مصحف عثمان – بقلم محمد يسري محمد حسن

نشرت في مايو 27, 2017 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ محمد يسري محمد حسن
0 Flares 0 Flares ×

مصحف عثمان 

بقلم محمد يسري محمد حسن

أولا :- جمع القران فى عهد الرسول (عليه الصلاة والسلام

ثانيا :- جمع القران بعد وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام

ثالثا:- مصحف عثمان وحرق مصاحف الصحابة

رابعا:- رد فعل الامصار تجاه حرق المصاحف

خامسا:- ملاحظات حول مصحف عثمان

 

كانت عملية جمع القران الكريم وحفظه فى مصحف واحد وحرق جميع المصاحف المختلفة عنه فى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، كانت مسألة على قدر كبير من الاهمية والخطورة،ولم تكن تلك المسألة ذات ابعاد وجوانب دينية فقط بل كان لها مغزى سياسى –اجتماعى مهم.

وسوف احاول فى ذلك المبحث ان اتعرض لمسألة جمع القران فى عهد  عثمان وما سبقه من عهود الدولة الاسلامية بشكل تاريخى مجرد،ولن ابين ما ارتبط بتلك الواقعة من احداث ومؤثرات شكلت جزء مهم من تاريخ الدولة الاسلامية المبكر، وكانت احد الاسباب الرئيسية التى ادت لأشتعال فتيل الثورة فى الامصار الاسلامية ضد سلطة الدولة المركزية الممثلة  فى شخص الخليفة عثمان بن عفان .

 

أولا :- جمع القران فى عهد الرسول (عليه الصلاة والسلام

تؤكد الروايات التاريخية المختلفة ان القران الكريم لم يتم جمعه فى عهد الرسول (عليه الصلاة والسلام)  و  كان السبب فى ذلك ان القران كان معرضا للزيادة فى فترة حياة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ،ولذلك لم يكن من المنطقى ان يتم جمعه فى تلك المرحلة.

ولكن ذلك لم يمنع ان يقوم عدد من الصحابة بحفظ القران الكريم كله او بحفظ معظمه، ويورد ابن سعد  اسماء عدد من الصحابة الذين جمعوا القران  اى حفظوه فى زمن الرسول (عليه الصلاة والسلام)،وهم :-

  • ابى بن كعب
  • معاذ بن جبل
  • ابو الدرداء
  • زيد بن ثابت
  • مجمع بن جارية
  • عبد الله بن مسعود
  • عثمان بن عفان
  • تميم الدارى
  • عبادة بن الصامت
  • ابو ايوب الانصارى ([1])

وقد وردت عدد من الاحاديث  النبوية التى تحض وتشجع عموم المسلمين على تلقى القران من عدد من هؤلاء الصحابة مثل  عبد الله بن مسعود-ابى بن كعب-ابو الدرداء

وقد عرف الخلفاء الاوائل فضل هؤلاء النفر من الصحابة وتميزهم فى مسألة حفظ القران وتعليمه ،فنجد انه عندما ارسل يزيد بن ابى سفيان  الى الخليفة الثانى عمر بن الخطاب  يطلب منه ان يرسل اليه بمن يعلم القران للناس فى الشام ، ان عمر قد اختار كلا من معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وابو الدرداء  وعهد اليهم بتلك المهمة،فرحلوا الى الشام وعلموا المسلمين هناك القران فحفظوه عنهم ([2])

 

ثانيا :- جمع القران بعد وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام

توجد الكثير من الروايات التاريخية حول مسألة جمع القران بعد وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام)، وهناك الكثير من الخلافات بين تلك الروايات وبعضها البعض بحيث انه لا يمكننا التأكد بشكل حاسم وقاطع بشخصية جامع القران او توقيت جمعه او كيفية حدوث عملية الجمع ([3]) فالرواية السنية الاشهر، ترى ان ابا بكر هو الذى امر بجمع القران الكريم فى فترة خلافته وذلك بعد طلب من عمر بن الخطاب ،فأنه لما قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة فى قتال مسيلمة الكذاب ،اشار عمر بن الخطاب على ابى بكر الصديق رضى الله عنهما بجمع القران، مخافة ان يذهب بموت القراء ،فجمعه فى صحف غير مرتب السور وبقيت تلك الصحف عند ابى بكر ،ثم عند عمر بعده، ثم عند بنته حفصة ام المؤمنين ([4])

