القراءة الشعبية للتاريخ – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يوليو 23, 2014 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم فكر كتابة تاريخية
0 Flares 0 Flares ×

كيف نرى التاريخ من خلال عيون الناس وكيف تتكون الرؤية الشعبية للتاريخ؟

“التاريخ الشعبي” مصطلح يثير من المشكلات أكثر مما يطرح من حلول. إذ إن هناك جدلاً كبيراً حول مدلول هذا المصطلح ومغزاه. والناظر فيما يكتبه الباحثون في هذا المجال يشعر، للوهلة الأولى، أن هؤلاء الباحثين مشتبكون في “مشاجرة” لا تبدو لها نهاية. ولسنا نقصد أن ندخل طرفا في هذه “المشاجرة”، كما أننا لن ندعي لأنفسنا القدرة على فضها والفصل بين أطرافها. بيد أن ما يلفت النظر حقاً أنه كلما اتسع نطاق “المشاجرة” ظهرت جوانب جديدة لمصطلح “الموروث الشعبي”، من حيث مدلوله ومغزاه، ومن حيث الرسالة التي يحملها.

وفي تصورنا (وليس هذا دخولاً في المشاجرة) أن الموروث الشعبي في أحد معانيه هو نمط من القراءة الشعبية للتاريخ. فالموروث الشعبي يتعلق بأمور تدور حول المجتمع الإنساني، ثقافته ونظامه الأخلاقي والقيمي من ناحية، ورؤية المجتمع لذاته وللآخر من ناحية ثانية، كما أن الموروث الشعبي يتسم بالبساطة والتلقائية من ناحية ثالثة. وعادة ما يحمل هذا الموروث الشعبي “نواة تاريخية” لأنه في التحليل الأخير “القراءة الشعبية للتاريخ”، أي أنه يحمل تفسيرات شعبية لأحداث تاريخية، ويحكي عن “أبطال تاريخيين” من خلال الرؤية الشعبية التي تحمل من الخيال والرموز التي تخدم الأهداف الاجتماعية/الثقافية ما يجعلها تختلف عن أية “قراءة” أخرى لنفس الأحداث التاريخية. وتتميز القراءة الشعبية للتاريخ، التي تتجسد في الموروث الشعبي، بخاصيتين تبدوان متناقضتين: أولاهما أنها تحمل أفكاراً ثابتة تشكل المنحى الثقافي للمجتمع، وثانيتهما أن القراءة الشعبية تحمل أيضاً تفسيرات لهذه الأفكار الثابتة تتجدد مع كل حقبة زمنية، ومن ثم فإن بوسعنا أن نصف الموروث الشعبي بأنه نوع من “القراءة الشعبية للتاريخ”، وهو ما يعني أنه رؤية الجماعة لتاريخها، ولدورها في صنع هذا التاريخ، بغض النظر عن التفاصيل التي تتعلق بالزمان أو المكان أو أبطال الحكاية التاريخية.

الإبداع التلقائي:

ويتضمن الموروث الشعبي مختلف أنماط الإبداع التلقائي للشعوب والجماعات، سواءكانت بدائية أم متحضرة، وبعبارة أخرى فإنه يشتمل على كل ما تم إنجازه عن طريق استخدام الأصوات والكلمات في أشكال نثرية، أو في أشكال غنائية شعرية، وسواء كانت غناء أو حكاية وسرداً بما تتضمنه من الاعتقادات الشعبية أو العادات والتقاليد، أو الخرافات والحكايات التي تبرر سلوكاً اجتماعيا أو نظاما أخلاقيا، أو ممارسة جماعية، وما يصحب ذلك أحيانا من رقصات أو تمثيليات أو أغاني وأناشيد، ومن خلال هذا كله يحمل الموروث الشعبي رؤية الشعوب لأصولها، ولأحداث تاريخها وأبطال هذا التاريخ، كما يحمل تفسيرا شعبياً للظواهر الطبيعية في البيئة التي كانت مسرحا للنشاط الحضاري عبر التاريخ ويتضمن علاقة كل شعب بغيره من الشعوب، ورؤية هذا الشعب للكون وللأشياء والعلاقات داخل هذا الكون.

