من تاريخ الكتابة … وتاريخ القراءة

نشرت في مايو 19, 2018 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم
0 Flares 0 Flares ×

منذ توصل الإنسان فى الحضارات القديمة إلى اختراع الكتابة ، فى أشكالها المختلفة التى تنوعت ما بين حضارة وأخرى، توصل فى الوقت نفسه بالضرورة إلى معرفة القراءة . ذلك أن الكتابة والقراءة جانبان لظاهرة واحدة. فالإنسان هو الذى اخترع الكتابة وهو الذى كان قادرًا على فك رموزها ، ومعرفة أسرارها . ومن ثم عرف الإنسان الكتابة والقراءة بشكل متلازم منذ البداية ، وخضعتا سويا للتطورات نفسها، ومرتا سويا بالتاريخ نفسه تقريبا : منذ الكتابة على الأحجار ، أو الطين ، أو غيرهما من مواد الكتابة البدائية ، حتى الوصول إلى الكتابة الألكترونية ووسائلها الحديثة فى عصرنا الحالى. وما نتج عن ذلك بالضرورة من تطورات فى تاريخ الكتابة، وفى تاريخ القراءة أيضا (ويجب أن نلاحظ أن القراءة كانت أسهل من الكتابة فى عصور مختلفة من تاريخ الكتابة والقراءة) .

فى هذه الصفحات نشير إلى بعض ملامح رحلة الكتابة (أو الكتاب) ورحلة القراءة فى الحضارة الأوربية ؛ خاصة بعد أن صار الكتاب، بفضل الطباعة . من ملامح الظواهر الاجتماعية فى عدد من المجتمعات الأوربية خاصة فرنسا وألمانيا منذ القرن السادس عشر فصاعدًا .

وهنا ينبغى أن نشير إلى حقيقة مؤداها أن الطباعة قد أحدثت فرقًا بطبيعة الحال فى تاريخ الكتاب وفى تاريخ القراءة بشكل عام، ولكن بعض الباحثين المتخصصين فى تاريخ الكتاب يرون أن الطباعة كانت أقل ثورية مما هو شائع ظنًا ؛ فقد كانت الكتب المطبوعة ذات صفحات قليلة. ولم حدث فروق كبيرة بسبب الطباعة ؛ فقد كانت الكتب المخطوطة تحمل فهرس المحتويات ، كما تحمل صفحاتها أرقامًا ، وتحمل أسماء الناشرين الذين كانوا ينتجون نسخًا من المخطوطات من أجل جمهور كبير نسبيا من القراء. ومن ناحية أخرى، ظل الكتاب المطبوعة طوال نصف القرن الأول من وجوده على الأقل، تقليدًا للكتاب المخطوط. ولا شك فى أن قراء الكتاب المطبوع كانوا هم أنفسهم قراء الكتاب المخطوط فى تلك الفترة، كما أن موضوعات الكتاب المطبوع كانت هى نفسها موضوعات الكتاب المخطوط ، فضلا عن أن القراءة فى تلك الآونة كانت تتم بالطريقة نفسها. ولكن بعد سنة 0051م،، وصل التطور بالكتاب المطبوع إلى أنواع جديدة تشمل الكتاب، والكتيبات المتنوعة والملصقات التى اجتذبت أنماطًا جديدة من القراءة. ومن ناحية أخرى حفزت تلك التطورات أنواعا جديدة من القراءة . وهكذا كان تطور الكتاب نفسه حافزا لتطور القراءة كما ذكرنا فى السطور السابقة . فقد اكتسى الكتاب الجديد فى تصميمه صفة قياسية لم يكن ممكنا التخلى عنها، كما كان أرخص سعرًا وتكلفة وأكثر انتشارًا وتوزيعًا بطبيعة الحال. وكان ذلك كله مؤشرًا على تحول العالم الغربى والثقافة الغربية بشكل عام . كذلك فإن الكتاب الجديد الذى وفرته المطبعة وانتشارها فى أرجاء العالم الغربى لم يكن تأثيره قاصرًا على توفير المزيد من المعلومات ، وإنما قدم أيضا طريقة للفهم كما وفر مجالا لإضفاء المعنى على حياة الناس. فقد اعتمد الباحثون المتخصصون فى تاريخ الكتاب على مصادر متعددة للتعرف على مراحل تاريخ الكتاب من ناحية، وموضوعات الكتب وعادات القراءة فى غرب أوربا من ناحية أخرى. وكان من أهم تلك المصادر سجلات إيداع الكتب القانونية، وامتيازات نشر الكتب، والنشرة السنوية الفرنسية للكتب التى كانت تصدر باسم Bibliagraphie de la France فى فرنسا . أما فى ألمانيا فقد اعتمد الباحثون على كتالوجات معرض الكتاب فى فرانكفورت ومعرض الكتاب فى ليبزج التى غطت الفترة منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادى فصاعدًا (فقد كان كتالوج معرض فرانكفورت للكتاب ينشر بدون انقطاع منذ سنة 1564م حتى سنة 1749م ، وكان كتالوج معرض ليبزج للكتاب يصدر منذ سنة 1594 حتى سنة 1797م).