وترى تلك الرواية ان ابا بكر قد كلف زيد بن ثابت بمهمة جمع القران،فقام زيد بتتبع القران ونسخه من الصحف والعسب واللخاف وصدور الرجال ([5]) اما الراى الثانى فى مسألة جمع القران ،فترى ان على بن ابى طالب هو اول من قام بجمعه، فعن محمد بن سيرين انه قال لما توفى النبى(عليه الصلاة والسلام) أقسم على ان لا يرتدى برداء الا لجمعة حتى يجمع القران فى مصحف ففعل ([6])

وتؤكد بعض الروايات الشيعية على اولية جمع القران على يد  على بن ابى طالب، ولكنها تعطى للمسألة ابعاد سياسية واضحة ،فيورد الطبرسى فى كتابه الاحتجاج عن ابى ذر الغفارى انه قال  لما توفى رسول الله r جمع على u القران وجاء به الى المهاجرين والانصار وعرضه عليهم لما قد اوصاه بذلك رسول الله (عليه الصلاة والسلام) ، فلما فتحه ابو بكر خرج فى اول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال : ياعلى اردده فلا حاجة لنا فيه ،فأخذه على u وانصرف ثم احضروا زيد بن ثابت – وكان قاريا للقران – فقال له عمر: ان عليا جاء بالقران وفيه فضائح المهاجرين والانصار ، وقد راينا ان نؤلف القران ونسقط منه ما كان فضيح وهتكا للمهاجرين والانصار ([7])

و يتضح من تلك الرواية ان عملية جمع القران التى قام بها على بن ابى طالب كانت بناء على وصية او امر مباشر وصريح من الرسول (عليه الصلاة والسلام) الى على  قبل وفاته ، وهو ما يعطى لتلك العملية صبغة دينية بحتة ،وهو الامر الذى لا تذكره الرواية السنية عن جمع على  للقران ،فالرواية السنية ترى ان عملية جمع على للقران كانت اجتهاد شخصى منه وليست بناء على امر نبوى

اما الراى الثالث فى مسألة جمع القران ،فيرى ان عمر بن الخطاب هو اول من قام بعملية الجمع وذلك ابان فترة خلافته ،ذلك ان عمر قد سأل عن اية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان يوم اليمامة ،فقال : انا لله ،وامر بالقران فجمع ،وكان اول من جمعه فى المصحف ([8])

اما الراى الرابع ، ان عمر قد ابتدا جمع القران فى زمن خلافته ولكنه لم يتم جمعه حتى تم اغتياله ،فلما تولى عثمان بن عفان الخلافة ،قام بمتابعة عملية جمع القران حتى اتمها وجمعه فى مصحف واحد ([9])

 

ثالثا:- مصحف عثمان وحرق مصاحف الصحابة

تتفق الروايات التاريخية على ان هناك عملية اخرى من عمليات جمع القران قد جرت فى زمن  عثمان بن عفان ، وان تلك العملية كانت مختلفة عما جرى فى العهود السابقة له.

وهناك روايتان مهمتان تفسران سبب الجمع الثانى للقران فى عهد عثمان ، الرواية الاولى تذكر ان الصحابى  حذيفة بن اليمان كان مشتركا فى حركة التوسع الاسلامى فى مناطق ارمينية واذربيجان ، وانه اثناء الغزو لمس اختلاف الجند المسلمين العراقيين والشاميين فى قراءتهم للقران ، وشاهدهم وهم يخطئون بعضهم البعض وكيف ان كلا من الفريقين يتعصب لقرائته ويعتبرها هى القراءة الصحيحة الوحيدة للقران وينتقد قراءة الطرف الاخر ، مما ادى لحدوث حالة من التوتر والغضب فى المعسكر الاسلامى ،ولذلك فإن حذيفة  بعدما رجع الى المدينة ،سارع بالتوجه للخليفة وابلغه بما لمسه من اختلاف بين جند الامصار ،وقال له ياأمير المؤمني ،ادرك هذه الامة قبل ان يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والانصارى ([10])

اما الرواية الثانية التى تفسر توحيد المصاحف فى زمنعثمان ،فترى انه قد حدث اختلاف فى قراءة القران بين الغلمان والمتعلمين فى المدينة فى زمن عثمان حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ عثمان فقام خطيبا فقال :انتم عندى تختلفون وتلحنون ،فمن نأى عنى من الامصار اشد فيه اختلافا واشد لحنا،اجتمعوا يأصحاب محمد ،فاكتبوا للناس اماما([11])