ومن هنا يحمل الموروث الشعبي التاريخ الشفاهي للمجتمعات ذات الثقافة الشفهية الخالصة، وهذا التاريخ الشفاهي يلبي الحاجات الاجتماعية / الثقافية للجماعة من ناحية، كما يحقق بعض الصياغات النفسية / التعويضية للحوادث التاريخية بشكل يجمع بين البساطة والتلقائية التي تميز الإبداع الشعبي عامة من ناحية ثانية.

وأهمية هذا النوع من “القراءة الشعبية للتاريخ” أنه يأتي في مواجهة ما يكتبه المؤرخون المحترفون، سواء في العصور السابقة أو في عصرنا الحالي، من مؤلفات تعكس مواقفهم الفردية وآراءهم الشخصية وانحيازاتهم الطبقية. فالقراءة الشعبية في حقيقتها تفسير جمعي لصالح الجماعة للتاريخ في مواجهة السعي وراء الحقائق التاريخية المجردة الذي تتسم بها دراسات المؤرخين الأفراد وكتاباتهم. وبعبارة أخرى، فإن هذا النمط من “القراءة الشعبية للتاريخ” لا يسعى إلى كشف حقائق التاريخ التي وقعت في “الماضي”، وإنما يسعى إلى تفسير التاريخ لصالح الجماعة في “الحاضر” وفي “المستقبل”.

وقد مكث المؤرخون زمناً طويلاً يتجاهلون الموروث الشعبي، أو القراءة الشعبية للتاريخ بروح من التعالي والغطرسة التي جعلتهم يشيحون بوجوههم عما ظنوه ضرباً من ضروب العبث والخرافة التي تناسب عقول العامة وإدراكهم. بيد أن التطورات التي أدت إلى الاعتراف بحقوق الشعوب في إدارة شئونها والتي أفرزت الاتجاهات الديمقراطية والاشتراكية، أدت إلى بروز اتجاهات جديدة في الدراسات التاريخية تهتم بنشاط الإنسان في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والفن والدبلوماسية، ونظم الحكم والمؤسسات والطبقات، وما إلى ذلك، وكانت مثل هذه الاتجاهات الجديدة في الدراسات التاريخية، والتي اصطلح على تسميتها “التاريخ الجديد” نتاجا للتطورات التي جرت على العالم فيما بين الحربين العالميتين وبعدهما. وتمثلت نتيجة هذا كله فيما أطلق عليه “الثورة التاريخية”، وهي ثورة صامتة حققت من التقدم في مجال المعرفة التاريخية، في الربع الأخير من القرن العشرين، ما لم يتحقق طوال تاريخ التاريخ بأسره منذ كان وليداً في حجر الأسطورة إلى أن صار علما له فلسفته وتاريخه ومناهجه.

وكان من نتائج “ثورة التاريخ الصامتة” أن تطورت مناهج البحث وأدواته من ناحية، وتغيرت النظرة إلى المصادر التاريخية التي يعتمد عليها الباحثون من ناحية أخرى. وتخلت النظرة القديمة للتاريخ، باعتباره مرادفا لسير الحكام وحروبهم، عن مكانها لنظرة جديدة ترى في التاريخ مرادفاً لمسيرة البشر الحضارية على هذا الكوكب عبر الزمان، وترى أن كل ما حققه الإنسان، أو تطلع إليه بأمل، أو فكر فيه، جدير بالدراسة والتسجيل والبحث والفهم. ومن ثم فإن كل الأفعال البشرية، خيرا كانت أو شراً، حروباً أو إنجازات، ثقافة وفنا، أو زراعة وصناعة، طموحاً أو يأساً، رفعة أو ضعة.. كلها جديرة بأن ينظر فيها الباحثون والدارسون علّهم يفهمون قصة الوجود الإنساني على هذا الكوكب والقوانين التي تحكم هذا الوجود.

بيد أن أهم ما تمخضت عنه هذه الثورة الصامتة أن التاريخ لم يعد علما ينتمي للماضي إلا من حيث موضوعه، ولكنه صار علما ينتمي للحاضر والمستقبل من حيث هدفه وفائدته.

