الثأر … طبيعة بشرية أم نظام اجتماعي؟ – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في يونيو 13, 2015 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

يبدو أحيانا أن الثأر قريب للغاية من الطبيعة البشرية ، بحيث تحسبه جزءا منها ؛ مكملا ومتمما لها ، وبحيث تظنه أحيانا نوعا من الغريزة البشرية . ذلك أن الرغبة فى الثأر والانتقام نزوع بشري متعدد المستويات ، مختلف التعبيرات ، متنوع التجليات ، بحيث لا يكاد يوجد إنسان بريء من مشاعر الرغبة فى الانتقام ، أو الثأر ، فى وقت ما من حياته . ويصدق هذا على الجماعة البشرية على النطاق الجماعي أيضا ؛ فلا يوجد مجتمع لم يعرف ظاهرة الثأر : فى قديم الزمان وفى العصر الحالي على السواء.

والثأر ، على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي ، ظاهرة لم يخل منها التاريخ الإنساني طوال رحلة البشر على سطح هذا الكوكب على مرِ الزمان . وعلى الرغم من أن المجتمعات والدول والحضارات حاولت الحد من ظاهرة الثأر والحد من تأثيراتها السلبية منذ أقدم العصور حتى الآن ، فإن الثأر ظل موجودا موجود بشكل أو بآخر حتى اليوم . بل إن الديانات اهتمت بهذه الظاهرة على نحو ما ؛ فقد اهتمت الكتب المقدسة بمسألة الثأر من جوانب اختلفت باختلاف موقف كل ديانة من هذه الظاهرة الإنسانية المهمة ، ولكنها جميعا اهتمت بها . ويلفت المظر حقا أن خطاب الثأر أو الانتقام –  بغض النظر عن موقف الديانات – خطاب يلقى القبول من جماهير الناس فى كافة المجتمعات البشرية : فى كل العصور وفى جميع بقاع الأرض . ولا يزال الزعماء السياسيون يعزفون نغمة الثأر والانتقام لكي يحوزوا الرضا الجماهيري فى أية قضية أو موقف.

وفى عودة إلى السؤال الذى اتخذ شكل العنوان ، ينبغى أن نعترف بأن الإجابة على هذا السؤال / العنوان ليست هينة ميسورة بطبيعة الحال ؛ فضلا عن أن الطبيعة البشرية نفسها غامضة مركبة ومعقدة لا تكشف عن أسرارها بسهولة أو طواعية وإنما تتطلب الكثير من البحث والدراسة ( فما يزال الإنسان الذى نجح فى استكشاف الفضاء وأعماق البحار وباطن الأرض ، واكتشف الكثير من خبايا الطبيعة ، عاجزا عن الفهم الكامل ، أو المرضى ، للنفس البشرية ) . ومن ثم ، فإن جهود العلماء فى علم النفس ، وعلم النفس الاجتماعي ، والأنثروبولوجيا … وغيرها ، مهمة للغاية فى هذا الصدد . ومن ناحية أخرى ، فإن الإجابة على سؤال الثأر فى تاريخ البشرية لا يمكن أن نجدها من خلال جهود العلماء والباحثين فى مجال واحد من فروع العلم الإنساني والاجتماعي ، وإنما يتطلب الأمر جهودا متضافرة من الجميع ؛ لكي نفهم . على الرغم من أننى لا أظن أننا سوف نفهم أكثر مما نفهمه أو نعرفه عن الطبيعة البشرية نفسها .، أو أن هذا الفهم سيكون مفيدا من الناحية العملية فى القضاء على ظاهرة الثأر والانتقام أو الحد منها على الأقل . فمن الواضح أن الثأر مفيد لحفظ المجتمعات البشرية : سواء فى شكله الفردي أو العائلي ، أو القبلي ( حين يكون القانون العام فى أيد خاصة ، وعندما تفتقد العدالة ) ، أو فى شكله الاجتماعي ( حين تتولى السلطة الأمور نيابة عن الأفراد وتكون بمقتضى القانون وكيلا عن الناس فى الثأر لهم ممن ارتكبوا الجرائم فى حقهم ) . ومن ناحية أخرى ، فإن للثأر وظيفة اجتماعية مهمة بوصفه عامل ردع يساعد على حفظ التوازن فى المجتمع.