وتبين الروايتان الاختلاف الذى حدث بين المسلمين فى قراءتهم للقران فى عهد عثمان فالرواية الاولى تبين ان الاختلاف كان فى اطراف الدولة وامصارها المختلفة، اما الرواية الثانية فتوضح ان الخلاف كان ضاربا فى عمق الدولة ومركزها وعاصمتها العظمى فى المدينة المنورة

وقد ادت تلك الخلافات الضارية بين المسلمين الى ان يقوم الخليفة بجمع الناس على مصحف واحد عرف بالمصحف الامام او بالمصحف العثمانى

وقد عمل عثمان على تشكيل لجنة لجمع القران وكتابته فى مصحف واحد ،ويوجد خلاف حول عدد اعضاء تلك اللجنة ،فتوجد بعض الروايات التى ترى ان تلك اللجنة قد تشكلت من اثنى عشر رجلا من قريش والانصار([12]) ،بينما تذكر اغلبية الروايات ان تلك اللجنة قد تشكلت من اربعة رجال ،وهم:-

  • زيد بن ثابت
  • سعيد بن العاص
  • عبد الله بن الزبير
  • عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ([13])

ومن الضرورى قبل ان ننتقل الى تناول الية جمع اللجنة للقران ، ان ننظر الى اعضاء تلك اللجنة لمعرفة الاسباب التى جعلت الخليفة الثالث يسند اليهم هذه المهمة .

  1. زيد بن ثابت

كان  زيد بن ثابت  احد الصحابة الذين جمعوا القران حفظا على عهد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) ([14]) وكان صاحب دور كبير فى عملية جمع القران الاولى فى زمن ابى بكر ، اى ان زيد كان يمتلك من الملكات الفردية والخبرات السابقة ما يؤهله لتولى تلك المهمة فى عهد عثمان

الا ان اهم مقوماتزيد التى جعلت عثمان يسند اليه هذه المهمة- من وجهة نظرى- كانت ان زيد عنده علم واطلاع على الكتب المقدسة السابقة مثل التوراة والاناجيل

فقد ورد ان الرسول (عليه الصلاة والسلام) قد طلب من  زيد بن ثابت  ان يتعلم اللغة العبرية او اللغة السريانية،فأمتثل زيد لأمر الرسول(عليه الصلاة والسلام) وقام بتعلم تلك اللغة ، حتى اتم ذلك فى وقت صغير([15])

كما ان من اهم الاساب التى دعت  عثمان لتعيين زيد فى رئاسة لجنة جمع القران ، ان زيد كان معروفا بتحيزه لعثمان وولائه له، حتى اننا نجد ان زيد كان من ضمن الصحابة القلائل الذين وقفوا بجوار الخليفة وقت حصاره وانه بالغ فى الانكار على الثوار الذين قتلوا عثمان بعد ذلك ([16])

  1. سعيد بن العاص

هو سعيد بن العاص بن سعيد ابى احيحة سعيد بن العاص بن امية بن عبد شمس بن مناف بن قصى بن كلاب  ([17])

قتل ابيه كافرا فى موقعة بدر على يد على بن ابى طالب ، وكان عمره تسعة اعوام فقط وقت وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ، وكان سعيد بن العاص مع معاوية بن ابى سفيان فى الشام حتى استدعاه عثمان فأقام عنده حتى كان من رجال قريش  ([18]) ثم زوجه عثمان  ببنته ام عمرو ،وبعد ان قام عثمان  بعزل الوليد بن عقبة عن ولاية الكوفة ،قام بتعيين سعيد واليا عليها ([19])

اذن فسعيد بن العاص كان من شيعة عثمان وكان من اهله من بنى عبد شمس ،وذلك جعله من اخلاص رجال الخليفة الاموى واشدهم ثقة وقربا اليه، ولكنه فى الوقت ذاته لم يكن يحمل من صفات العلم والدين ما يؤهله لان ينال مكانا داخل لجنة جمع القران

  1. عبد الله بن الزبير

كان لابن الزبير مكانة كبيرة فى صفوف الجيل الجديد من الصحابة، فهو ابن الزبير بن العوام حوارى رسول (عليه الصلاة والسلام) ،وهو حفيد ابى بكر ، كما ان ولادته فى المدينة كأول مولود للمهاجرين بعد الهجرة كانت حدثا سعيدا للمسلمين جميعا

