ميراث الأساتذة والباحثين من المكتبات الخاصة .. أين يذهب ؟ – بقلم محمد جمعة عبد الهادي موسى

نشرت في مايو 24, 2017 عن طريق - قسم محمد جمعة عبد الهادي موسى موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

من يرث المكتبات الخاصة لأساتذة الجامعات والباحثين والمفكرين، أو بالأحرى إلى أين تذهب هذه المكتبات بتخصصاتها المختلفة تبعًا لتخصص صاحبها، لعل هذا السؤال الجوهري والرئيسي في التطلع إلى البحث في تاريخـ المكتبات الخاصة بالباحثين والمفكرين وغيرهم، وما الذي كانت تحتويه من مادة مطبوعة، ومادة خطتها أيديهم أيضًا. أضف إلى ذلك سؤالا مُهمًا من الذي يرث هذه المكتبات الخاصة لأساتذة الجامعات والباحثين والمفكرين ..؟ وكيف حال هذه المكتبات التي تركت في ركام المنازل دونما التطرق إلى تصريفها إلى جهات تستفيد منها؟

الإجابة على ذلك تحتاج الوقوف على أعلام الفكر والمجتمع الذين امتلكوا مكتبات خاصة في منازلهم، وليس في المقدور فعل ذلك، سوى الخروج من مركز الدائرة، والنظر عليها من أعلى في جهة واحدة، وهذه الجهة نعني بها مكتبات المتخصصين في الدراسات التاريخية والإسلامية بشكل خاص؛ لأن أغلب المؤلفات والأبحاث تتعلق بهذا التخصص في مجالي، أو بدقة فيما يتعلق الكتب التراثية والتاريخية على مختلف أنواعها.

وقد أثير هذه الموضوع بالتساؤل مع أحد الأساتذة الكبار الذين لهم مكتبة مشهود له بتنوعها الكبير واشتمالها على كتب في مختلف الفروع التاريخية، هو العالم الجليل (ا.د/ محمود عرفة محمود، استاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة، واستاذ مناهج البحث)، وطلبت منه أن أقوم على فهرسة مكتبته وإعداد قاعدة بيانات لها لتكن مُجهزة الاستخدام له، اندلف بعدها نحوي يتحدث عن قيمة هذه المكتبة، وأهميتها له كمصدر للبحث والتأليف والجمع والترتيب.

وبالتالي فلن يجمع مُفكر وعالم وباحث لمكتبة خاصة له بمنزله إلا إذا كان مُحبًا لثلاثة أمور: القراءة والبحث والكتابة، فحبه للقراءة يدفعة إلى الاطلاع على العلوم المُختلفة، كما أن فكره سيدفعه بلا شك إلى البحث في الكتب عن معلومة ما تشغله، وقد ذكر الاستاذ المشار إليه انشغاله ببحث كان يعكف عليه حتى إذا نام قد يفكر في عنصر له فيه يشغله، فإذا به يستيقظ ليلا ويهرع إلى مكتبته للبحث عن هذا العنصر خلال إعداده لرسالته للماجستير، ويقوم على تدوينه.

أما الكتابة، فكثير ما يقوم العالم أو الباحث بتشكيل مكتبته لكي تكون عونا له على الكتابة والتأليف، لذا لم تكن هذه الأمور مجهولة لدى المُهتمين بإنشاء المكتبات الخاصة في منازلهم، لقد كان أمرًا واضحًا حتى عند الذين انتهى بهم سنًا مُعينًا من عمرهم إلى القراءة والجلوس والعكوف عليها، وسط هذه الكتب التي قضى معها عمره وأفناه في الاطلاع عليها والبحث في ورقاتها الصغيرة، فكتب بخط يده مادة اهتدى إليه فكره استخلصها من هذه الكتب.

وكثير من المفكرين والأدباء والكتاب الذين كانوا لديهم مكتبات خاصة، يثار حولهم الفضول من لدن كثير من الباحثين والمختصين حول ما كانوا يقرأون أو يطلعون، ومدى تشكيل ذلك لفكرهم وثقافتهم، فبلاشك أنه أمرًا مُهما، تتجلى ضرورته في معرفة مسلكهم أو التنبه لمواطن الثقافة والعلم التي كانوا ينهلون منها ليستفيد جيل في عمرهم أو من بعدهم من هذا التراث الذي تركوه، وجمعوه.

كما أن جمع الكتب وترتيبها وفهرستها وتصنيفها أمرًا بالغ الأهمية، وهذا أمر يشير بلا شك معرفتهم بطرق هذه الفهرسة أو التصنيف الموضوعي لهذه المكتبة، كأن يقوم على ترتيبها موضوعيًا بوضع كتب التاريخـ منعزلة عن كتب الفلسفة، منعزلة عن كتب الثقافة القانونية، أو ما شابه.

لا نجد -أحيانًا- لهؤلاء المفكرين والعلماء والأدباء والباحثين ورثة لهم كانوا على نهجهم العلمي، أو لهم منحى في تخصصاتهم العامة أو الدقيقة، ولعلنا لا نجد ذلك واضحًا إلا عند أساتذة الجامعات، فقد يكن أحد أبنائهم قد التحق بمسيرة التعليم الجامعي وأصبح عضوًا في هيئة التدريس، وهنا سيرث هذا الابن مكتبة أباه، ولن تذهب هنا أو هناك، الأمر أيضا مُرتبط بأساتذة القانون والطب والعلوم الأخرى، في ميراثهم من كتب العلم التي تركوها، وبصماتهم الواضحة على قراءة كل كتاب بالمكتبة، وأثره في تشكيل ثقافتهم.

إذا لم يوجد من يرث هذه التركة من الكتب العلمية، فإن مآلها يذهب إلى بعض الجهات، كدار الكتب، التي تهتم بمثل هذا التراث من المكتبات الخاصة، وتحصل عليه، وتجعله إما في ركن خاص باسم صاحبها، لتكون: مكتبة الأستاذ .. الخاصة، أو تقوم بإيداعها في داخل فهرستها العامة، باسم الاهداء، وتتاح للاطلاع للقارئين والباحثين، ويختم عليها بختم يفيد أنها اهداء إلى الدار من قبل ورثة العالم أو المفكر أو الأديب الفلاني، أو ربما هو نفسه يوصي بإن تذهب هذه المكتبة إلى جهة معينة تكن دار الكتب أو أي مكتبة أخرى أو جهة أخرى تستقبلها.

نستطيع أن نجعل هذا الموضوع محلا للبحث والدراسة، وهو في حد ذاته إشارة يمكن استكمالها بالبحث في تاريخ المكتبات الخاصة للعلماء والمفكرين والباحثين والاساتذة، والخروج بنتائج طيبة حول ما آلت إليه، أو ما احتوته من كتب ومواد شكلت ثقفتهم تكن جزءا من تاريخهم العلمي والثقافي، فرحمهم الله رحمة واسعة وأسكنهم الله فسيح جناته، وجعل ما تركوه في خدمة العلم في ميزان حسناتهم.

التعليقات