وفى هذه الورقة لا ينصب اهتمامنا على الثأر من حيث كونه ظاهرة اجتماعية ، أو قضية أنثربولوجية – فهذا مجال اختصاص علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا ، وإنما يتمحور اهتمامنا حول محاولة تتبع هذه الظاهرة على المستوى التاريخي وفى مختلف الحضارات ؛ انطلاقا من العنوان / السؤال : طبيعة بشرية أم نظام اجتماعي ؟ ويلفت النظر فى هذا المقام أن الثأر لم يقتصر على مستوى دون آخر من مستويات الحياة الإنسانية ، أو على طبقة دون غيرها من طبقات المجتمع ، أو على حضارة دون حضارة من حضارات البشر عبر العصور التاريخية . ومن المثير أن حالات الثأر والانتقام لم تختف أبدا من حياة البشر منذ بداية البداية حتى هذه اللحظة . وإذا كان النظام القانوني العام فى المجتمعات المتقدمة قد انتزع من الأفراد مهمة أخذ الثأر بأيديهم ، فإن هذا لا يعنى بأي حال من الأحوال اختفاء الثأر أو عمليات الانتقام ، وإنما يعنى أن المجتمع – ممثلا فى نظامه القانوني والعقابي – صار وكيل أفراده فى الأخذ بالثأر . ومن ناحية أخرى ، فإن سيادة القانون فى المجتمعات والدول التى تتباهى بتقدم نظامها السياسي والقانوني ونضجها الحضاري فى العصر الحالي ، لم تقض تماما على ظاهرة الثأر : فلا تزال حالات الثأر والانتقام تحدث هنا وهناك فى شتى أرجاء الدنيا ؛ وهو ما يدعونا إلى العودة لطرح السؤال مرات ومرات : طبيعة بشرية أم نظام اجتماعي؟

من المؤكد أن الإنسان الأول قد أدرك أن الموت الحقيقة الوحيدة الأكيدة فى الحياة . وقد حاول الإنسان من خلال الأسطورة والديانا البدائية والطقوس والشعائر الوثنية … وغيرها التعايش مع هذه الحقيقة. بيد أن الإنسان ، من ناحية أخرى ، كان يخشى الموت غيلة وغدرا على يد أخيه الإنسان . وكان لابد له من وضع القواعد والقوانين والترتيبات التى تحميه من مثل هذه الاحتمالات وتضمن له عنصر الردع . وأخذ الإنسان يبحث عن سلطة تحميه : فكان الثأر الفردي والعائلي وسيلته الأولى لحماية نفسه وحماية أسرته أو العائلة . ولكن هذا لم يكن كافيا بأي حال ، واكتشف أن وجود سلطة عامة قد يكون كافيا لتوفير الحماية المطلوبة ؛ فتنازل عن جزء من حريته الشخصية واستقلاله الفردي للعائلة ، أو العشيرة ، أو القبيلة ( وهم على أية حال من ذوى قرباه ومن أولياء الدم ) بحيث لا يكون وحده فى مواجهة الخطر المحتمل . ومن المهم أن نلاحظ هنا أن الثأر بات محكوما بقواعد وأصول عرفية فى غالب الأحوال . ومع المزيد من تطور المجتمعات واتجاهها نحو بناء الدولة وفرض القانون العام ، زاد الشطر الذى يتنازل عنه الإنسان الفرد من حريته فى مقابل ما توفره له سلطة الدولة مهما كان شكلها من أمن؛ وأوكل لها عملية الثأر والانتقام ممن يرتكبون الجرائم فى حق الأفراد باعتبارها جرائم فى حق المجتمع . ولكن هذا التطور أيضا لم يفلح فى القضاء على ظاهرة الثأر والانتقام الفردي والقبلي.

ولدينا كثير من الأمثلة الدالة على صدق ما ذهبنا إليه فى السطور السابقة تمدنا بها المصادر التاريخية المتنوعة : فقد كان النظام القبلي السائد فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام سند للفرد وتنظيما لحمايته فى مجتمع صحراوي قاس من جهة ، كما كان مصدر حروب ثأرية قبلية عديدة تركت آثارا وبيلة من جهة أخرى . ويحفل التراث الشعري والأدبي المنسوب إلى العرب قبل الإسلام بكثير من البراهين والأدلة على أن الثأر كان من مقومات الشرف القبلي فى تلك الفترة البعيدة من تاريخ العرب . ومن المهم هنا أن نشير إلى القبيلة كانت بمثابة الوطن بالنسبة لأبنائها : فلم يكن الفرد يشعر بأنه ذو شأن خارج الكيان القبلي ( ولهذا كانت عقوبة الخلع من القبيلة بمثابة إهدار دم من تقع عليه تلك العقوبة ) ، فلا حماية ولا سعي لثأر من تخلعه القبيلة من أفرادها الذين خرجوا عن أعرافها . وفى المقابل منحت القبائل حق الجوار لبعض الأغراب الذين طلبوا أن تجيرهم القبيلة لسبب أو لآخر ؛ وهو ما يجعله يتمتع بمكانة أبناء القبيلة الحقيقيين. وعلى الرغم من أن الإسلام جاء بمفهوم الأمة بعيدا عن مفهوم القبيلة فقد بقيت للقبيلة مكانتها بحكم التطور التاريخي الاجتماعي الذي مرت به المجتمعات فى هذه المناطق منذ ذلك الحين حتى الآن . وقد بقي مفهوم الثأر على الرغم من التطورات الهائلة التى أحدثتها المفاهيم الإسلامية فى العديد من نواحى الحياة ( ومن المهم أن نشير إلى أن الإسلام لم يحرِم الثأر ولم يجرِمه)