الا ان تلك الاسباب لم تكن هى الاسباب المؤهلة لانضمان عبد الله  للجنة جمع القران، بل ان الشجاعة التى ابداها  ابن الزبير فى فتوح افريقية قد لفتت اليه الانظار فى المدينة ،فإذا ما اضفنا الى ذلك زواجه من عائشة  بنت عثمان بن عفان ([20]) عرفنا كيف تم اختياره لذلك المنصب ،وقد كان عبد الله من الصحابة الذين شهروا سلاحهم للدفاع عن الخليفة المحصور يوم الدار، كما انه كان احد قادة الجيش المطالب بثأره يوم الجمل

  1. عبد الرحمن بن الحارث بن هشام

هو العضو الرابع فى لجنة جمع القران ، والمعلومات المتوارفة عنه قليلة جدا، ولكنها تذكر انه كان صهرا لعثمان لانه كان متزوجا من بنته مريم ([21])  وكذلك فإن عبد الرحمن كان من ضمن من حاولوا الدفاع عن الخليفة يوم الدار، واشترك كذلك فى موقعة الجمل ضمن صفوف جيش عائشة للقصاص والثأر لدم عثمان ([22])

طريقة جمع مصحف عثمان

يوجد اختلاف كبير فى الروايات التى تنقل لنا ما قامت به اللجنة المكلفة بجمع القران من قبل عثمان بن عفان فقد اورد  ابن ابى داود السجستانى فى كتابه  المصاحف ان عثمان قد قال : ما كان عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان ،فجاء خزيمة بن ثابت فقال : انى قد رايتكم تركتم ايتين لم تكتبوها ،قالوا: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله (عليه الصلاة والسلام) لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم الى اخر السورة ،قال عثمان : فأنا اشهد انهما من عند الله ،فأين ترى ان نجعلهما ؟ قال: اختم بهما اخر ما نزل من القران ،فختمت بهما براءة ([23])

اما ابن كثير فيورد لنا فى كتابه فضائل القران انه بعد ان ابلغ حذيفة بن اليمان عثمان بن عفان ،بما لقيه من اختلاف بين اهل العراق والشام حول قراءة القران ، ان عثمان قد ارسل الى حفصة بنت عمر ان ارسلى الينا بالصحف ننسخها ،ثم نردها اليك فأرسلت بها حفصة الى عثمان ([24])

والفارق بين الروايتيين واضح وظاهر ،فالرواية الاولى لا تستقيم مع كون القران قد تم جمعه اوليا فى زمن خلافة ابى بكر كما هو مشهور ،فكيف يكون القران قد تم جمعه فى زمن ابى بكر ثم يقوم عثمان بدعوة المسلمين مرة اخرى فى زمنه لاعادة تسجيل وتدين ما يحفظونه من القران؟؟

وبالاضافة الى ذلك، اننا نجد ان رواية اضافة الايتين اللتان قد وجدتا مع خزيمة بن ثابت قد تكررت ضمن الروايات التى تذكر عملية جمع القران فى عهد ابى بكر، وعلى هذا فإن اغلب الظن ان تلك الرواية تذكر واقعة قد حدثت فى زمن الجمع الاول فى عهد ابى بكر ،وقام بعض الرواة-عن طريق الخطأ والوهم – بإعادة انتاجها وروايتها عن عملية الجمع الثانية التى جرت فى عهد عثمان بن عفان

اما الرواية الثانية التى تذكر نسخ الصحف التى كانت محفوظة عند حفصة ،فهى الرواية الاقرب الى الصحة والمنطق السليم، خصوصا وان هناك عدد من الروايات الاخرى التى تذكر ان عثمان قد نبه على اعضاء اللجنة بعدد من الملاحظات التى تتعلق بعملية النسخ ولا علاقة لها بعملية الجمع ،ومعنى ذلك ان جهود  اللجنة التى عينها عثمان كانت مقتصرة على عملية الكتابة وضم الصحف بعضها الى بعض وجعلها فى مصحف واحد

فقد طلب عثمان من اللجنة الرباعية انه فى حالة اختلافهم فى شئ من القران ان يكتبوه بلسان قريش ، اى ان يقوم زيد بمتابعة القريشيين الثلاثة فيما يتفقون عليه ([25])

