اليهود فى مصر والمغرب العربي (ق ٧ – ١٠ هـ / ق ١٣  – ١٦ م) – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يوليو 21, 2015 عن طريق - قسم المغرب العربي دكتور قاسم عبده قاسم مصر
0 Flares 0 Flares ×

كانت مصر قد تحولت إلى مركز حضاري وثقافي  واقتصادي ذى جاذبية طاغية منذ منتصف القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي بسبب الأحوال المضطربة فى العالم الإسلامي والمنطقة العربية من ناحية ، وعالم البحر المتوسط عامة من ناحية أخرى . كذلك كان قيام دولة قوية قادرة وحدت بين مصر والشام وفلسطين ؛ راسخة فى الداخل مهابة وقوية فى الخارج ، هى دولة سلاطين المماليك التى كانت عاصمتها القاهرة ، من أهم عوامل تحول مصر إلى مركز حضاري جذاب فى تلك الفترة . ذلك أن سقوط الخلافة العباسية فى بغداد وانهيار المشرق الإسلامي تحت وطأة الضربات المغولية ، نشر الرعب والفوضى فى الشرق الإسلامي ؛ كما أن تراجع اللون الإسلامي فى الأندلس أمام نجاح الهجمات الكاثوليكية ضد المسلمين الإسبان خلق حالة من الخلخل السياسي والتراجع الحضاري فى هذه المناطق .

       ولكن هزيمة الحملة الفرنسية السابعة بقيادة لويس التاسع وأسره مع كبار أمرائه وقادته فى المنصورة ؛ وما أعقب ذلك من تطورات أدت إلى ظهور دولة سلاطين المماليك التى حكمت المنطقة العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مدى ما يزيد على مائتين وسبعين سنة خلق البيئة المناسبة للاستقرار والازدهار فى المنطقة . وكان لفرسان المماليك الفضل الأكبر فى انتصار المنصورة الذى كان بمثابة صرخة الميلاد لدولتهم ، ثم نجحوا بعد عشر سنوات فى وقف الزحف المغولي المخيف ، وهزموا المغول فى عين جالوت ، وكانت تلك شهادة ميلاد هذه الدولة .

        ولم تكن معركة المنصورة آخر معارك فرسان المماليك ضد الصليبيين ؛ فقد واصل السلاطين الأقوياء الأوائل : بيبرس ، وقلاون ، والأشرف خليل بن قلاون ، معاركهم ضد الصليبيين حتى نجحوا فى التخلص من الوجود الصليبي فى فلسطين بعد تحرير عكا سنة 1292 م . كذلك لم تكن معركة عين جالوت نهاية النضال ضد المغول : فقد تحول مغول القفجاق إلى الإسلام منذ وقت مبكر وكانوا قوة مضافة إلى العالم الإسلامي . وكان بيبرس طوال حكمه يناضل ضد مغول فارس وضد إيلخانية المغول عامة بوسائل تراوحت بين الحرب والدبلوماسية والتحالفات . وعلى أية حال ، ففى غضون جيلين من الزمان تحول المغول إلى مسلمين  لعبوا دورا مهما فى الحضارة الإسلامية لا تزال آثاره المادية واللامادية باقية حتى اليوم .

        أدى هذا بطبيعة الحال إلى نتيجتين غاية فى الأهمية بالنسبة لتاريخ المنطقة العربية منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي : أولاهما أن القاهرة صارت ملاذا آمنا لكل الفارين من غزوات المغول فى الشرق والشمال من ناحية ، ولكل الهاربين من فظائع الكاثوليك ، ومحاكم التفتيش فى المناطق التى استولى عليها الكاثوليك فى شبه الجزيرة الإيبيرية . وكانت مساحة المناطق الإسلامية فيها قد انحسرت بصورة مطردة حتى انتصر الكاثوليك الإسبان نهائيا سنة 1492 م . والنتيجة المهمة الثانية التى نتجت عن الوضع فى عالم البحر المتوسط ، أن التجارة العالمية تحولت إلى المرور بالأراضى المصرية ؛ وصارت الموانئ والمدن المصرية الواقعة على الطرق التجارية البرية ، مناطق جذب للتجار ، والعلماء والحرفيين المهرة وطالبى العلم والساعين إلى الرزق من كل مكان .

