رمضان فى النصف الأول من القرن العشرين (الموروث الشعبى ، والحكايات والذكريات)

نشرت في مايو 19, 2018 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

شهر رمضان الكريم يهل علينا كل عام ويتضوع الجو العام بأريج كريم من التاريخ، والموروث الشعبى ، والحكايات الشخصية والعامة ، فضلا عن الذكريات التى ترتبط بالشهر الكريم وترحل بالمرء بعيدًا فى رحاب الزمن ترتبط بطفولته أو صباه ، أو بلده والناس فى هذا البلد، وتحمل الحنين إلى الماضى على الرغم من أن هذه الذكريات بطبيعة الحال ليست وقفا على شهر رمضان . كما أن الماضى الذى نحن إليه ليس كله وقفًا على ما يربطنا بالشهر الكريم. ومن ناحية أخرى ربما يكون شهر رمضان بالنسبة لنا فى مصر يتعدى كونه مناسبة دينية مثلما هو الحال فى جميع البلاد الإسلامية ؛ وإنما هو فى مصر بشكل خاص مناسبة دينية اجتماعية ربما لا نجد مثيلاً لها فى بلد آخر. حقيقة أن لكل بلد تقاليدها وموروثها الشعبى الذى يتعلق بالشهر الكريم ، وأن أبناء كل بلد من بلاد المسلمين تربطهم ذكريات ذات طابع عام بشهر رمضان ، ولكن شهر رمضان اكتسب ملامح خاصة فى مصر منذ دخول الإسلام، ومع مرور الزمن ارتبط ببعض من المظاهر التى ترتبط فى معظمها بالموروث الشعبى.

ولسنا مبالغين عندما نقول إن بعض العادات والتقاليد المصرية المرتبطة بشهر رمضان اكتسبت مع الأيام شكل العادات والتقاليد المصرية، فى الريف وفى المدينة على السواء. فالفانوس الذى نجد الإشارة إليه، وما ارتبط به الأطفال والكبار عند خروجهم لصلاة التراويح فى مواكب بهيجة حدثنا عنها المؤرخ المقريزي فى خططه بالتفصيل ؛ هذا الفانوس ما يزال موجودا حتى الآن يجلب الفرحة للأطفال فى شهر رمضان، هذا الفانوس كان يضاء بشمعة نشعلها ونحن أطفال وله باب بسيط يحميه من الرياح التى قد تطفئه وكان بألوانه الساذجة يبعث فينا الفرحة والفخر، وإن تطور الفانوس على النحو المزعج المزيف الذى يستورده التجار من الصين ، ولكن فى النصف الأول من القرن العشرين كان الفانوس الذى يفرح به الأطفال هو الفانوس بسيط الصناعة الذى كان الحرفيون يصنعون منه أعدادًا هائلة بأثمان زهيدة ، ويشتريه الناس لأطفالهم قبل أيام من قدوم الشهر الكريم . وكانت وظيفة الفانوس قد تغيرت عن وظيفته فى عصر سلاطين المماليك (التى حدثنا عنها المؤرخ تقى الدين المقريزى باستفاضة)، فلم يعد الأطفال يخرجون بفوانيسهم فى مواكب لمصاحبة الكبار فى صلاة التراويح، وإنما كانوا فى النصف الأول من القرن العشرين يخرجون بها للغناء بأهازيجهم الجميلة .

حالو يا حالو    رمضان كريم يا حالو

أدونا العادة    ربى يخليكم

حبة وزيادة    ربى يخليكم

لولا فلان    لولا جينا

ولا تعبنا رجلينا

حالو يا حالو     رمضان كريم يا حالو

وتمضى قافلة الأطفال الصغيرة المرحة، تغنى من بيت إلي بيت من بيوت الجيران، وفى كل مرة يخاطبون أهل البيت باسم ابن من أبنائهم (وربما يكون الطفل نفسه من بين أفراد القافلة الصغيرة) وكان الجيران يعطونهم ما يجودون به من «ياميش» رمضان (البلح ، أو المكسرات أو ما شابه ذلك) وتتم فرحة الأطفال وهم يحصون ما حصلوا عليه فى آخر هذه الجولة كل ليلة.