وقد حدث ذلك الاختلاف فى الكثير من الاحيان، ومن ذلك ان  زيد قد اختلف مع القريشيين الثلاثة فى كيفية كتابة كلمة التابوت ،فكان يرى كتابتها التابوه اما هم فكانوا يرون كتابتها التابوت ،فلما اختلفوا رفعوا الامر الى الخليفة فقال اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش  ([26]) ، ويبدو ان الخليفة كان يشارك بشكل كبير فى عملية النسخ ولم يقتصر دوره على ابداء الراى والنصيحة وحسم الخلافات بين اعضاء اللجنة فحسب ([27])

وقد استمرت عملية نسخ صحف القران بلغة قريش حتى تم تجميع القران فى مصحف واحد، وعرف ذلك المصحف بالمصحف الامام او بمصحف عثمان، وبعدها قام عثمان برد الصحف الى حفصة وارسل الى كل افق بمصحف مما نسخوا ،وامر بما سواه من القران فى كل صحيفة او مصحف ان يحرق ([28])

وهناك اختلاف فى عدد المصاحف التى نسخها عثمان،فهناك اقوال ترى انه قد نسخ اربعة مصاحف بينما اقوال اخرى انه قد نسخ عدد اكثر من المصاحف قد يصل بثمانية مصاحف ([29])

وقد تم ارسال نسخة من مصحف عثمان الى حواضر الدولة الاسلامية الرئيسية فى كل من مكة-الشام-اليمن-البصرة-الكوفة-البحرين،وتم ترك نسخة من هذا المصحف فى المدينة عند عثمان بن عفان([30])

 

رابعا:- رد فعل الامصار تجاه حرق المصاحف

كان هناك رد عنيف وقوى من اهل الامصار الاسلامية تجاه امر الخليفة بحرق المصاحف المنتشرة واقرار مصحفه كمصحف رسمى ،فقد اعتبر الكثير من اهل الامصار ان ما فعله الخليفة كان خطئا فادحا ، بل واعتبروه مبتدعا فى دين الله ([31]) لانه قام بما لم يفعله الرسول (عليه الصلاة والسلام) ولا خليفته ابو بكر وعمر ،ولذلك كانت قضية مصحف عثمان وحرقه لبقية المصاحف احدى اهم النقاط التى كانت سببا فى الثورة على الخليفة الثالث فيما بعد([32])

كانت هناك عدد من المصاحف التى كانت منتشرة فى مختلف الامصار الاسلامية ،ولا يمكن ان نحدد عدد تلك المصاحف على وجه الدقة، ولكن هناك مجموعة من المصاحف المشهورة ،مثل :-

  1. مصحف عبد الله بن مسعود ،وكان منتشر فى الكوفة
  2. مصحف ابو موسى الاشعرى،وكان منتشر فى البصرة
  3. مصحف المقداد بن الاسود،وكان منتشر فى دمشق
  4. مصحف ابى بن كعب ،وكان منتشر فى عموم الشام ([33])

وبالاضافة الى تلك المصاحف السابقة فقد وجدت بعض المصاحف الاخرى التى لم تعرف بأنتشارها فى مكان بعينه،مثل:-

  1. مصحف على بن ابى طالب
  2. مصحف ابو الدرداء
  3. مصحف عبد الله بن العباس

وكان الاختلاف بين تلك المصاحف مقبول من الناحية الدينية، لان العديد من الاحاديث والاثار النبوية قد بينت ان القران الكريم قد نزل بسبع احرف ،وهو ما فسره المسلمون منذ وقت مبكر بإمكانية قراءة القران بسبع لهجات او سبع قراءات مختلفة،ولذلك لم يتعرض المسلمون الاوائل من الصحابة لتلك المسألة ،ولم يحاول الخليفة الاولابو بكر ولا خليفته عمر بن الخطاب ان يتعرضوا لها، وكان الاعتقاد السائد فى ذلك الوقت انه يمكن قراءة القران بأى حرف من الحروف السبعة التى اطلق الرسول (عليه الصلاة والسلام) للمسلمين القراءة بها ([34])

ولذلك لما قام عثمان بما قام به من توحيد للمصاحف فى مصحف واحد ، كان من الطبيعى ان يواجه بعاصفة من الانتقادات التى تزايدت حتى كانت سببا فى الثورة عليه

ولا تحدثنا الروايات التاريخية عن حدوث مخالفة او اعتراض داخل المدينة عاصمة الدولة الاسلامية على امر حرق المصاحف،بل ان المصدر الرئيسى للاعتراض على تلك المسألة كان هو الامصار الاسلامية المختلفة ([35])