       ولم يكن يهود المغرب والأندلس استثناء فى هذا بطبيعة الحال . بيد أنه ينبغى علينا أن نضع فى اعتبارنا أن اليهود المصريين كانوا على الدوام من عناصر البنية السكانية المصرية منذ عصور موغلة فى القدم . ولم يكن اليهود جالية أجنبية ذات خصائص اجتماعية / ثقافية متمايزة ، وإنما كانوا جزءا عضويا من الكل المصري ؛ وفيما عدا الدين فإنهم اشتركوا مع بقية المصريين فى كل شيء آخر : اللغة والعادات والتقاليد والسمات الثقافية والاجتماعية التى اتسم بها المجتمع المصري عامة فى كل حقبه من تاريخه الطويل . وكان اليهود ، من ناحية أخرى ، أقلية ضئيلة العدد على الدوام بالنسبة للمصريين الآخرين لأسباب دينية وتاريخية موضوعية . وعلى الرغم من هذه الحقيقة ، فإن اليهود المصريين ظلوا يستقبلون أعدادا من اليهود الأجانب الفارين من فارس والعراق وفلسطين لأسباب مختلفة طوال الفترة التى تهتم بها هذه الدراسة . وقد كانت الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المضطربة بسبب الغزو المغولي والحروب الصليبية وراء هجراتهم . كذلك قدمت أعداد كبيرة من يهود المغرب والأندلس بفعل الحروب الدائرة بين المسلمين والكاثوليك والرياح السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاكسة التى هبت على بلاد المغرب العربي فى ذلك الزمان .

       ومن ناحية أخرى ، كان وجود اليهود فى المغرب قديما ؛ يرجعه البعض إلى موجات ثلاث من الهجرة اليهودية إلى خارج فلسطين دفعت بأعداد كبيرة منهم إلى بلاد المغرب العربي منذ فترة ما قبل الإسلام . وقد أتاحت الدول الإسلامية التى قامت فى المغرب العربي بأسماء مختلفة قدرا كبيرا من الحرية الدينية والاجتماعية بحيث برز منهم عدد تولوا المناصب العليا سياسيا وإداريا . وأقيمت لليهود أحياء خاصة فى المدن المغربية ( ولم تكن جيتو أو معزل لهم مثلما كان الحال فى الغرب الأوربي مثلا ) ، كما أن حكام الدول التى قامت فى المغرب قربوا المتميزين من اليهود إلى بلاطاتهم . وفضلا عن هذا ، عمل اليهود المغاربة بكل المهن والحرف التى عرفتها مجتمعات المغرب العربي فى ذلك الزمان …. ولكن الحروب المتواصلة بين حكام المغرب ، وما نتج عن ذلك بالضرورة من تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية ، واضطراب الأمن ، منذ القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي فصاعدا ، جعل بلاد المغرب العربي منطقة طاردة لليهود القادرين ماليا ( وغيرهم ) فسعوا إلى الهجرة لمناطق أكثر أمنا . ولم يكن أمامهم مكان أقرب فى موقعه وأكثر أمنا واستقرارا من مصر فى ذلك الزمان .

       وربما كانت ظروف اليهود المصريين قد تحسنت بعد قيام الدولة الفاطمية التى يعتبرها بعض المتخصصين العصر الذهبي لأهل الذمة من اليهود والنصارى . وقد أدى هذا الوضع إلى زيادة هجرة اليهود إلى مصر فى أثناء العصر الفاطمي (358 – 564 هـ / 969 – 1171 م ) . ومن ناحية أخرى ، شهد القرنان السادس والسابع الهجريان ( 12 و13 م ) تصاعد النشاط التجاري فوق مياه البحر المتوسط لأسباب متنوعة . وتكشف أوراق الجنيزا (وهو مصدر مهم للغاية ) عن أن قسما كبيرا من يهود مصر فى ذلك الحين لم يكونوا من اليهود المصريين الأصليين وإنما كانوا من المهاجرين أو سلالتهم .

