التاريخ … مفهوم الحضارى – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في سبتمبر 7, 2015 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

التاريخ هو الحضارة فى أحد معانيه ؛ فالتاريخ والحضارة مترادفان يحملان معنى واحدًا. فالتاريخ يحمل قصة الإنسان فى الكون، ورحلته عبر الزمان ، وهى رحلة ما تزال مستمرة . كانت خطوات الإنسان الأولى فى مسيرته التاريخية هى نفسها خطواته الأولى فى محاولة بناء الحضارة؛ ولهذا السبب كانت رحلة الإنسان، ورحلة تاريخه ، ورحلة حضارته واحدة . ولهذا السبب كانت رحلة المعرفة التاريخية، أو «تاريخ التاريخ» موازية لرحلة الإنسان عبر الزمان. ومن ناحية أخرى، كانت الحضارة هى ما أنجزه الإنسان على المستوى المادى واللامادى على امتداد هذه الرحلة وحتى الآن .

التاريخ، فى أبسط معانيه، قصة الإنسان وقصة محاولاته لإعمار الأرض وكشف حقائق الكون. وفى زمن البدايات لم يكن الإنسان يعرف حقائق الكون الذى عاش فى رحابه، لم يكن قادرًا أيضا على فهم الظواهر التى تحيط به فى هذا العالم ، ولم يكن قادرًا على التحرر من أسر الطبيعة؛ فعاش تحت رحمتها . وفى ذلك الزمان كانت الأسطورة بمثابة الحل العقلى والنفسى لعجز الإنسان وجهله ؛ فظهرت الأساطير التى تتحدث عن نشأة الكون، ومظاهر الطبيعة ، وأصل الإنسان … وما إلى ذلك. وفى تلك المرحلة أيضا كانت «المعرفة التاريخية» بدائية وساذجة ؛ فلم يكن الإنسان يعرف كيف يسجل ماضيه أو يحتفظ بذاكرة تاريخية عن هذا الماضى. وهنا كانت الأسطورة ، أيضا ، الحل العقلى والنفسى لمعالجة النقص فى الذاكرة التاريخية البشرية ، وترقيع الخلل فى هذه الذاكرة . وعلى مستوى مسيرة البشر الحضارية كانت الذاكرة التاريخية الساذجة المشوشة والمحاولات البدائية من جانب الإنسان الأول لصنع أدواته وأسلحته ، وبناء مسكنه ، وتأمين غذائه، وتنظيم الجماعة البشرية ، متوازية مع تلك المرحلة من تاريخ الإنسان ومن تاريخ التاريخ . لقد كانت بمثابة الضلع الثالث فى مثلث يجسد تاريخ الإنسان فى الكون عبر الزمان؛ قصة الإنسان وقصة حضارته فى آن معًا .

كان الإنسان فى بداياته الأولى، وكان تاريخ الإنسان فى بداياته الأولى أيضا، ومن ثم كانت «الحضارة» الإنسانية بدائية ساذجة ، فقد كان كل تطور يحدث فى مسيرة الإنسان الحضارية يوازيه تطور فى مجال المعرفة التاريخية. وتفسير ذلك أنه على مستوى الحضارة كان التطور يترك آثاره المادية واللامادية : مرحلة بعد أخرى ، من الجمع والالتقاط حتى بناء المدن والمجتمعات ، ومن البحث عن الغذاء إلى استئناس النبات والحيوان وتحقيق الفائض فى الغذاء وظهور الحرف والصناعات ، ومعرفة التخصص بين قطاعات الجماعة البشرية، وظهور العبادات ، وتنظيم الحكومات . وعلى مستوى الفكر التاريخى كان التطور ينقل المعرفة التاريخية من مرحلة نوعية إلى مرحلة نوعية جديدة ، وهو ما يجعلنا نقول إن التاريخ هو الحضارة فى أحد معانيه . ويلفت النظر هنا أن الأسطورة كانت تحكم إنسان ذلك الزمن البعيد وتشكل تاريخه من ناحية ، وأن المعرفة التاريخية كانت واقعة تحت سيطرة الأسطورة من ناحية أخرى.