وكان عبد الله بن مسعود هو اكثر الصحابة الذين اظهروا غضبهم وسخطهم على حرق المصاحف،خصوصا وان مصحفه كان منتشر بشكل واسع النطاق فى الكوفة ،بل انه من الواضح ان ابن مسعود كان عظيم التأثير فى الكوفة وكانت له سلطة دينية ومعنوية كبيرة بها، ويظهر ذلك ويتضح فى قول حذيفة بن اليمان عندما خاطب ابن مسعود قائلا:

واما انت ياعبد الله بن مسعود فبعثت الى اهل الكوفة معلما فأخذوا من ادبك ومن لغتك ومن قراءتك ([36])

وقد ظهرت قوة وسطوة ابن مسعود بوضوح عندما اصطدم بـ سعد بن ابى وقاص والى الكوفة وبطل القادسية ،ذلك الصدام الذى لم يتم حله الا بعد ان قام الخليفة عثمان بن عفان بعزلسعد وتولية الوليد بن عقبة مكانه.

فما كان موقف ابن مسعود اذن من مسألة حرق المصاحف؟!

الحقيقة ان ابن مسعود قد قام بأنتقاد الخليفة بشكل علنى واضح وصريح ،واعلن على الملاء انه اعرف الناس بالقران الكريم،فقال :

والذى لا اله غيره لو اعلم احدا اعلم بكتاب الله منى تبلغينه الابل لرحلت اليه ([37])

وقال لقد علم اصحاب رسول الله (عليه الصلاة والسلام) انى اقرؤهم لكتاب الله ([38])

ولم يكتفى ابن مسعود بإبراز دوره ومكانته العلمية ، بل انه هاجم زيد بن ثابت  رئيس اللجنة التى عينها عثمان لنسخ المصاحف ،وتوجد الكثير من الروايات التى تبين غضب ابن مسعود من تعيين زيد  لتلك المهمة ،ومن ذلك قول ابن مسعود لقد قرأت من في رسول الله r بضعا وسبعين سورة وان لزيد بن ثابت ذؤابتين له ([39])

وقوله اى معشر المسلمين أأعزل عن نسخ كتاب المصاحف فيولاها رجل ،والله لقد اسلمت وانه لفي صلب رجل كافر ([40])

ويبدو ان ابن مسعود كان يرى ان مسألة كتابة المصحف يجب ان تسند الى رجل من مضر ([41]) وليس الى يمنى من الانصار مثل زيد بن ثابت

وقد حاول ابن مسعود بشتى السبل ان يمنع قرار عثمان  بحرق المصاحف ،وشجع اهل الكوفة  على الاحتفاظ بمصاحفهم ،وكان يقول لهم:

ياأهل الكوفة……. اكتموا المصاحف التى عندكم وغلوها ،فإالله يقول ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ،فألقوا الله بالمصاحف ([42])

وعندما وصلت اعتراضات ابن مسعود ؟ غضب إذ لم أوله نسخ المصاحف!

فهلا غضب على ابى بكر وعمر، وهما عزلاه عن ذلك ، ووليا زيدا فأتبعت فعلهما ([43])

على انه بالرغم من كثرة الروايات التى توضح المعارضة الشديدة التى لاقاها أمر حرق المصاحف من قبل ابن مسعود وأهل الكوفة خصوصا والعراقيين عموما، الا اننا لا نكاد نسمع عن اى معارضة تذكر لهذا القرار من جانب الولايات الشامية ولا من كبار قرائها من كبار الصحابة وعلمائهم ،بل انه على العكس من ذلك، فأننا نجد ان ابا الدرداء قد اعلن امتثاله لامر الخليفة ،ليس ذلك فحسب بل اننا نجده ينتقد ابن مسعود فيتسائل مندهشا كنا نعد عبد الله جبانا فما باله يواثب الامراء؟ ([44])

ولعل ذلك التعارض بين خطى تعاطى ابن مسعود وابو الدرداء مع مسألة حرق المصاحف وتوحيد المسلمين على مصحف الامام او مصحف عثمان، لعل ذلك التعارض يبين الاختلاف بين الظروف والمناخ السياسى والاجتماعى والثقافى بين العراق والشام ، وهو الامر الذى سيتضح بجلاء بعد ذلك حينما تقوم العراق بالثورة بينما تقف الشام فى صف الثورة المضادة.