كان ذلك يحدث عقب الإفطار مباشرة ، ولكن قبل الإفطار كان الجميع ينتظرون «مدفع الإفطار» أى المدفع الذى كان يطلق ليحدث صوتا يعرف الناس بواسطته أن موعد الافطار قد حان ، وعند اطلاق المدفع كنا نصيح مهللين ونتقافز فرحين لانطلاق مدفع الافطار، حقيقة كان هناك «الراديو» والمساجد ؛ ولكن يبدو أنها لم تكن كافية لإعلام الناس بموعد الافطار، ويجب أن نلاحظ أن الميكرفونات المزعجة لم تكن قد عرفت بعد على هذا النطاق المثير للأعصاب الذى يحدث حاليًا؛ ومن ناحية أخرى لم يكن المصريون قد عرفوا التليفزيون (الذى أدخل فى مصر فى بداية الستينيات من القرن العشرين) ، ولهذا السبب كان الراديو يقدم التسلية الوحيدة آنذاك.

وهنا كانت مادته الرئيسية مأخوذة من الموروث الشعبى ، وخاصة من «حكايات ألف ليلة وليلة»، وكانت البيوت القليلة التى يمتلك أصحابها الراديو تضم الجيران لسماع «ألف ليلة وليلة» ، وكان صوت الفنانة زوزو ماضى ، عندما يقول : «بلغنى أيها الملك السعيد» وهى تبدأ الحكاية مشيرا بأنها سوف تأخذ السامعين فى رحلة جميلة، يطلق كل منهم خياله مع صوت الراديو ليتخيل الأحداث ، كما يشاء (وهى متعة قضى عليها التليفزيون كما سبق وأن قضت عليها السينما من قبل) حتى يصحو من خياله أو رحلة خياله على صوت الفنانة نفسها وهى تقول : «فلما أدرك شهرزاد الصباح سكتت عن الكلام المباح» . كانت متعة الاستماع إلى حكايات ألف ليلة وليلة فى الراديو متعة للجميع كبارًا وصغارًا ، ولكن هذه المتعة لم تكن الوحيدة؛ فكانت متعة الاستماع إلى حكاية الجدات الغريبة والمثيرة ، تجتذب الصغار دائما على الرغم من اغراءات اللعب مع الأطفال من أبناء الجيران فى الحى، وكانت الألعاب بسيطه وفى كثير من الأحيان تعتمد على ما يصنعه الأطفال أنفسهم…

وعندما يمضى الشهر مقتربا من عيد الفطر (الذى كنا نسميه العيد الصغير حسبما جرت العادة وحسبما عرفنا تسميته من أهلنا) تبدأ ملحمة عمل كعك العيد، والبسكويت، وكانت الأمهات والبنات والقريبات والجارات يشتركن فى عمل الكعك والبسكويت وغيرهما مما كان يجب عمله فى تلك المناسبة . كانت السيدات والبنات ، من بنات الأسرة أو الجيران والأصدقاء يتفنن فى صناعة الكعك والبسكويت والغٌريبة، وما إلى ذلك من الأنواع ، وكانت جميع مراحل صناعة كعك العيد تتم فى المنزل وسط جو من الألفة المنزلية التى لا تخلو من المداعبات والفكاهة ولا يخلو من بعض المشاغبات والمعاكسات ، وربما ثارت بعض المشكلات الصغيرة أحيانا ، ولكن كعك العيد وإعداده فى شهر رمضان كان مناسبة اجتماعية ترتبط بالعادات والتقاليد التى تحرص عليها كل أسرة من المصريين، وكان الجو العام لهذه المناسبة جو مرح وود أسرى على الرغم من أن كعك العيد أحيانا كان يتسبب فى مشكلات لبعض الأسر الفقيرة نتيجة لضيق ذات اليد من ناحية، وبسبب الحرص على إحياء هذه العادة من ناحية أخرى.