وتكشف الدراسات التى قام بها مؤرخو الكتاب من خلال هذه المصادر وغيرها من المصادر ذات الصلة عن بعض الخطوط الإرشادية إلى موضوعات الكتب المفضلة فى تلك الفترة، كما تكشف عن عادات القراءة آنذاك. فقد كان للرواية قصب السبق فى تلك الآونة. ومن ناحية أخرى، تشير الإحصائيات التى أمكن الوصول إليها إلى زيادة فى عناوين الكتب المنشورة (كانت الزيادة ثابتة أحيانا ومضطربة فى أحيان أخرى)؛ فقد كانت كتالوجات معرض ليبزج للكتاب فى سنة 1764م تضم ألفا ومائتى عنوان ارتفعت فى سنة 1800م إلى ألف وستمائة عنوان . وكانت الأسباب وراء ذلك ترجع إلى الأحوال السياسية والعسكرية ولم تكن ترجع إلى الأسباب المرتبطة بإنتاج الكتاب مباشرة. ومن ناحية أخرى، نرى فى فرنسا زيادة فى عدد طلبات الترخيص بنشر كتب جديدة بشكل مطرد .

أما عن الموضوعات التى تضمنتها صفحات تلك الكتب فى تلك الفترة؛ فقد كانت الروايات ، وكتب الرحلات، وكتب التاريخ الطبيعى تحتل رفوف مكتبات النبلاء البورجوازيين الأثرياء بدلاً من كتب الكلاسيكيات. وقد هبطت عناوين الكتب المرتبطة بالكتابات الدينية كثيرًا فى أعدادها فى أثناء القرن الثامن عشر فى كل من فرنسا وألمانيا .

ومن المصادر الأخرى المهمة فى تاريخ الكتاب، قوائم جرد الكتب الموجودة فى المكتبات الخاصة ضمن التركات التى تركها أصحابها الذين طوتهم صفحة الموت. وتشير إحدى الدراسات التى قام بها مؤرخ ألمانى تخصص فى تاريخ الكتاب هو «والتر ويتمان» اعتمادا على قوائم الجرد فى القرن الثامن عشر، إلى أن الكتب التى وردت بهذه القوائم تشير إلى أن نسبة 100 بالمائة منها كانت لكبار الموظفين، ونسبة مقدارها واحد وخمسين بالمائة كانت مملوكة للتجار، على حين كانت نسبة خمسة وثلاثين بالمائة ملكا لكبار الحرفيين ونسبة قدرها خمسة وعشرين بالمائة من الرحالة. وهو ما يعنى أن كبار الموظفين كانوا يمثلون النسبة الأعلى فى اقتناء الكتب، وتلتهم الشرائح الاجتماعية المختلفة بنسب تراوحت بين خمسين بالمائة وخمسة وعشرين بالمائة. وفى دراسة أخرى فرنسية، قام بها مؤرخ متخصص فى تاريخ الكتاب، كشف عن أن سكان باريس كانوا مولعين بالقراءة ؛ ولكنهم كانوا يقرأون كتيبات القصص الشعبية والكتب الموجزة غالبًا . كما كشف عن أن الباريسيين كانوا يقرأون فى طريقهم عبر المدينة، ويقرأون فى غمرة انشغالهم بحياتهم اليومية.