لقد كان الفكر التاريخى رفيقًا ملازمًا للإنسان فى كل زمان ومكان . ولذلك فإنه عندما عاش الإنسان الأول على الأسطورة التى عوضت نقص معرفته ورقعت ثقوب ذاكرته، كان فكره التاريخى أسطوريًا ؛ فقد ولدت المعرفة التاريخية فى رحم الأسطورة ، وكبرت فى حجرها عندما كان الإنسان بحاجة إلى هذا النوع من «القراءة الأسطورية» لتاريخه . ولهذا السبب فإن من يقرأ الأساطير الأولى عند الشعوب يجدها تدور حول نواة «تاريخي؛ ، أو يجد فيها الكثير من «التاريخ» ومن يقرأ الكتابات التاريخية الباكرة يجد فيها الكثير من العناصر الأسطورية. وفى هذه الواريخ / الأساطير ، أيضا ، نجد بدايات الحضارة الإنسانية الباكرة فى جوانبها الفكرية والثقافية؛ فقد حملت هذه التواريخ/ الأساطير الإجابات التى توصل إليها الإنسان فى بحثه عن أصول الجماعات البشرية ، وهويتها الحضارية ، فضلاً عن أصول الأشياء والظواهر التى شاهدها الإنسان فى الكون.

هكذا ، كان التاريخ مفهومًا حضاريًا منذ البدايات الأولى. ففى تلك المرحلة الباكرة من تاريخ الإنسان ، وتاريخ التاريخ، نجد محاولات أسطورية لتفسير الوجود الإنسانى فى الكون، وحل اللغز المتعلق بهذا الوجود. وفى تلك المرحلة ، أيضًا نجد محاولات أسطورية لتبرير سلطة الحكام والملوك الذين نسبتهم الأساطير إلى الآلهة والديانات التى ابتكرها البشر. فقد نسبت تلك التواريخ / الأساطير حكام ذلك الزمان إلى حكومات الآلهة، كما نسبت إليهم الفعاليات التاريخية ولم تترك للإنسان سوى دور المفعول به . لقد كانت تلك مرحلة «تاريخية» تتوازى مع تلك المرحلة «الحضارية» من حيث بساطتها وسذاجتها ومن حيث أن قوامها كان الأسطورة والخرافة . أى أن حضارة الإنسان فى تلك الأزمنة البعيدة كان قوامها البحث عن وسائل مادية للسيطرة على الكون الذى يعيش الإنسان فى رحابه من ناحية، والبحث عن وسائل ثقافية تبرر الوجود الإنسانى وتفسره من ناحية أخرى. وفى ذلك الزمان أيضا كان التاريخ يدور حول « نواة تاريخية» واقعية يغلفها الخيال وتحتضنها الأسطورة . وهو ما يبرر ما نزعمه أن التاريخ والحضارة مترادفان على نحو ما . التاريخ هو قصة الإنسان فى الكون والحضارة هى إنجاز الإنسان فى الكون.

التاريخ قصة الإنسان فى الكون، وسيرته فى هذا العالم، ورحلته عبر الزمان . والحضارة تجسيد لهذا كله على المستوى المادى واللامادى عبر القرون. وإذا كان مؤرخو الحضارات يجمعون على أن جميع حضارات الإنسان، منذ البداية حتى الآن، قد أخذت عن الحضارات التى سبقتها- باستثناء الحضارات الأولى التى حددها البعض مثل أرنولد توينبى بعدد معين فى وديان الأنهار فى مصر والعراق والصين والهند- فإن معنى هذا فى التحليل الأخير أن تاريخ الحضارة متصل الحلقات متواصل المراحل شأنه فى ذلك شأن تاريخ الإنسان صانع الحضارة أيضا. وإذا كان الإنسان هو صانع التاريخ فهو أيضًا صنيعة هذا التاريخ، بمعنى أنه يصنع تاريخه حقًا ؛ ولكنه يتشكل بفعل هذا التاريخ أيضا. ومن ناحية أخرى، فإن الإنسان صانع الحضارة ونتاجها فى الوقت نفسه. ومن ثم، فإن التاريخ يحمل مفهومًا حضاريًا ، كما أن الحضارة تحمل مفهوما تاريخيًا.