خامسا:- ملاحظات حول مصحف عثمان

الملاحظة الاولى

اننا اذا نظرنا الى مسألة جمع المسلمين على مصحف واحد فى عهد الخليفة عثمان بن عفان من وجهة نظر سياسية بحتة ،وجدنا ان الهدف الاساسى لتلك العملية كان هو التأكيد على سلطة الدولة ومركزيتها ومحاولة للقضاء على مراكز القوى الدينية المنتشرة فى الامصار الاسلامية المختلفة

فقد كانت مصاحف ابن مسعود وابو موسى الاشعرى وغيرهم ،منتشرة بشكل كبير فى الامصار ،وكان اهل تلك الامصار يتعصبون لها بشكل واضح،حتى انه يمكن القول ان تلك المصاحف قد صبغتهم بصبغتها ودخلت فى تكوين وصنع هويتهم الدينية – الثقافية الى الحد الذى جعلهم على شفا التناحر وقتال بعضهم بعضا ،فكان فى احراق تلك المصاحف اعلاء لفكرةالدولة الام،التى ترجع الى مصدر دينى  تشريعى واحد ثابت لا الى مصادر مختلفة متغيرة ،ولذلك فأنه يمكن القول ان مسألة جمع القران وكتابة مصحف عثمان فى عهد الخليفة الثالث ،كانت تتشابه-سياسيا – بشكل كبير مع مسألة قتال المرتدين يفى الزكاة فى عهد الخليفة الاول ،وان كان قتال المرتدين هو امر يتعلق بوحدانية المصادر الاقتصادية فى الدولة ،فقد كان توحيد المصحف هو امر يتعلق بوحدانية ايدلوجية الدولة

الملاحظة الثانية

انه من اهم المزايا والخصائص التى تميز بهم مصحف عثمان هو كيفية ترتيب السور القرانية به

ففى حين تتفق أغلب المصاحف التى كانت منتشرة فى الامصار على كون ترتيب السور كان بحسب اسبقية النزول ،فأننا نجد ان مصحف عثمان قد اتبع ترتيبا مغايرا

فإذا ما نظرنا الى اول عشر سور فى مصحف عثمان ،وجدنا انه من ضمن العشر سور ،توجد ست سور مدنية([45])

وفى ظنى ان ذلك الترتيب لم يكن امرا اعتباطيا او مجرد صدفة ،فمن المعروف ان ترتيب السور فى المصحف العثمانى كان امرا اجتهاديا من قبل عثمان بن عفان و زيد بن ثابت ([46])

واعتقد ان وضع السور المدنية فى بدايات المصحف كان له سبب مهم ،الا وهو تقديم السور التى تحمل الاوامر والتشريعات الناسخة والنهائية فى الشريعة الاسلامية لاننا اذا نظرنا الى سور مثل البقرة والنساء والتوبة مثلا، وجدنا انها تحمل القدر الاكبر من الاحكام المتعلقة بالحدود واحكام الميراث واحكام الحرب وقتال الاعداء والتعامل مع اليهود والنصارى واحكام الغنيمة والفئ والآيات المتعلقة بالبيع والشراء والربا والدين والنواحى الاقتصادية ،اى ان تلك السور كانت بمثابة مقدمة مسهبة للدستور التى تسير به الدولة الاسلامية واقصد به القران

اذن كانت رغبة عثمان فى اعلاء قيمة الدولة واستكمال مؤسساتها التى بدأ عمر فى بنائها ،سببا فى تصدير اجزاء المصحف الاولى بما يتناسب مع ما اراده من ايجاد كيان تشريعى ثابت لها

========================================================================================

الهوامش:

([1]) ابن سعد ،الطبقات الكبير،جـ2،صـ306-307

([2]) ابن سعد،الطبقات الكبير ،جـ2،صــ307-308

([3]) محمد جواد البلاغى النجفى،الاء الرحمن فى تفسير القران،جـ1،صـــ19

([4]) السجستانى ،المصاحف ،صـ158؛محمد بن احمد بن جزى الكلبى،التسهيل لعلوم التنزيل ،جـ1،صـ7؛بدر الدين الزركشى،البرهان فى علوم القران ،صـ166؛ابراهيم الابيارى،تاريخ القران،صـ!02