كان هذا بشكل عام دور السيدات والبنات فى المنزل، ولكن يبقى دور الرجال والصبيان فى هذه المناسبة ؛ كان دور الرجال من أرباب الأسر بشكل عام يتمثل فى توفير نفقات كعك العيد الذى لم تكن مناسبة تخلو من التفاخر والمباهاة بحسب المكانة الاقتصادية والاجتماعية لكل أسرة . ولم يكن من المتعارف عليه أو من تقاليد ذلك الزمان (النصف الأول من القرن العشرين) شراء كعك العيد جاهزًا من المحلات (كما هو الحال اليوم) ، وربما كان من دواعى الخجل لربات الأسر آنذاك أن يكون كعك العيد يشترى جاهزا فى تلك المناسبة على أية حال. وكان الرجال يقضون وقتهم أثناء إعداد كعك العيد وما شابهه من الحلويات ويخرجون من المنزل ويتركونه للسيدات والبنات صاحبات السلطة فى تلك المناسبة الخطيرة ؛ أما الصبيان أى الأولاد من أبناء الأسرة أو أصدقائهم، فكانوا مسئولين عن المشاق الجسمانية المرتبطة بإعداد كعك العيد ؛ فقد كان عليهم حمل الكعك إلى الفرن بعد أن تقوم السيدات بعمل اللازم ورصه فى الصاجات (جمع صاج) اللازمة لإدخاله فى الفرن، وكانوا يقومون بمهمة حمل الصاجات إلى الفرن المجاور لكى يتم انضاجه على النحو المرضى، وبعد أن يتم عملية التسوية (النضج) تعاد الصاجات إلى المنزل الذى خرجت منه لكى يتم تفريغها حسب الأنواع المختلفة (الكعك ، البسكويت، الغريبة… وغيرها من الأنواع) بمعرفة ربة الأسرة ، ويتم ذلك فى احتفال بسيط بين أهل البيت.

فى تلك الأثناء يكون الرجال يلتقون أصدقائهم ومعارفهم فى حلقات السمر التى تروى فيها النوادر والحكايات، أو يذهبون إلى الحسبن (الحى الذى اشتهر بارتباطه بشهر رمضان) وهناك يجلسون فى واحدة من المقاهى المشهورة؛ وكانت إحداها مشهورة بجلوس الفنانين من المشهورين فيها طوال شهر رمضان؛ أو تقام فيها حلقات تشبه المنافسة لإلقاء النكت التى كانت تعرف فى مصطلح ذلك الزمان باسم «القافية» (لأن المنافسة كانت تبدأ بأحدهم يطلب منافسة شخصى آخر بقوله : «تخش لى قافية» وتبدأ بنكت حسب نوع المباراة مثلا عن قافية السينما، أو قافية الجرائد أو قافية الحقائب … الخ) وكانت تلك المنافسات تضم فريقين يشجع أحدهما أحد المتنافسين فى القافية على حين يشجع الفريق الثانى المنافس الآخر . وكانت الضحكات تنطلق خاصة عند استحسان سرعة بديهة أحد الطرفين … ولكن الفكاهة والمرح والارتجال اللحظى وذكاء المشتركين فى المنافسة كان يغلف جو هذه المنافسات التى كنت أحضرها بعد أن كانت ما زالت موجودة وأنا طالب فى الجامعة أوائل ستينيات القرن العشرين. على أية حال ، كان الرجال يبحثون عن التسلية البريئة والمرح فى هذا الحى. ومن ناحية أخرى ، كانت فى الحسين فى شهر رمضان شخصيات غريبة ؛تجمع بين التصوف وإدعاء البساطة واذكر واحدا من هذه الشخصيات كان يتصور نفسه أحد الجنرالات على الرغم من أنه يلبس جلبابًا قذرًا وعليه جاكيت قديم ضاع لونه الأصلى وقد غطى صدره بأغطية زجاجات المياه الغازية على اختلاف أنواعها ؛ فضلا عن أنه كان يمسك سيفا خشبيًا يسير به بين الزحام لكى يتم به مظهر «الجنرال» … كان هذا من الأماكن المفضلة لدى أهل القاهرة فى ليالى رمضان فى ذلك الزمان.