واللافت للنظر حقًا أن المؤرخين والباحثين وعامة المفكرين والمثقفين يتفقون على أن التاريخ علم موضوعه الماضى الإنسانى . ولما كانت الحضارة محصلة ما أنجزه الإنسان فى الماضى- وهو ما يصدق على الحضارات القديمة والحضارات المعاصرة بالقدر نفسه- فإن الماضى عنصر يجمع بين التاريخ والحضارة . فالحضارة بناء تاريخى متراكم فيما يشبه الطبقات الجيولوچية ، ويحمل بصمات وآثار التفاعل والتواصل المستمر بين الحضارات الإنسانية الأخرى؛ بغض النظر عن عبثيات «نهاية التاريخ» و»صدام الحضارات» ، و «العولمة».

تاريخ البشرية واحد؛ ولكن تجليات هذا التاريخ مختلفة متباينة من زمن إلى زمن آخر ومن مكان إلى مكان مختلف ، ومن أمة إلى أمة غيرها . والحضارة الإنسانية واحدة ولكن تجلياتها مختلفة أيضا. وآية ذلك أنك لن تجد أمة لها تاريخ منعزل تمامًا عن تاريخ الأمم الأخرى ، ولن تجد حضارة لم تأخذ عن حضارة سابقة ، أو معاصرة ، أو مجاورة. صحيح أن لكل أمة تاريخًا خاصًا بها ويحمل بصمات هويتها الحضارية ، وصحيح أيضا أن لكل أمة حضارة شادتها عبر تاريخها؛ بيد أنها جميعا تبدو مثل روافد تصب فى مجرى نهر واحد هو التاريخ الإنسانى والحضارة الإنسانية.

ويلفت النظر هنا أن الجوانب السياسية والعسكرية فى التاريخ ، أو فى الحضارة إن شئت ، هى عوامل الفرقة والتفرقة والتباعد والتخاصم . فالأطماع السياسية والأنشطة العسكرية ، كانت باستمرار من أسباب التباعد والنزاع ؛ ولكن العوامل الفكرية والثقافية فى التاريخ وفى الحضارة على السواء كانت هى عوامل التقارب والتفاعل والمشاركة ؛ وكانت على مدى الزمان تنتقل من شاطئ إلى آخر فى سهولة ويسر. هذا هو مفهوم الحضارى فى التاريخ ، أو المحتوى التاريخى فى الحضارة.

*    *   *

وربما أن التاريخ، فى معناه النهائى الشامل، استجابة لمحاولة الإنسان معرفة ذاته (على المستوى الفردى والجماعى)، ومعرفة علاقة الإنسان بالآخر فى عالمه، فإن التاريخ ، بوصفه علمًا، دراسة إنسانية / اجتماعية تؤكد على أهمية الإنسان ، واختياراته الفردية والاجتماعية، وعلى النظام الأخلاقى والقيمى الذى يحكم الفرد والجماعة البشرية ، فضلاً عن رؤية الذات، والآخر فى هذا العالم؛ ومن هنا فإن التاريخ من أكثر العلوم ارتباطًا بالإنسان . فالتاريخ يلهث وراء الإنسان من عصر إلى آخر محاولاً أن يفهم الإنسان ، وأن يُفهم الإنسان. حقيقة الوجود الإنسانى فى الكون، ووسيلته فى ذلك البحث فى أحوال البشر الماضية من أجل تحقيق معرفة الإنسان بذاته باعتبار ذلك المدخل إلى معرفة الإنسان بالكون فى الحاضر وفى المستقبل . ودراسة أحوال البشر فى الماضى ليست فى حقيقة الأمر سوى دراسة المفهوم الحضارى لمسيرة الإنسان ورحلته فى رحاب الزمان .

وهنا نجد سؤالاً يطرح نفسه فى إلحاح ؛ ترى هل هناك ضرورة للمعرفة التاريخية فى حياة البشر؟ وهل هناك وظيفة حضارية للتاريخ؟