([5]) السجستانى،المصاحف،صـ159

العسب :- جريدة النخل

اللخاف:-الحجارة الرقيقة

([6]) السجستانى،المصاحف،صـ169

([7]) الطبرسى،الاحتجاج،جـ1،صـ156

([8]) السجستانى ،المصاحف ،جـ1،صـ171

([9]) السجستانى،المصاحف،جـ1،صــ171-172

([10]) السجستانى،المصاحف،جـ1،صـ179-180؛علم الدين السخاوى،جمال القراء وكمال الاقراء،صـ89؛محمد بن احمد بن جزى الكلبى،التسهيل لعلوم التنزيل،جـ1،صـ7؛ابن كثير،فضائل القران ،صـ66-67؛بدر الدين الزركشى،البرهان فى علوم القران ،صـ166؛ابن خلدون،العبر وديوان المبتدأ والخبر ،جـ2،صـ583؛جلال الدين السيوطى ،الاتقان فى علوم القران،صـ388؛ابراهيم الابيارى ،تأريخ القران،صـ104؛مناع القطان،مباحث فى علوم القران،صـ124

([11]) السجستانى،المصاحف ،جـ1،صـ204

([12]) السجستانى،المصاحف ،جـ1،صـ213-214

([13]) ابن خلدون ،العبر وديوان المبتدأ والخبر،جـ2،صــ583

([14]) ابن سعد،الطبقات الكبير،جـ2،صـ306-307

([15]) ابن سعد ،الطبقات الكبير ،جـ2،صـ309؛السجستانى،المصاحف ، جـ1،صـ143

([16]) ابو نعيم الاصبهاني،الامامة والرد على الرافضة ،صـ331

([17]) ابن سعد،الطبقات الكبير ،جـ7،صـ33

([18]) ابن خلدون،العبر وديوان المبتدأ والخبر ،جـ2،صـ581

([19]) ابن خلدون،العبر وديوان المبتدأ والخبر ،جـ2،صـ581

([20]) ابن سعد،الطبقات الكبير ،جـ6،صـ473

([21]) ابن الاثير،اسد الغابة فى معرفة الصحابة،جـ3،صـ428

([22]) ابن الاثير،اسد الغابة فى معرفة الصحابة ،جـ3،صـ428

([23]) السجستانى ،المصاحف،جـ1،صـ171-172

([24]) ابن كثير،فضائل القران،صـ67

([25]) ابن كثير ،فضائل القران ،صـ67

([26]) السجستانى ،المصاحف،جـ1،صـ199؛ابراهيم الابيارى ،تأريخ القران،صـ106

([27]) محمد بن احمد بن جزى الكلبى،التسهيل لعلوم التنزيل،جـ1،صـ7

([28]) ابن كثير، فضائل القران،صـ67

([29]) جلال الدين الاسيوطى ،الاتقان فى علوم القران ،صـ393

([30]) جلال الدين السيوطى،الاتقان فى علوم القران، صـ393

([31]) ابو بكر بن العربى المالكى، العواصم من القواصم،صـ280

([32]) د/اكرم ضياء العمرى،عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق مناهج المحدثين ، صـ417

([33]) ابراهيم الابيارى، تأريخ القران،صـ107

([34]) ابن القيم الجوزية،الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ،صـ47

([35]) شمس الدين الذهبى، تذكرة الحفاظ ،صـ8

([36]) السجستانى،المصاحف جـ1،صـ182

([37]) شمس الدين الجزرى الدمشقى ،غاية النهاية فى طبقات القراء،جـ1،صـ410

([38])شمس الدين الجزرى الدمشقى ،غاية النهاية فى طبقات القراء،جـ1،صـ410

([39]) السجستانى ،المصاحف ،جـ1،صـ189؛شمس الدين الذهبى، طبقات القراء،صـ11

([40]) ابن شبة،تاريخ المدينة المنورة،جـ1،صـ1005؛السجستانى ، المصاحف ،جـ1،صـ191

([41]) ابن عبيد القاسم بن سلام،فضائل القران ومعالمه وادابه ،جـ2،صـ172

([42]) السجستانى،المصاحف،جـ1،صـ191

([43]) شمس الدين الذهبى،معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار،صـ120

([44]) ابن كثير ،فضائل القران،صـ81

([45]) السور المدنية المقصودة هى البقرة- ال عمران- النساء- المائدة- الانفال- التوبة

([46]) محمد بن احمد بن جزى الكلبى،التسهيل لعلوم التنزيل ،جـ1،صـ7؛مناع القطان،مباحث فى علوم القران،صــ135-138

التعليقات