       وقد أمدنا الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي بتقريرعن أعداد يهود مصر التى زارها فى القرن الثاني عشر ؛ وذكر هذا اليهودي الإسباني أنهم موجودون فى خمسة عشر مكانا فى مختلف أنحاء مصر . ويلفت الانتباه أن النسبة الغالبة من هذه التجمعات اليهودية كانت تسكن المدن والموانئ الرئيسية ؛ وعاشت أعداد قليلة جدا منهم فى الريف . كذلك أوضحت أوراق الجنيزا أن اليهود عاشوا فى مصر فى ثمانية عشر مكانا آخر بالإضافة إلى الأماكن التى ذكرها بنيامين التطيلي .

       فى منتصف القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي جرت التطورات السياسية والعسكرية التى أشرنا إليها فى السطور السابقة لتغير من طبيعة الظروف فى المنطقة العربية وعالم البحر المتوسط . وقد أدت هذه التطورات ، بالتضافر مع الظروف السياسية الصعبة لليهود فى المغرب ، إلى زيادة المهاجرين اليهود من المغرب إلى مصر بسبب الرواج الاقتصادي نتيجة تحول طرق التجارة العالمية إليها .

       وإذا استعرضنا الأماكن التى ذكرت أوراق الجنيزا أن اليهود أقاموا بها فى مصر لاستطعنا أن نعرف بسهولة أن نسبة كبيرة من يهود المغرب المهاجرين قد استقروا فى الإسكندرية ومدن غرب الدلتا التى تقع فى الطريق إلى القاهرة ؛ ومن الطبيعي أن نفترض أن أعدادا من أولئك اليهود المهاجرين وصلوا القاهرة واستقروا بها .

       كان هناك عدد من اليهود الذين هاجروا من جنوب أوربا وصقلية يسكنون مدينة الإسكندرية أملا فى الحصول على عمل فى مينائها المهم . وكان هناك أيضا مهاجرون من المغرب الإسلامي فضلوا البقاء فى الإسكندرية : فقد ذكر الرحالة اليهودي “ميشولام الثولتيري” الذى زار مصر سنة 1481 م ، أن عدد السكان اليهود فى الإسكندرية كانوا حوالى أربعة آلاف يهودي ؛ ثم تناقصت أعدادهم حتى لم يعد بالمدينة سوى ستين أسرة يهودية ؛ وذكر أيضا أن قسما كبيرا من مدينة الإسكندرية قد بات خرابا ، ولم يبق فيها سوى معبدين يهوديين: أحدهما كبير والآخر صغير . كذلك ذكر الرحالة اليهودي ” عوبديا دا برنتورو” ، الذى زار الإسكندرية سنة 1488 م ، أن عدد يهود الإسكندرية كانوا خمسا وعشرين أسرة فقط ( وهو أمر يدعو إلى الدهشة لأن الفرق بين الزيارتين سبع سنوات فقط ؛ فهل انتقلت خمس وثلاثين أسرة من الإسكندرية فى غضون سبع سنوات ؟؟!!) .

        وتكشف وثائق الجنيزا عن أن يهود الإسكندية آنذاك كان بينهم عدد من اليهود الأثرياء العاملين فى التجارة العالمية ، ولكن المدينة تدهورت لأسباب عديدة . وعلى الرغم من تدهورها ظلت الإسكندرية مقصدا لليهود المغاربة الباحثين عن فرص العمل وكسب العيش . بيد أن الأحوال العامة فى الإسكندرية ظلت تتدهور بصورة مطردة وتناقصت أعداد سكانها ؛ ومن بينهم اليهود بطبيعة الحال .

        واللافت للنظر أن المهاجرين اليهود لم يتوقفوا عن القدوم إلى مصر فى الشطر الأخير من عصر سلاطين المماليك على الرغم من التدهور النسبي فى الأحوال : فقد ذكر عوبديا أنه وجد فى القاهرة حوالي خمسين أسرة يهودية ممن أجبرتهم محاكم التفتيش الكاثوليكية الإسبانية على نبذ دينهم ، ففروا إلى القاهرة للعودة إلى اليهودية ؛ وقال إنه وجدهم معدمين لأنهم اضطروا إلى ترك عائلاتهم  وأموالهم وممتلكاتهم فى إسبانيا  .