وهناك أمثلة عديدة فى تاريخ أمم أخرى تدل على مدى تأثير مفهوم الثأر فى تاريخ تلك الشعوب والأمم . فقد كانت أوربا فى العصور الوسطى ، مثلا ، قد خضعت للشعوب الجرمانية التى كان موطنها الأصلي شبه جزيرة اسكندنافيا ( السويد والنرويج والدانمرك ) ؛ وفى الفترة ما بين القرن الخامس والقرن السابع الميلاديين استوطنت قبائل كثيرة من هذه الشعوب الجرمانية المناطق الأوربية الأكثر دفئا والأغنى فى مواردها من خلال ما يعرفه المتخصصون فى تاريخ أوربا العصور الوسطى باسم ” الغزوات الجرمانية ، أو تجوال الشعوب ” كما يحب المؤرخون الألمان أن بسموها ؛ ولم تلبث المجتمعات القبلية الجرمانية أن ذابت فى محيطها الأوربي لتخلق المجتمعات الأوربية الحالية من خلال تفاعلات اجتماعية وثقافية جرت على مدى عدة قرون من الزمان . وفى الفترة الأولى من وجود هذه  المجتمعات الجرمانية : الأوستروقوط فى إيطاليا ، والفيزيقوط فى إسبانيا ، والفرنجة فى بلاد الغال ( التى اتخذت اسم فرنسا فيما بعد نسبة إلى الفرنج ) والفاندال ( الذين سميت بلادهم قبل الفتح الإسلامي فاندالوسيا : الأندلس ) واللمبارديين واللان … وغيرهم – نقول إنه فى الفترة الأولى من وجود هذه القبائل الجرمانية كان النظام القانوني لديهم قائما فى جانب كبير منه على الثأر. فقد عرفث الجماعات الجرمانية ما يشبه ” التسعيرة ” فى الدية ، التى كانت تطرح بديلا عن الثأر فى بعض الحالات لكنها لم تلغ الثأر الذى كان من حق أولياء الدم تنفيذه أو قبول الديَة . فقد كانت هناك دية محددة للعين المفقوءة ،مثلا ، وأخرى للذراع المكسورة أو المقطوعة ، أو غير ذلك من العاهات شريطة أن يكون الأذى قد حدث غدرا وليس فى قتال عادل وعلني ، فلم تكن هناك دية فى مثل هذه الحالات حتى لو كانت نتيجتها مقتل أحد المتقاتلين . وفى حالات القتل غيلة أو الإصابة غدرا كان من حق العشيرة أن تقبل الدية أو ترفضها ، وفى حال الرفض كان من حق العشيرة أن يأخذوا القانون فى أيديهم طلبا للثأر.

وتخبرنا المصادر التاريخية الأوربية التى وصلتنا من فترة العصور الوسطى أن هناك عددا كبيرا من العائلات فى أنحاء اوربا آنذاك توارثت عمليات الثأر ، والثأر المضاد ، على مدى عدة أجيال. .. ولدينا أدلة على حالات ثأر استمرت حوالي قرنين من الزمان فى بريطانيا ،  وتلاشت بسببها عائلات إنجليزية بأسرها . والجدير بالذكر فى هذا المقام أن تلك الكيانات السياسية البدائية ظلت موجودة فى كثير من أرجاء أوربا قرونا طويلة : ذلك أن أول ظهور لمفهوم الدولة السيادية ظهر فى أوربا كان فى فرنسا بعد القرن الثالث عشر ، وتأخر عن هذا التاريخ كثيرا أو قليلا فى البلاد الأوربية الأخرى. وحتى ظهور الدولة السيادية كانت السلالة الحاكمة هي الهوية السياسية للبلاد ، وليست الدولة بشعبها وحدودها الجغرافية ولغتها ونظامها القانوني الذى تتولى الحكومة تنفيذه . فقد كانت السلالات الحاكمة مثل آل كابيه فى فرنسا ، والهوهنشتاوفن  فى ألمانيا وصقلية ، وأسرة آنجو …. وغيرها يحكمون فى ظل النظام الإقطاعي فى الغالب الأعم ، ووفقا للمفاهيم الإقطاعية فى أوربا العصور الوسطى. وهو ما يعنى فى التحليل الأخير أن ظاهرة الثأر استمرت فى الوجود ؛ بل إن هذه السلالات الحاكمة احتكرت لنفسها حق الثأر الجماعي فى تلك الحروب الكثيرة التى ميزَت تلك الفترة من التاريخ الأوربي.