من الذكريات التي ارتبطت بشهر رمضان فى النصف الأول من القرن العشرين أيضا ، تلك التى ارتبطت بشخصية «المسحراتى» وهو شخصية قديمة ارتبطت بالشهر القديم، وحدثنا عنه المؤرخون والرحالة الذين زاروا مصر فى عصر سلاطين المماليك، وما بعده. وقدموا لنا أوصافًا مسهبة عما كان يقوم به المسحراتى. وقد ظلت وظيفته كما هى تقريبا على مر القرون، وربما لم تكن قد تغيرت فى النصف الأول من القرن العشرين؛ فقد كان لكل حى، أو منطقة ، فى القاهرة المسحراتى الخاص بها . وهو يعرف البيوت وساكنيها ولذا كان من المألوف فى ذلك الحين أن يطوف على كل بيت لكى يوقظ أهل كل بيت بالنداء على رب الأسرة ، أو على أكبر الأولاد الذكور، لكى يقوموا ليتناولوا السحور. وكان يدق على طبلته الصغيرة دقات معينة تصحب تلك الأغاني الشجية التى ينشدها ، وقد تتضمن أحيانا أسماء بعض من أهل البيت من الذكور، ويبدأ النداء بقوله : «اصح يا نايم…. وحد الدايم» ثم ينشد أغنياته الجميلة الشجية التى كان المسحراتية ينافسون بعضهم بعضا فى إبداعها، أو على الأقل فى حفظها وإنشادها . فى ليالى الصيف الجميلة كان قدوم المسحراتى يلقى الترحاب خاصة من الأطفال والصغار ؛ ولكن فى ليالى الشتاء ، الباردة كان قدومه يسبب الضجر والملل لأنه يعنى القيام من الفراش الدافئ ليتناول السحور ….

وكان من عادة كل مسحراتى ، عندما ينتهى شهر رمضان ويحل عيد الفطر ، أن يمر على البيوت فى المنطقة التى يعرفها لكى يأخذ نصيبه من الكعك والبسكويت والغريبة وغيرها ، فضلا عن ياميش رمضان ؛ وربما كان بعض الموسرين يعطيه بعض النقود على سبيل «العيدية» (وإن كان ذلك لا يحدث كثيرًا) وبعد نهاية «الموسم» كان المسحراتى يعود إلى عله الأصلى؛ فقد كان المسحراتية جميعا من أصحاب المهن البسيطة المتواضعة التى يرتزقون منها طوال العام، ولا يقومون بوظيفة المسحراتى سوى فى شهر رمضان ، وفى لياليه فقط.

لقد كانت ذكرياتنا فى شهر رمضان نوعًا من الحنين الذى يربطنا بجزء من تاريخنا القريب، ولا سبيل إلى استعادته ولا رغبة لعودته ، لأن الزمن يمضى فى صيرورة دائمة من الماضى إلى الحاضر فالمستقبل . وإنما نتذكر كيف كانت ملامح وسمات هذه الفترة القريبة من تاريخنا الاجتماعى والثقافى وماذا كانت عليه بعض عاداتنا وتقاليدنا ، لقد كان شهر رمضان الكريم فى النصف الأول من القرن العشرين مزيجًا من الموروث الشعبى، والحكايات والذكريات حقا .

التعليقات