ولم تعد مهمة المؤرخ أن يعيد “تصوير الماضي” وأن يحكي “ماذا” حدث، وإنما صارت مهمة المؤرخ أن يفهم “لماذا” حدث ما حدث، ومدى تأثير هذا الذي حدث في الماضي على حاضر الجماعة الإنسانية ومستقبلها. ولأن الدراسات التاريخية الحديثة تحاول أن تفهم الإنسان بوصفه فرداً في جماعة إنسانية، فإن المصادر التاريخية التقليدية لم تعد كافية لتحقيق هذا الفهم، ومن ثم كان لابد من البحث في “مناطق” أخرى غير تلك التي تعود عليها المؤرخون.إذ إن المصادر التاريخية التقليدية الحوليات والمدونات التاريخية والوثائق والآثار وشهادات المعاصرين والمذكرات.. وغيرها، لم تعد هي فقط المصادر التاريخية المحترمة، فقد أخذ عدد متزايد من المؤرخين يبحث في “مناطق” وجدانية وعاطفية هي ما يتضمنه الموروث الشعبي الذي يمثل “القراءة الشعبية للتاريخ”.

الموروث الشعبي:

وقد صار الموروث الشعبي، بمختلف أجناسه القولية والتشكيلية، مصدراً مهما من مصادر الدراسات التاريخية، لاسيما في مجال التاريخ الاجتماعي. وكان هذا نتاجا طبيعيا لفكرة منطقية مؤداها أنه ليس من المعقول، أو المقبول، أن ندعي أننا نفهم مجتمعا ما دون أن نعرف شيئا عن وجدان أبناء هذا المجتمع، أو رؤيتهم لأنفسهم وللآخر، وتفسيرهم للأحداث التاريخية وآرائهم في الشخصيات التاريخية التي مرت عليهم ـ أي الكيفية التي نظروا بها إلى أنفسهم في مرآة التاريخ ورؤيتهم لأحداث هذا التاريخ، وهو ما نسميه “القراءة الشعبية للتاريخ”.

فهذه “القراءة” أقرب ما تكون إلى رؤية وجدانية جمعية للتاريخ وأحداثه وأبطاله. وتكمن أهمية المواد التراثية الشعبية، التي تشكل مجمل القراءة الشعبية، في أنها تحمل ما يمكن أن نسميه “البعد الثالث” في الدراسات التاريخية. وتفصيل ذلك أن التاريخ، بوصفه نظاماً تعليمياً وأكاديميا بمفهومه التقليدي، يعتمد على دراسة حركة الإنسان في بعدها الرأسي الصاعد، أي من حيث موقعها الزمني، وفي بعدها الأفقي الممتد، أي من حيث موقعها المكاني، أما الموروث الشعبي الذي يدور حول نواة تاريخية، والذي يعيد بناء القصة التاريخية وفق الرؤية الشعبية، ويغير الأدوار والأماكن، ويعيد صياغة الأحداث لصالح الجماعة الشعبية فإنه يحمل ما يمكن أن نسميه “البعد الثالث” في الظاهرة التاريخية. فإن القراءة الشعبية للتاريخ تضيف بعداً ثالثاً يجسد الرؤية الوجدانية للتاريخ ويضفي عليها طابعا نفسيا وروحيا يكسبه الصفة الكلية الشاملة.

فقد ظل التاريخ زمناً طويلاً يعتمد على شهادات جزئية يستمدها من المصادر التقليدية، وظل المؤرخون يعتمدون على هذه الشهادات التاريخية الجزئية في محاولة إعادة تصوير الماضي وفق منهج استردادي صارم يحكي “ماذا” حدث. ولكن تغير الوظيفة الثقافية/الاجتماعية للتاريخ جعل هذا النمط من الدراسة التاريخية السردية غير كاف لإشباع الرغبة في المعرفة التاريخية، ومن ثم اعتمد المؤرخون على مصادر غير تقليدية لفهم ما حدث وتفسيره. فالموروث الشعبي يقدم لنا رؤية “كلية” للأحداث التاريخية، لأن الجماعة في رؤيتها للحدث التاريخي تقفز فوق التفاصيل وعلاقات الزمان والمكان، ولا تهتم إلا برسم صورة كلية حبلى بكل الرموز والمفاهيم الاجتماعية بذاتها فضلا عما تحمله في طياتها من حقائق تاريخية لا تحملها المصادر التاريخية التقليدية عادة. هذه الحقائق التاريخية “المسكوت عنها” في المصادر التاريخية التقليدية تحمل لنا رأي الناس في الأحداث والشخصيات التاريخية والأدوار التاريخية أيضاً. كما تحمل لنا الصورة التي تقبل بها الناس الحادثة التاريخية وتفسيرهم لها، وهذه كلها جوانب لا يمكن أن نجدها في المصادر التاريخية التقليدية.

