنوسية ونموها في القرن التاسع عشر ” وغيرها العديد من الدراسات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والتي في جلها تخاطب العقل وتعتمد على الوثائق والمصادر الأصلية والشهادات والمذكرات الشخصية والتي تعد المادة الأولية لكتابة التاريخ .

استطاع أنيس أن يقدم لمصر والوطن العربي حشداً من أكفأ أبنائها العاملين عن علم والعاملين بالعلم . والله يشهد أن قسم التاريخ في كلية الآداب لم يخرج في عهد الرجل العظيم إلا الجوهرة تلو الجوهرة , ولم يكن غريباً على هذا القسم من الكلية إذن ما تمتع به من سمعة طيبة على جميع المستويات.

على أن لأنيس بالإضافة إلى هذا كله فضل الحفاظ على تراث مصر الوثائقي فأسهم في هذا المجال بأروع الجهد الذي لم يزل أثره باقياً إلى اليوم حين تمكن من استصدار قوانين تمنع تسرب الوثائق المصرية إلى الخارج إضافة إلى تأسيسه مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر بهدف تجميع وثائق التاريخ من داخل المركز وخارجه لإفادة أبناءه من الباحثين في سياق إعدادهم لدراساتهم وقد تمكن المركز خلال إشراف الدكتور محمد أنيس عليه في الفترة 1967إلى 1975 من جمع شتات العديد من الوثائق  التي تؤرخ لسيرة مصر وزعمائها وحركاتها الثورية والشعبية ليؤكد على التزامه بمصر وقضاياها وهمومها , فكان التزاماً بإمكاناتها وطاقاتها الدافعة , إنه التزام بأصول ذاكرتها الحضارية الحافزة الدافعة الرافعة , إنه التزام بإحياء كل ما يعينها على البقاء والحياة والصمود , إنه التزام يسعه عقله وقلمه تحرك في المؤرخ كل معاني الكفاحية حينما أكد على الوظيفة الكفاحية للمؤرخ والعالم والوظيفة الحضارية للوطن .وكان على استعداد لمواجهة أعتى التحديات والمخاطر في سبيل الدفاع عن هذا الحق الذي يعتقده أو تلك الفكرة التي آمن بها .

وفي إطار ذلك الفهم والوعي تحركت ثوابته الحضارية ورسالة المؤرخ العلمية لتتفاعل لتخرج أجندته البحثية , والتي حار البعض في تفسير مكوناتها أو مكنوناتها  ورغم تخصصه في تاريخ مصر الحديث والمعاصر إلا انك تجده تارة يكتب ويتحدث عن التاريخ العثماني وتارة أخرى عن التاريخ الأوربي وأثر التاريخ الاقتصادي في انتقال أوربا من العصور الوسطى إلى الحديثة , ويتحدث في أحيان أخرى عن مذكرات السياسيين والزعماء ووثائق الحركات الشعبية والثورية في مصر , وعن أهمية الوثائق البريطانية , والثورة الروسية الكبرى في عام 1917م, ويتحدث عن المؤتمر الآسيوي الأفريقي, والقومية العربية , والقضية الفلسطينية, ويتحدث عن وثائق حريق القاهرة , وعن حادث 4 فبراير 1942م, ويتحدث عن المجتمع المصري من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في ضوء الوثائق , ويتحدث عن الحركة الوطنية , وعن الثورات الاجتماعية , وعن الصراع العربي الإسرائيلي وتأملاته وتحليلاته فيه  وتحدث عن مسئولية الشعب بعد عبد الناصر وتحدث عن الأبعاد التاريخية لمعركة الصمود الراهنة , في ذلك السياق تحركت هذه الأچندة بكل موضوعاتها لتحفز كل مناطق الفاعلية في روح وكيان الوطن فهو تارة يذكر الأمة بإمكاناتها ويبصرها بوجهتها الحضارية والتاريخية والفكرية الثابتة وبقصدها الخالد , وهو تارة يحذرها من خصومها وأعدائها وقد أثبتت الشواهد و الأحداث صدق تحليلاته ومعنى ومغزى أچندته البحثية التاريخية المتنوعة التي نظر البعض لها آنذاك بأنها تشتيت للطاقات الذهنية التي امتلكها , والإمكانيات البحثية التي استوعبها وعدم التركيز في تخصص بعينه .

و كلما رجعت إلى مؤلفاته كنت أسال نفسي هل وجد هذا الرجل في الزمن الخطأ أم أن زماننا أخطأ حين لم يجد له مكاناً في صدارة مشورة أهل الحكم والرياسة.. ولكني كنت أوقن وأنا انتهي من قراءة ما كتب بأنه كان أكبر من عصره وعصرنا .. أكبر من مضايقات السلطة التي كانت تلاحقه , وتمهد لفصله من الجامعة في عام 1954م . حين رأى ضرورة أن تسترد الجامعة بعضاً من وعيها الحضاري لتتحول إلى مؤسسات حضارية , تهتم  بقضايا الوطن وتعرف له حقه!! , فأضرب تلاميذ محمد أنيس في قسم التاريخ عن الدراسة دفاعاً عن أستاذهم واحتجاجاً على ما يحاك ضده , ونتيجة لإلحاح طلابه عاد إلى قاعة الدرس ليلقى محاضراته , لتترسم خطى ومعنى الرسالة في المؤرخ والوظيفة والدور في الجامعة . ونجح هذا الرجل في أن يكون صاحب حضور متصل في هذا المجتمع على جميع الميادين وقد امتحن شر ما يكون الامتحان , وأوذي , وضيق عليه , ولكنه عاد إلى الحضور والتأثير في المجتمع .

ومن العجيب أننا كشباب لا نلتفت إلى عفة هذا المؤرخ وترفعه عن الرد على تلك المضايقات حين أصبح في وسعه أن يرد .. من العجيب أننا كشباب لا نأخذ من هذا ولو مجرد دليل على رفعة هذا الرجل ورفعة أخلاقه . فلقد تميز الأستاذ الدكتور محمد أحمد أنيس كأستاذ وكمؤرخ بالجمع بين العظمة المتناهية في أخلاقه وعلمه وقدراته , وبين التواضع الشديد , والعطف الحاني على تلاميذه ولكم حدثنا عنه تلميذه الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم  أستاذ كرسي التاريخ بكلية آداب الزقازيق عن مواقف أستاذه ودماثة خلقه وحرصه الأشد على القيم العلمية , والتقاليد الجامعية ونبله فيقول لنا : إنه كان خير مثال للعظمة التي عناها مكسيم جورجي حين قال : ” من العظماء من يشعر المرء في حضرتهم بأنه صغير , ولكن العظيم بحق هو الذي يشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء” . وقد كان هذا شعورنا معه كتلامذة وكطلاب صغار وحين نؤدي أمامه الامتحان أو نناقش قضية تاريخية أو فكرية ما . عليه رحمة الله .

التعليقات