إن بوسعنا الزعم بأن للتاريخ ضرورة اجتماعية تقوم على أساسها وظيفته الحضارية . بمعنى أن كل جماعة بشرية بحاجة إلى المعرفة التاريخية التى تساعدها على معرفة ماضيها ؛ أى أصولها التى تعينها على فهم مكونات حاضرها؛ واستشراف الطريق إلى مستقبلها . وفى رأى بعض الباحثين أن هذه الرغبة فى المعرفة التاريخية تكاد تقترب من الرغبة الغريزية التى تدفع العقل البشرى لطرح السؤال المدهش عن الوجود الإنسانى والمصير الإنسانى فى هذا الكون . والحقيقة أن اهتمام الإنسان بالتاريخ إنما يرجع إلى رغبة الإنسان فى الكشف عن لغز الوجود الإنسانى ومعرفة الذات التى هى أولى الخطوات على طريق المعرفة الحقة . وليس من الممكن معرفة خصائص الطبيعة البشرية دون دراسة أفعال البشر وفحصها فى سياقها الاجتماعى. إننا ندرس التاريخ للسبب نفسه الذى يدفعنا إلى دراسة أى موضوع آخر يتعلق بالإنسان ؛ أى الرغبة فى الوقوف على أسرار لغز الوجود الإنسانى. بيد أن دراسة التاريخ لايمكن أن تعتمد على دراسة الإنسان الفرد؛ وإنما يجب دراسة الإنسان فى السياق الاجتماعى. ومن هنا يجب دراسة الذاكرة الجامعة للجنس البشرى؛ أى دراسة التاريخ.

وهذا هو المفهوم الحضارى للتاريخ ؛ فمن المؤكد أننا نخرج من دراسة التاريخ بحقيقة واضحة مؤكدة هى أن تجربة الإنسان فى الكون تكشف لنا عن حقيقة التنوع والثراء الذى تتسم به الحياة الإنسانية فى سياقها الاجتماعى، وإطارها الحضارى، ولكننا نكتشف أيضا أن لكل جزء فى الحياة الإنسانية على مرّ التاريخ خصائصه الداخلية التى تجعلنا نقول إن هذا تاريخ الصين ، أو تاريخ المسلمين، أو تاريخ الهند … وما إلى ذلك. وهو ما يجعلنا نسمى الحضارات بأسماء مختلفة مثل الحضارة المصرية، أو الحضارة الإغريقية، أو الحضارة العربية الإسلامية… وهكذا . وعلى الرغم من هذا التنوع والثراء من ناحية ، وعلى الرغم من التباين والاختلاف بين الأجزاء من حيث خصائصها الداخلية من ناحية أخرى، فـإن هناك تاريخًا واحدًا يجمع الجنس البشرى؛ وهناك حضارة إنسانية واحدة تزداد خصائصها العامة والمشتركة مع مرور الزمان .

يعلمنا التاريخ فى مفهومه الحضارى ، أنه أيًا كانت جاذبية التشابهات بين الماضى والحاضر، فإن الماضى لايعود أبدًا؛ أى لايمكن للتاريخ أن يعيد نفسه . ولكن هذا، من ناحية أخرى، لايعنى أن التاريخ قصة تنتمى إلى الماضى الذى انتهى . فالتاريخ لا يحكى ما حدث فى الماضى فحسب، وإنما يفسره بأن يقدم لنا أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية … وغيرها مما حدث فى الماضى الإنسانى؛ وما خلفته تلك الظواهر من نتائج . ونكتشف من دراسة التاريخ أن لا شئ يحدث بالصدفة ، وأن لا شئ يمضى عبثًا : فلكل حادث تاريخى أسبابه ونتائجه . كذلك يعلمنا التاريخ ألاَّ نركن إلى النمطية ، وألا نتصور أن ما نجح من قبل سوف ينجح ثانية، أو أن ما فشل وأخفق فى الماضى سيكون الفشل مصيره فى المستقبل أو فى الحاضر: ذلك أن السببية تحكم مجرى التاريخ . إنها سنة الله فى خلقه التى لن تجد لها تبديلاً .