       ونستنتج من روايات الرحالة اليهود ، ومن أوراق الجنيزا ، ومن المصادر التاريخية العربية المعاصرة أيضا ، أن اليهود فى مصر عاشوا فى ثلاثة ولثلاثين مكانا على الأقل موزعة فى جميع أنحاء البلاد . ويلفت النظر أن أكبر الجماعات اليهودية عاشت فى المدن الواقعة على الطريق بين مصر وفلسطين : مثل بنها وبلبيس اللتين كانتا من أكبر أماكن تجمع اليهود المهاجرين من فلسطين . أما اليهود القادمون من المغرب العربي ، فكانوا يقيمون بأعداد كبيرة فى الإسكندرية وزفتى والمحلة الكبرى وسمنود ودمسيس ودميرة ودمنهور … وغيرها من أماكن التجمعات اليهودية الكبيرة الواقعة على الطريق بين المغرب العربي ومصر.

       فقد كانت مدينة المحلة الكبرى مركزا تجاريا مهما فى الوجه البحري منذ القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي . ولأن هذه المدينة كانت عاصمة إقليم الغربية منذ وقت طويل ، فإنها جذبت عددا متزايدا من المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا ؛ كما اتخذها عدد كبير من القادمين من تونس والمغرب الأقصى مستقرا ومقاما . وتكشف وثائق الجنيزا التى تنتمى إلى القرنين السادس والسابع الهجريين ( 12 و13 م ) أن المحلة الكبرى كانت بؤرة مهمة لتجمع اليهود المهاجرين من بلاد المغرب إلى مصر . ومنذ فترة بعيدة فى عمق التاريخ كانت تعيش فى المحلة الكبرى جماعة يهودية كبيرة العدد ظلت تقيم بها حتى منتصف القرن العشرين على أقل تقدير . ولاتزال إحدى مناطق المحلة الكبرى حتى اليوم تحمل اسم “خوخة اليهود” .

       وقد اشتغل اليهود فى المحلة الكبرى بعدد من الحرف والصناعات الصغيرة والمهن : منها نسج الحرير ، والطب ، وجباية الضرائب ؛ كما كان منهم العطارون ( وهى مهنة كانت تعادل الصيدلة فى أيامنا هذه ) ، وأصحاب حوانيت ، وصباغون ، وتجار يعملون فى التجارة العالمية عبر البحر المتوسط أو فوق مياه المحيط الهندي … وكان منهم من يمتلكون المنازل كما وجد بمدينة المحلة الكبرى عدد من المعابد اليهودية .

       أما مدينة ميت غمر بالغربية  ، وعلى مدى أجيال عديدة ، فكانت موطنا وسكنا لجماعة يهودية كبيرة العدد أغلبها من يهود المغرب المهاجربن ، أو من سلالتهم . وفى ميت غمر كان بعض اليهود يعملون بالتجارة على حين كان البعض الآخر يشتغلون بالمهن والحرف المختلفة الموجودة بالمدينة . وتشير أوراق الجنيزا إلى وجود معبدين يهوديين بهذه المدينة . وعلى الضفة الأخرى من فرع دمياط من نهر النيل ، كانت مدينة زفتى تواجه مدينة ميت غمر ؛ وكانت بها أيضا جماعة يهودية كبيرة أغلبها على ما يبدو من اليهود الربانين . وكان الأحبار فى هذه المدينة يتولون المناصب الدينية الرئيسية فى الجماعة الدينية اليهودية فى الوجه البحري كله . وكانت تعقد بمدينة زفتى محكمة خاصة باليهود تتول الفصل فى قضاياهم حسب شريعتهم . ولدينا عدد من وثائق الجنيزا تتراوح تواريخها بين سنة 1104 م وسنة 1232م ؛ وتشير إلى أن عدد يهود زفتى كانوا حوالي ستين عائلة ، أو تسعين عائلة ، تضم ما بين ثلاثمائة وخمسمائة فرد ، ولم يكونوا كلهم من يهود شمال أفريقيا ؛ بل كان بينهم عدد من اليهود المهاجرين من فلسطين .