أما عن المكتبات العامة التى انتشرت فى فرنسا وألمانيا فى تلك الفترة ؛ فإن سجلات مكتبات الإعارة توضح أن إسباغ الديموقراطية على عملية القراءة كانت توفر سبل القراءة لمن لا يستطيعون توفير ثمن الكتاب: ففى فرنسا القرن الثامن عشر تضاعف عدد الكتب المستعارة من المكتبات العامة ، كما أن من قاموا باستعارة الكتب كانوا من طبقات اجتماعية أقل من النبلاء والبورجوازيين (فقد كان منهم عدد قليل من الحمالين، ومن الخدم الخصوصيين، ومن صغار ضباط الجيش) . وقد كشفت الدراسات عن أن القراء كانوا يميلون إلى تفضيل الموضوعات الخفيفة بدلا من المجلدات العلمية الضخمة .

فقد اتجهوا إلى الروايات العاطفية بشكل عام (كما أن الروايات التى تقلد رواية روبنسون كروزو كانت تلقى استحسانا) . ولم تكن كل المكتبات توفر خدمة الاستعارة ؛ فإن مكتبة الملك فى باريس لم تكن تسمح لروادها أن يأخذوا الكتب معهم إلى منازلهم، ولكنهم كانوا يتمتعون بكرم الضيافة فى وقت يتيح لهم الاستمتاع بالقراءة وقضاء فراغهم بالمتعة التى تجلبها . وعلى الرغم من أن مكتبة الملك Blioteque du Roi كانت تفتح أبوابها للجمهور مرتين فقط فى كل أسبوع صباحا، فإن أمين المكتبة كان يعطى كلا منهم وجبة قبل انصرافهم من المكتبة. فإذا انتقلنا إلى الحديث عن تاريخ الكتاب وتاريخ القراءة داخل المنازل ، سنجد صورة تفيض حيوية عن هذه «القراءة الشعبية» فى كل من فرنسا وألمانيا فى تلك الفترة . فقد كان التجمع بجوار المدفأة أهم مؤسسة شعبية للقراءة هناك : كانت معروفة فى فرنسا باسم السهرة Veillée ، وعرفت فى ألمانيا باسم Spinnstube ومعناها السهرة تقريبا. فقد كان الأطفال يلعبون أمام ذويهم داخل المنزل ؛ بينما تقوم النسوة بأعمال الخياطة ، ويقوم الرجال بإصلاح معداتهم وأدواتهم. على حين يتولى أحد الموجودين من أهل المنزل ممن يمكنهم القراءة بقراءة نص يتلوه عليهم بصوت عال ، وعادة ما كان الكتاب الذى يقوم بالقراءة منه من الكتب الشعبية. وكانت تلك الكتب مكتوبة بعضها بقصد أن تُتلى على السامعين الموجودين حول المدفأة ؛ فقد كانت تبدأ بعبارات مثل : «إن ما ستسمعونه حالاً …».