ويعلمنا التاريخ، أيضا، أن نتذكر على الدوام أننا بشر نتحرك فى رحاب المكان وداخل إطار الزمان . ولأن دراسة التاريخ تهتم بثلاثية الإنسان والمكان والزمان ، كما تهتم بالعلاقة السببية؛ فإنها توسع من مدى إدراكنا لحقائق الفعل التاريخى الذى ينتج عنه البناء الحضارى فى أى مجتمع من المجتمعات البشرية. وليس معنى هذا ، على أية حال، أن معرفة التاريخ أو دراسته سوف تدلنا ببساطة على ما يجب أن نفعله بالضبط ؛ ولكن المعرفة التاريخية ربما تساعدنا على تجنب تكرار الأخطاء . إن التاريخ يمكن أن يعلم ، وينبه ، ويحذر ؛ ولكن لايستفيد من التاريخ سوى من يحسنون الاستماع إليه. ولسنا نزعم أن التاريخ يقدم حلولاً للمشكلات ؛ ولكن المعرفة التاريخية تجعلنا نقف على الأسباب ، وزمن وقوع الحدث التاريخ، وكيفية حدوثها . فالتاريخ يدرس الماضى بسبب الرغبة فى المعرفة التاريخية التى كانت تلازم الإنسان منذ بداية رحلته فى الكون بشكل يكاد يكون غريزيًا؛ إذ إن الإنسان جبل على السعى لعرفة الأصول : أصول الكون ومظاهره ، أصول الوجود الإنسانى نفسه، وأصول الظواهر الاجتماعية، والثقافية التى يعيش فى إطارها وعلى الرغم من أن الأسطورة ، والدين، والفلسفة ، جميعا ، حاولت تقديم الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بالأصول على نحو أو آخر ، فإن الأسئلة المتعلقة بالمصير (لماذا ؟ وإلى أين؟) ما تزال تحير الإنسان وتربكه إلى الآن .

والتاريخ إحدى الوسائل التى يتوسل بها الإنسان لفهم كينونته الحضارية فى هذا العالم . ولاتقتصر هذه الوسيلة على الماضى الذى يدرسه التاريخ وحده ، وإنما تمتد إلى رحاب الحاضر لتستكشف آفاق المستقبل . وهكذا تحددت منذ البداية قيمة المعرفة التاريخية بوظيفتها الثقافية/ الاجتماعية، ومفهومها الحضارى. وليس من المتصور، بطبيعة الحال، أن هذه الوظيفة كانت واضحة لدى الجماعات البشرية الباكرة بدرجة وضوحها الحالية بيد أن إحساس الجماعة الإنسانية بالحاجة إلى هذا النمط من المعرفة كان موجودًا على الدوام . ومع تطور مراحل رحلة الإنسان فى الكون عبر الزمان تطورت أيضا المعرفة التاريخية ودورها الحضارى . فقد اجتاز علم التاريخ مرحلة التراكم الكمى والسرد لكى يدخل فى طريق محاولة صياغة النظريات واكتشاف القوانين التى تفسر حركة الإنسان فى الكون. وعلى الرغم من أن العلم التاريخى لم يتخلْ تمامًا عن الكم والسرد ؛ فإن محاولة صياغة النظريات واكتشاف القوانين هى نفسها محاولة البحث فى أسباب قيام الحضارة وانهيارها . لقد انتقل علم التاريخ من محاولة الإجابة على سؤال «ماذا حدث؟ « إلى محاولة الإجابة عن سؤال : «لماذا حدث ما حدث؟ وكيف؟».

ومن هنا تنوعت مدارس فلسفة التاريخ التى تصوغ موضوعاتها على أساس المعرفة التاريخية، وتفسير هذه المعرفة تفسيرًا وضعيًا ، وعلى أساس فهم حياة البشر فى سياقها الاجتماعى فى محطاتها الزمنية المختلفة من خلال معايير تنطوى على المفهوم القيمى والأخلاقى تارة، والتقييم الموضوعى النقدى تارة أخري، أو الجمع بين هذا وذاك تارة ثالثة. وهذا التفسير بتنويعاته المختلفة هو أيضا الذى حاول فهم الحضارة الإنسانية بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق . وقد نتجت عن محاولات التفسير هذه نظريات كثيرة عن نشوء الحضارة وانهيارها : بدءًا من محاولة المؤرخ المسلم عبد الرحمن بن خلدون فى مقدمته الشهيرة ، ومرورًا بالنظريات الأوربية المختلفة التى قال بها فلاسفة ومؤرخون مثل مشاهير الماركسيين ، وغيرهم من أمثال شبنجلر الذى يبدو فى نظريته مستلهما آراء ابن خلدون، وأرنولد توينبى صاحب نظرية التحدى والاستجابة التى ضمنها كتابه المدهش «دراسة للتاريخ» وصولا إلى النظرية العبثية العابثة التى قال بها الأمريكى فرانسيس فوكاياما عما أسماه «نهاية التاريخ».