فاذا كانت المصادر التاريخية التقليدية تحمل لنا جزءاً من الواقع التاريخي فإن الموروث الشعبي يحمل لنا جزءاً، أو جانباً، غير ملموس من هذا الواقع التاريخي نفسه.

ويرى بعض الباحثين أن الموروث الشعبي موضوع علم تاريخي هو علم الفولكلور، وفي رأيهم أنه علم تاريخي لأنه يحاول كشف ماضي الإنسان من زاوية أخرى غير الزوايا التي يعمل فيها علم الآثار أو علم التاريخ مثلاً، ومن هذه الناحية نجد أن هناك بعض مناطق الالتقاء والتطابق بين علم الفولكلور وبعض فروع الدراسات التاريخية التي تهتم بتطور المجتمع، وإعادة بناء “التاريخ الروحي للإنسان” من خلال فحص إبداعاته التلقائية. وهو الأمر الذي يجعل الباحثين في علم الفولكلور، أو في علم التاريخ، يعكفون على دراسة الموروث الشعبي، الذي يشكل بالنسبة للمؤرخين نمطاً من أنماط قراءة التاريخ.

التاريخ ومادته الشعبية:

وإذا كان الموروث الشعبي يشكل أساس القراءة الشعبية للتاريخ، فإن من المثير أن نعرف أن كتب المؤرخين العرب، في عصور التألق الفكري في ظل الحضارة العربية الإسلامية، ضمت الكثير من عناصر الموروث الشعبي التي حرص أولئك المؤرخون على تسجيلها. وفي تصورنا أن هذه المادة “الشعبية” التي لايكاد يخلو منها كتاب من كتب التراث العربي، لم تكن حشوا فارغا على الرغم من أن قليلين من المؤرخين قرأوها قراءة نقدية، فقد كانت المادة التراثية الشعبية تشكل نوعاً من تقرير الرؤية الشعبية السائدة للأحداث التاريخية وأبطالها ومغزاها.

وفي رأي الدكتور محمد رجب النجار أن التراث الشعبي الذي جاء في كتب المؤرخين وأصحاب الموسوعات، من أمثال المقريزي والنويري والقلقشندي والعمري، كان ينقسم إلى قسمين كبيرين: أحدهما لايزال بوظائفه الحيوية والفكرية والنفسية والجمالية حياً فاعلاً ومؤثراً في بنية الفكر العربي حتى اليوم، وهو ما يسميه علماء الفولكلور “المأثورات الشعبية”، والثاني هو هذا الجزء من المادة، أو العناصر، الفولكلورية التي تحجرت، أو توقفت وظائفها منذ زمن بعيد وتحولت إلى مجرد رواسب ثقافية احتفظت بها كتب التراث العربي ولم تعد لها من قيمة الآن سوى قيمتها الثقافية، وقد أطلق عليها النويري والقلقشندي وغيرهما مصطلح “الأوابد” أو “أوابد العرب” دلالة على أنها لم تعد حية وفاعلة.