       وقد اكتسبت مدينة زفتى أهميتها بسبب نشاطها الاقتصادي المتنوع فى تلك الأيام : إذ كان التجار يقصدونها لشراء الكتان الذى كانت زراعته منتشرة فى المناطق الريفية المتاخمة لها . وكان التجار يفدون إلى هذه المدينة بخام الحرير الذى قامت عليه صناعة الحرير فى زفتى التى كانت تعج بأنوال نسج الحرير المنتشرة فى بيوت المدينة وفى القرى المحيطة بها . وقد اشتهرت النسوة اليهوديات فى زفتى بإنتاج نوع من الحرير الذى كن ينسجنه على أنوالهن ذكرته وثائق الجنيزا باسم “شغل الريف” ، وكان يباع فى أسواق القاهرة آنذاك .  وكانت فى المدينة وكالة تجارية كبرى و فيها كان يتم تداول منتجات المدينة ووراداتها القادمة إليها من خارجها . ونستنتج من وثائق الجنيزا أن مدينة زفتى كانت تضم عددا من اليهود القرَائين إلى جانب اليهود الربانين الذين كانوا يشكلون غالبية يهود المدينة .

       لم تكن تلك فقط ، بطبيعة الحال ، هى المدن التى اقتصر الوجود اليهودي عليها فى ذلك الزمان ، وإنما انتشروا فى عدد من المدن المصرية فى طول البلاد وعرضها ؛ ولكننا أردنا تقديم عينة تسمح بها مساحة الدراسة فحسب ، لكي نعرف أهم أماكن تجمع المهاجرين من اليهود المغاربة إلى مصر فى ذلك الحين .

        ومن المهم أن نشير إلى أن الجماعات اليهودية فى مصر آنذاك ، والتى كانت تضم عددا كبيرا من المهاجرين ، إلى جانب اليهود المصريين الذين كانت أعدادهم ضئيلة بالفعل ، يمكن رصدها فى ثلاث فئات وفقا لحجم الجماعة اليهودية وأهميتها الدينية : ففى العاصمة ، القاهرة ، حيث يقيم رئيس اليهود الذى عرف باسم الناجد ، كانت تتركز السلطة الدينية والقضائية العليا التى تدير الشئون الداخلية لليهود ؛ وهو ما جعل الجماعة اليهودية القاهرية الأهم والأكبر بين الجماعات اليهودية فى مصر بطبيعة الحال .

       أما الجماعات متوسطة العدد والأهمية ، فكانت تقيم فى المدن والموانئ المهمة مثل الإسكندرية ، ودمياط ، والمحلة الكبرى ، وزفتى فى الغربية ، وبلبيس فى الشرقية وبنها فى القليوبية ، وقوص فى الوجه القبلي .

       وكانت الجماعات الأصغر عددا تسكن الريف ، وتعتمد كثيرا فى أمورها الدينية والقانونية على المعابد اليهودية والأحبار الموجودين فى المراكز والمدن القريبة .

       تكشف هذه الدراسة الموجزة عن أن يهود المغرب العربي كانوا يفدون إلى مصر ضمن هجرات عامة جاءت إلى مصر فى الفترة التى تهتم بها الدراسة من بلاد المغرب تحت تأثير الرياح المعاكسة فى دنيا السياسة والاقتصاد والاجتماع ، أو سعيا وراء الرزق أو هربا من أخطار الأعداء الخارجيين المتصاعد … أو ما شابه ذلك من أسباب . كما تكشف الدراسة عن عن حقيقة أن اليهود لم يعيشوا فى مصر بمعزل عن بقية المصريين : سواء فى مساكنهم أو فى الحرف والمهن التى عملوا بها ؛ كما توضح أن اليهود المهاجرين قد لقوا فى مصر المعاملة نفسها التى كان يعامل بها اليهود المصريون بحكم المفاهيم القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية ؛ ولذلك كانت مصر تحت حكم سلاطين المماليك المكان الأنسب لهم ولغيرهم من المهاجين فى تلك الفترة .

التعليقات