هذا كله يؤكد أن مفهوم «الحضارى» الذى يلازم العلم التاريخى ويلتصق به ، حقيقة كانت موجودة على امتداد «تاريخ التاريخ» . وربما يكون مفيدًا فى هذا المقام أن نقرر أن نمط المعرفة التاريخية قد ارتبط ارتباطا عضويا بالحضارة التى أفرزته على الدوام . فقد كانت المعرفة التاريخية فى كل حضارة تتناسب مع هذه الحضارة فى درجة تطورها من ناحية ، كما كانت تعبيرًا عن رؤية هذه الحضارة للذات والآخر من ناحية ثانية. ذلك أن المعرفة التاريخية، فى حقيقة أمرها، نوع من التبرير الإيديولوچى لوجود الجماعة البشرية التى تنتمى إليها : أى أنها إحدى وسائل الجماعة البشرية فى التعبير عن هويتها الحضارية ، وتبرير وجودها نفسه . فلكل جماعة بشرية وعيها التاريخى الذى يناسب حضارتها ؛ أى تاريخها .

وهنا تبدو المركزية الغربية، التى ورثت المركزية الأوربية، عنصرية عندما يقرر مفكروها وفلاسفتها فى القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين أن التاريخ لم يوجد سوى فى الغرب الأوربى . بل إن مفكرًا مثل هيجل وصف الشعوب الآسيوية والأفريقية بأنهم “قومًا بلا تاريخ” ، كما وصم “ليوبولد ڤون رانكه” هذه الشعوب بأنها “قوم جامدون إلى الأبد”. لأن الغرب لم يعترف بوجود أنماط حضارية أخرى خارج أوربا ، وعلى الرغم من أن هناك محاولات بدأت على استحياء فى الغرب لدراسة التراث التاريخى خارج أوربا منذ النصف الثانى من القرن العشرين، فإن المركزية الغربية ما تزال قوية فى دوائر التاريخ والمؤرخين فى الغرب بشكل عام .

وعلى أية حال ، فإن لكل جماعة نمط المعرفة التاريخية الخاص بها ، والذى يعكس الخصائص العامة لحضارتها . ومن ثم ؛ فإن مفهوم الحضارى الكامن فى المعرفة التاريخية يتجلى واضحًا فى التاريخ الثقافى لجميع الحضارات . ولأن الحدود التى تحكم موضوع هذه الورقة محدودة من حيث الوقت والمساحة ؛ فإننا سوف نقدم مثالاً واحدًا على تلازم مفهوم الحضارى والمعرفة التاريخية. وهو الوظيفة الحضارية للتاريخ فى الثقافة العربية الإسلامية.

*   *   *

كان تطور الفكر التاريخى فى إطار الثقافة العربية الإسلامية قائمًا على أسس ثلاثة واضحة:

1- تراث المعرفة التاريخية فى المنطقة العربية قبل الإسلام.

2- ما جاء به الإسلام من فكر يدور حول المادة التاريخية الواردة فى القرآن الكريم.

3- وما جاءت به اللغة العربية نفسها من أساليب التعبير، وما تركته من أثر على طرق التفكير.

وبعد أن اعتنق العرب الإسلام حدثت تغيرات جوهرية فى شتى نواحى الحياة، وبعد نجاح حركة الفتوح الإسلامية، غلبت تلك التغيرات على شكل الحياة فى المنطقة العربية بشكل عام . وكان لابد لفكرة التاريخ عند المسلمين أن تخضع لهذه التطورات الجديدة. مع أن تراث المعرفة التاريخية لدى شعوب المنطقة التى دخلت فى دين الإسلام ظل موجودًا بشكل أو بآخر ؛ فإن الفكرة القرآنية عن التاريخ ، والظروف الموضوعية الجديدة التى خلقتها التطورات السياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية، أدت بطبيعة الحال إلى نقله نوعية فى مفهوم الحضارى فى المعرفة التاريخية صارت صفة لازمة للفكر التاريخى فى إطار الحضارة العربية الإسلامية.

وقد حدثت النقلة فى مفهوم الحضارى على مستويين:

أولهما مستوى فكرة التاريخ عند المسلمين التى تطورت من خلال المفاهيم القرآنية عن المادة «التاريخية» الواردة فى القرآن الكريم.