وعلى أية حال، فإن هذا الوعي بقيمة عناصر “التراث الشعبي”، والاهتمام بتسجيلها يشي بأن دور “العناصر الشعبية” في الفكر التاريخي العربي كان واضحاً. إذ اننا لا نكاد نجد كتاباً واحداً من كتب التراث العربي يخلو من أثر، أو أكثر، من التراث الشعبي العربي، سواء في الكتب الموسوعية مثل: “نهاية الأرب في فنون الأدب”، للنويري، و”صبح الأعشى في صناعة الإنشا” للقلقشندي، و”مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” لابن فضل الله العمري، أو كتب الفتوح والجغرافيا، أو تقويم البلدان والرحلات ـ وهي كثيرة ومثيرة، أو كتب فتوح البلدان وفضائل البلدان التي كتبها مؤرخو كل بلد من البلاد الإسلامية تفاخراً ببلدهم ومنافسة لعلماء البلاد الأخرى. وكان ذلك نمطاً من التأليف ساد في عصر ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، وخلف لنا تراثا هائلا من المعلومات التاريخية والجغرافية والفولكلورية والأنثروبولوجية والاجتماعية والسكانية، فضلاً عن المعلومات المتعلقة بتواريخ المدن الإسلامية وتطورها. وفي طيات هذه كله نجد ملامح “القراءة الشعبية للتاريخ” جلية واضحة في الأساطير والحكايات الشعبية وأخبار الخوارق والمعجزات، التي يوردها مؤلفو تلك الكتب في سياق رواياتهم “التاريخية”.

بل إن عناصر “التراث الشعبي” العربي هذه نجدها في الكتب التي تبدو مؤلفات تاريخية خالصة، مثل كتب التاريخ العام، وكتب التراجم والوفيات، وكتب السير التاريخية، وكتب الخطط “التي تجمع بين التاريخ والطبوغرافيا والاجتماع والجغرافيا”، والكتب ذات الموضوع الواحد، أي الرسائل التي كانت تشبه الأعداد الخاصة التي تصدرها الصحف والمجلات حالياً في مناسبة ما ـ مثل “التبر المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك” للمقريزي، و”كوكب الروضة” للسيوطي، و”بذل الماعون في فضل الطاعون” لابن حجر، و”الفيض المديد في النيل السعيد للسيوطي”.. وغيرها ـ حملت بين ثناياها الكثير من عناصر الموروث الشعبي.

كذلك فإن كتب الأدب، بطبيعة الحال، قد حملت لنا الكثير من عناصر هذا الموروث الشعبي على الرغم من احتفالها بأدب الصفوة أو المتعلمين. فلا يكاد يخلو كتاب من عيون الأدب العربي في عصور التألق والازدهار من آثار هذه “القراءةالشعبية”.

وإلى جانب هذا كله، نجد في تراث الثقافة العربية الإسلامية عدداً هائلاً من الكتب التي حملت بين دفتيها مادة تراثية خالصة، تمثلت في الأساطير، والسير الشعبية، والحكاية الشعبية والشعر والأزجال والبلاليق والألغاز.. وغيرها. وفي كل نمط من أنماط هذه الكتب التي حملت “الموروث الشعبي” العربي نجد نمطا من أنماط القراءة الشعبية للتاريخ، ففي روايات الاخباريين العرب القدماء مثل “وهب بن منبه” نجد طبقات خيالية نمت حول بذرة تاريخية حقيقية لتشكل أحد أنماط القراءة الشعبية للتاريخ، وفي “ألف ليلة وليلة” نجد نمطا آخر لهذه القراءة الشعبية ـ ففي صفحات هذا الكتاب البديع تتردد أصداء الحروب ضد الروم، وأصداء الحروب الصليبية، كما نشعر بأنفاس الحياة الاجتماعية ونقرأ مصطلحاتها في ثنايا الرواية. وفي “ألف ليلة وليلة” أيضا نعرف رأي الناس في حكامهم وقضاتهم، ورؤيتهم للآخر من خلال تصويرهم لهذه الشخصيات، أما السير الشعبية فتشكل نمطاً مغايراً من أنماط “القراءة الشعبية” فسيرة سيف بن ذي يزن، وسيرة الظاهر بيبرس، والسيرة الهلالية، وغيرها، ليست سوى قراءات شعبية تتناول ظواهر تاريخية متنوعة من وجهة نظر الجماعة.

وهناك كتب تحمل مادة خالصة ذات طبيعة مغايرة مثل تلك المجموعات القصصية التراثية التي تنوعت اتجاهاتها مثل: “نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة” و”الفرج بعد الشدة” للتنوخي، وكتب النوادر والمسامرات، والأغاني، والكتب التي تحوي القصص العاطفي والاجتماعي، وقصص البطولة والفروسية وغيرها من ضروب الفن القصصي.