وفى القرن التاسع عشر كانت مجموعات الحرفيين ، خاصة من صانعى السيجار والترزية ، يقومون بعملهم على حين يستمعون إلى الأخبار التى يقرأها عليهم واحد يعرف القراءة فيما يشبه دور المذيع الذى يذيع نشرة الأخبار فى وقت لاحق . وهنا يجب أن نشير على أية حال أنه على مدى معظم الفترات فى تاريخ الكتاب وتاريخ القراءة؛ كان من يستمعون إلى الكتب أكثر عددا ممن يقرأونها؛ فقد كان السماع أفضل من القراءة خاصة إذا كان هناك ما يجعل القراءة صعبة عند السامعين لسبب أو لآخر ، وأهم الأسباب بطبيعة الحال يتمثل فى عدم القدرة على القراءة. ومع ذلك ظلت للكتب خصوصيتها الحميمية ، وبقيت للقارئ علاقته الخاصة بالكتاب . ولكن هذا كان وقفا على الأقلية من الأشخاص المتعلمين الذين يستطيعون شراء الكتاب. وكانت الغالبية من المتعلمين يفضلون الانضمام إلى نوادى القراءة . فى باريس فى القرن الثامن عشر . وغالبًا ما كان الكتبيون فى الأقاليم يحولون حواينتهم إلى مكتبات عامة ويتقاضون رسوما من روادها مقابل القراءة فيها. فقد كانت الإضاءة الجيدة، وبعض المقاعد المريحة، وصور قليلة معلقة على الحائط ، بالإضافة إلى الاشتراك فى نصف دستة من الصحف ، تكفى لتحويل الحانوت الذى يبيع الكتب إلى ناد من نوادى القراءة. وكانت نوادى القراءة الألمانية، من ناحية أخرى، توفر الأساس الاجتماعى لتنويعة متمايزة من الثقافة البورجوازية فى القرن الثامن عشر. وقد كتب أحد مؤرخى الكتاب فى دراسة له، أنه قد تعرف على ما يزيد على أربعمائة من نوادى القراءة الألمانية ، وقد خرج بفكرة عن مادة القراءة التى كانت مفضلة فى تلك النوادى التى كانت تزود أساسًا بالملاحق والإضافات الدورية . وعادة ما كانت هذه الملاحق والإضافات على كتب ذات ثقل واضح مثل التاريخ والسياسة. ويبدو أن تلك النوادى كانت صورة أكثر جدية من المقاهى التى انتشرت فى وقت مقارب ، وكانت فى حد ذاتها مؤسسة مهمة القراءة ؛ فقد كانت تنتشر فى كل أرجاء ألمانيا منذ أواخر القرن السابع عشر. وفى القرن الثامن عشر انتشرت المقاهى التى تقدم الصحف والمجلات ؛ فبحلول سنة 1760م كان فى مدينة ڤيينا بالنمسا ستون مقهى على الأقل ، وإلى جانب الصحف والمجلات التى كانت تقدمها كانت توفر أيضا فرصًا لاتنتهى للمناقشات السياسية؛ وهو الأمر الذى عرفته لندن وامستردام على مدى ما يزيد على قرنين من الزمان . هكذا ، حدث إبان القرن السادس عشر أن املك الناس العالم. وفى أثناء القرن السابع عشر بدأوا يفكون طلاسم «كتاب الطبيعة» أى بدأوا يفهوم مظاهر الطبيعة . وفى القرن الثامن عشر تعلموا أن يقرأوا أنفسهم بمساعدة الكتب لكى يفهموا النفس البشرية . ودرس بعض العلماء العقل باعتباره «لوحًا ممسوحًا» . باختصار نقول إن للقراءة تاريخا. بيد أننا يجب ألا يغيب عن فطنتنا أن القراءة لم تكن قراءة واحدة دائمًا وفى كل مكان . وربما ننظر إلى القراءة على أنها عملية التقاط بعيوننا للمعلومات التى تحملها الصفحات ، وتحويلها إلى عقولنا .

بيد أننا عندما نمعن النظر فيها ، فإننا لابد أن ندرك أن هذه المعلومات يجب غربلتها ، وتخزينها، وتفسيرها: وهى عملية عقلية تستكمل العملية العضوية المرتبطة بعيوننا. وهى فى التحليل الأخير تؤدى إلى عمليات التشكيل الثقافية فيه التى تنوعت تنوعا هائلاً على مرِّ الزمان، ونتجت عن التطور الاجتماعى والثقافة لكل جماعة بشرية على حدة. ومثلما عاش الناس فى تلك العصور فى رحاب عوالم مختلفة، فإنهم بالضرورة كانوا يقرأون بطرق مختلفة تتوافق مع العوالم التى عاشوا فى رحابها . والخلاصة أن القراءة ليست شيئا متمايزا مثل أى دستور أو نظام اجتماعى يمكن تتبع مساره عبر الزمان، بل إنها نشاط ينطوى على علاقة خاصة بين القارئ من ناحية والكتاب (أو النص) من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن القراءة والكتاب كانت تختلف حسب الظروف الاجتماعية والتطورات التكنولوچية ، فرن تاريخ القراءة لا يمكن النزول به ليكون مجرد رصد زمنى تتابعى لهذا النشاط وإنما يجب أن نتخطى ذلك سعيا وراء فهم العلاقة- أو كيف يمكن فهم قيام تفسير التغيرات التى جرت على تاريخ الكتاب وتاريخ القراءة. لقد غيَّر الكتاب ، والقراءة ، وجه التاريخ. ويقودنا هذا بالضرورة إلى التفكير فى جهد الإنسان الذى لاينتهى، لأن يجد معنى للعالم الذى من حوله وفى داخل نفسه. وإذا استطعنا أن نفهم كيف كان الإنسان يقرأ الكتاب طوال مراحل التاريخ، فإننا نقترب أكثر من فهم كيف أنه جعل للحياة معنى.

التعليقات