وثانيهما مستوى الظروف الموضوعية التاريخية على أرض الواقع.

وقد أدى التفاعل بين ما جاء به القرآن الكريم من أفكار حملتها الآيات ذات المضمون التاريخى حول دور الإنسان فى الكون من ناحية، وما ورثته شعوب العالم الإسلامية من خبرات تاريخية عن ماضيها من ناحية ثانية ، والتطورات التاريخية الموضوعية الجديدة من ناحية ثالثة، إلى تبلور مفهوم جديد حضارى للتاريخ.

وعند المستوى الأول نجد أن فكرة التاريخ فى القرآن الكريم تجسيد للتصور الإسلامى لرسالة الإنسان فى الحياة؛ فالإنسان خليفة الله فى الأرض، وقد حمل أمانة إعمار الأرض وبناء الحضارة، ونشر الحق والعدل فى ربوعها وفق سنة الله . والشرط الجوهرى الذى مكن الإنسان من القيام بدوره أن يعرف ذاته ؛ فقد جاء فى سورة آل عمران (آية 137-138م) « لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، ، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين» . وهذه الدعوة إلى معرفة الذات يمكن أن يلبيها الإنسان من خلال رصد حوادث الماضى، وتأمل ما جرى فيه من أحداث بقصد معرفة سنة الله التى هى قانون الكون الذى لايتبدل .

وهنا يبدو واضحًا أن فكرة التاريخ فى القرآن الكريم محورها أن أحداث التاريخ أفعال بشرية ، وأن الإنسان مسئول عنها بحكم قبوله حمل الأمانة التى خشيت من حملها الأرض والسموات والجبال . فالفعل التاريخى نتاج لتفاعل الإنسان مع معطيات البيئة وتحدياتها فى رحاب الزمان. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الفعل خير وسيلة للتعرف على الإنسان فى حياته الاجتماعية ومسيرته التاريخية : أى حضارته . ومن ثم ، فإن «القصص» التى ترد فى القرآن الكريم تحكى: «تواريخ» الأمم والأقوام والحضارات التى مرت بتاريخ البشرية عبر الزمان . وفى هذا القصص نجد مادة تاريخية، وإن كانت غير تفصيلية ، تحكى عن السابقين من البشر. بيد أن هدف هذه القصص التاريخية وغاياتها إثارة الفكر البشرى ، ودفعه إلى التفكير والتساؤل والتبرير.

هذا التغير الجوهرى فى النظر إلى المادة التاريخية أدى بالضرورة إلى تغير جوهرى فى مفهوم «الحضارى» فى الفكر التاريخى الإسلامى. ذلك أن فكرة التاريخ فى القرآن الكريم تجعل الإنسان مسئولاً عن تصرفاته «التاريخية» ؛ أي فى سياقها الاجتماعى (مثلما هو مسئول عن تصرفاته الفردية) . ومعنى هذا النزول بالتاريخ إلى عالم الواقع الوضعى: أى أن «التاريخ» بدأ يبحث عن الأحداث التاريخية التى صنعها البشر فى بيئتهم. لقد تغير مفهوم الحضارى فى فكرة التاريخ عند المسلمين ، وراح المؤرخون المسلمون يبحثون فى قصة الإنسان على الأرض . فالمادة التاريخية الواردة فى القرآن الكريم تقوم على أساس أن للتاريخ معنى أخلاقيًا وروحيًا على اعتبار أن الإنسان خليفة الله فى الأرض ومسئول عن إعمار العالم وإقامة الحق والعدل فيه. وفى هذا الصدد نجد الكثير من الآيات القرآنية التى تؤكد على فكرة أن تاريخ الإنسانية بمثابة مستودع للعظات والعبر . ومن السور القرآنية التى تحمل هذا المفهوم: هود، والأعراف ، والأنباء، والمؤمنون، والشعراء والقصص..