أنماط الكتابة التراثية:

ويحفل تراث الثقافة العربية الإسلامية بالكثير من المؤلفات والكتب التي ضمت بين دفتيها مادة فولكلورية خالصة، مثل كتب الألغاز والأمثال والغرائب والعجائب، فضلاً عن كتب التصوف التي تحوي نوعاً من المادة الخيالية التي تدور حول معجزات الصوفية وكراماتهم، وقد ازدهر هذا النوع من التأليف في أعقاب مظاهر التدهور التي ألمت بالثقافة العربية الإسلامية بعد القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي، وإن كانت قد وجدت قبل هذا القرن. ويضيق بنا المقام لو حاولنا تصنيف أنماط الكتابات التراثية التي نعتبرها ضمن ما نسميه “القراءة الشعبية للتاريخ”. ولم تخضع هذه الكتابات، حتى الآن لدراسة منهجية منظمة، وهو عمل لا يستطيع باحث فرد أن يقوم به، وإنما ينبغي أن يكون محل اهتمام مؤسسة منظمة. وبقدر ما كانت للكتب التي تحمل مادة شعبية خالصة رؤيتها الخاصة للظواهر والأحداث، فإن المؤرخين الذين استخدموا المادة الشعبية في كتبهم قد وظفوها في خدمة الهدف الذي ألفوا كتبهم من أجله. ففي كتب فتوح البلدان كانت الروايات الشعبية تهدف إلى ترسيخ فكرة أن الفتح الإسلامي كان خلاصا للشعوب المقهورة من ناحية، وأن “البطولة” بمعناها الجهادي والإسلامي كانت من أهم أسباب نجاح حركة الفتوح الإسلامية من ناحية أخرى.

ومن ينظر في أخبار فتوح الشام، أو فتوح مصر، أو غيرهما يجد أن هذين العنصرين كانا من أهم عناصر الرواية التاريخية العربية حول حركة الفتوح، وما أعقبها مباشرة. كذلك كانت هناك عناصر في هذه الروايات تؤكد أن عناية الله كانت ترعى الفاتحين، لأنهم كانوا مثالاً للمجاهد الذي يسعى في سبيل الله. ومن ناحية أخرى، نجد في هذه الروايات قدراً كبيراً من الخيال الذي يحمل أصداء الحكايات الشعبية الموروثة في البلدان التي تم فتحها، والذي يعكس ما تتركه الرواية الشفوية على التدوين التاريخي من آثار شعبية. فقد كانت أخبار الفتوح الإسلامية وأحداثها متداولة بالرواية الشفوية طوال القرن الأول للهجرة على أقل تقدير “انظر الطبري، والبلاذري، وابن عبدالحكم” ومن ثم تعرضت تلك الروايات الشفوية للحذف والإضافة في كل جيل إلى أن تم تدوينها. ولأن الرواية الشفوية تحتاج إلى قدر من الإثارة لشد الانتباه، اتسمت هذه الروايات بأنها تحمل قدراً من الحكايات الشعبية التي لا يمكن للباحث أن يأخذها على عواهنها.

إعادة تفسير التاريخ:

خلاصة القول إن “القراءة الشعبية للتاريخ” نوع من إعادة تفسير نفس الوقائع والأحداث التاريخية لصالح الجماعة. والسبب في ذلك أن المؤرخين في العصور القديمة “وفي العصور الحديثة أحيانا” ينسبون الفعل التاريخي إلى شخص الحاكم الفرد، ويقرأون الأحداث التاريخية من منظور ينسب إلى الحاكم كل فضل ويحول الناس إلى قطيع من الأغنام أو الماشية التي يقودها هذا الحاكم، ولأن هذا غير حقيقي من ناحية، ولأنه ضد طبيعة الأمور من ناحية أخرى، فإن “القراءة الشعبية” تعيد إثبات دور الناس صناع التاريخ الحقيقيين في الحدث، كما أنها تبلور المنظور الذي ينسب إلى الجماهير كل فضل تاريخي.

التعليقات