ومن هنا فإننا لايجب أن نندهش من أن المفهوم الحضارى للتاريخ عند المؤرخين المسلمين لم يخلْ من الجانب الأخلاقى المتصل بالعقيدة فى أساسه . فقد قرأ المؤرخون المسلمون التاريخ «قراءة دينية-أخلاقية- تربوية» ؛ وهو ما جسده عبد الرحمن بن خلدون بقوله : «… اعلم فن التاريخ فن عزيز المذهب ، جم الفوائد، شريف الغاية : إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم فى أخلاقهم ، والأنبياء فى سيرهم ، والملوك فى دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء بهم فى ذلك لمن يروقه فى أحوال الدنيا والدين …» هذا هو مفهوم الحضارى فى التاريخ كما أوضحه ابن خلدون الذى كانت مقدمته الشيرة بمثابة تلخيص للفكر التاريخى الإسلامى وفلسفته. وقد ظل المؤرخون المسلمون يعملون فى إطار المفهوم القرآنى للدور الحضارى للتاريخ فى المجتمع المسلم؛ بل إن منهم من تحدث عن «فوائد التاريخ» وقسمها إلى قسم دنيوى وآخر أخروى مثل ابن الأثير الذى يرى أن القصص التاريخية التى وردت فى القرآن الكريم إنما وردت لهذه الحكمة.

لقد وصل تطور الكتابة التاريخية فى القرن التاسع / الخامس عشر الميلادى إلى مرحلة غطت فيها كافة مجالات النشاط الإنسانى تقريبا . فقد كتب المؤرخون المسلمون فى السيرة النبوية ، والمغازى ، والطبقات (أى أجيال الناس الذين أسهموا فى خدمة الأمة من أبناء مهنة واحدة، أو ممن يشتركون فى ممارسة فكرة بعينها) ، والتراجم ، والتاريخ الإسلامى العام، وفضائل البلدان، والفتوح ، والخطط ، وتواريخ المدن، والتاريخ الاجتماعى ولاتكاد تجد فرعًا من فروع المعرفة التاريخية إلا وكتب فيه المؤرخون المسلمون؛ وفضلاً عن ذلك أنتج الفكر التاريخى الإسلامى بعض من كتب فى تاريخ التاريخ (من أمثال شمس الدين السخاوى ، والكافيجى، والذهبى، والسيوطى) ، وفى فلسفة التاريخ (مثل ابن خلدون) . وهذه الحقيقة بحد ذاتها تكشف عن أن مفهوم الحضارى فى التراث التاريخى عند المسلمين قد اتسع ليشمل بالفعل كافة أنماط النشاط الإنسانى.

والعصر الذى يبدو متحفا يضم كافة أنماط التدوين التاريخى فى الحضارة العربية الإسلامية هو عصر سلاطين المماليك (648-922هجرية / 1250-1517م) . والواقع أن دولة سلاطين المماليك التى حكت مصر وفلسطين والشام والحجاز وبعض مناطق العراق وجزر البحر المتوسط بشكل مباشر، والتى كانت قوة إقليمية وعالمية عظمى فى ذلك الزمان ، قد شهدت نشاطًا علميا وفكريًا واسع النطاق بسبب ظروف العالم الإسلامى التى جعلت العلماء والمفكرين من المشرق والمغرب يهاجرون إلى بلاد الدولة المملوكية حيث الأمان. لقد كان التوهج العلمى والثقافى الذى شهده ذلك العصر المتوهج الأخير فى تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفى ذلك العصر ، تجسد مفهوم «الحضارى» فى مجال الفكر التاريخى بشكل متكامل . فقد تنوعت أنماط الكتابة التاريخية كما أوضحتا من قبل ؛ كما استخدم التاريخ فى خدمة المجتمع وتلبية حاجاته الثقافية الاجتماعية.

وفى العصر الحالى  نجد فى مواجهتنا سؤالاً يطرح نفسه بإلحاح : هل لدينا منظور حضارى للتاريخ ؟

إن قراءتنا الحالية للتاريخ قراءة ماضوية تهرب من مواجهة مسئوليات الحاضر والمستقبل لدغدغة مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات الماضى الذى نبدده فى سفه سياسى وثقافى مزعج . وبسبب الأجواء الخانقة سياسيًا والمعطلة للحرية والمانعة تخبو جسارة الإبداع ، وتخفت القدرة على قراءة تاريخنا قراءة واعية ؛ بل إن التاريخ مطارد فى مدارسنا وجامعاتنا .

إن الحرية شرط جوهرى للإبداع ، وعندما تنزاح النظم المستبدة الجاثمة على الحياة فى العام العربى، ربما يتحقق ما نصبو إليه من «قراءة حضارية» للتاريخ .

التعليقات