وقد استمرت مظاهر الثأر الجماعية التى تمثلت فى الحروب التى شنتها الأسر الحاكمة ضد بعضها البعض حتى مطلع العصر الحديث وفى ذلك الحين صارت الحروب تشن باسم الدولة وليس باسم السلالة الحاكمة . وعندما بدأ السباق الاستعمارى لاستغلال ثروات الشعوب غير الأوربية ، جلب فى ركابه سلسلة من الحروب الأوربية – الأوربية التى كانت فى حقيقتها شكلا من أشكال الثأر والانتقام المتبادل . فقد كان تاريخ العداء القديم بين إنجلترا وفرنسا ، مثلا، يترك بصماته على أشكال التنافس الاستعماري الذى تبلور فى نهاية الأمر إلى تورط الدول الأوربية كلها فى حرب شاملة لاقتسام ثروات العالم ؛ وهي الحرب التى نسميها الحرب العالمية الأولى فى العقد الثانى من القرن العشرين . وقد هزمت ألمانيا وحلفاؤها وفرضت على ألمانيا شروط مهينة أدت إلى أكبر عملية ثأر فى تاريخ البشرية ، والتى أدت بدورها إلى وقوع أكبر مذبحة فى التاريخ الإنساني :أقصد الحرب العالمية الثانية التى استمرت ست سنوات (1939 -1945 م ) . لقد كانت الحرب العالمية الثانية ، فى جوهرها ، عملية ثأر وانتقام شنها أدولف هتلر للتخلص من معاهدة الذل والعار حسبما رآها ذلك الحاكم الألماني ورجال دولته.

ولم تخل أعمال الأمريكيين ، بعد دخولهم الحرب إلى جانب الحلفاء الأوربيين من نزعة الثأر بسبب ما جرى على أسطولهم فى بيرل هاربور . ولست أقصد هنا بطبيعة الحال أن أدين جانبا أو أدافع عن جانب آخر ؛ ولكننى أشير إلى أن نزعة الثأر كانت من العوامل المهمة فى هذه الأحداث السياسية والعسكرية الجسيمة ، شأنها فى ذلك شأن العوامل والأسباب الأخرى . وفى رأيي أن المحاكمات التى تمت بعد نهاية الحرب لمن أسماهم الحلفاء ” مجرمى الحرب ” كانت بدورها نوعا من الثأر والانتقام من الأعداء المهزومين . وهنا يفرض السؤال نفسه : هل الثأر أحد العوامل المحركة للتاريخ ؟ وهل يستطيع المؤرخون أن يتجاهلوا هذا العامل المهم فى تفسيراتهم السببية للأحداث التاريخية ؟ وهل يكمن الثأر دائما فى مثل هذه الأحداث التاريخية لأنه جزء من الطبيعة البشرية ؟

يجب أن نلاحظ أن من يتخذون قرارات الحرب والسلام وغيرها ، بشر فى الحقيقة ، ومهما كانت النظم والقواعد الموضوعة لكبح جماحهم والانسياق وراء رغباتهم وعواطفهم ، فإننا لايمكن أن نستبعد الرغبة فى الثأر والانتقام من كثير من قراراتهم ( بل إن خطاب الثأر كان فى كثير من الأحيان يستخدم لتعبئة الجماهير : مثلما حدث فى الحروب الصليبية والحروب الأوربية على ما أشرنا ) . فهل يمكن اعتبار الثأر أحد العوامل المحركة للتاريخ ؟ أظن أن الإجابة بنعم لن تجافى الحقيقة كثيرا … إن الرغبة فى الثأر ، وتعويض الهزائم ، واسترداد الشرف العسكري والسياسي ، والدفاع عن شرف الوطن والانتقام له عبارات ترد كثيرا فى الخطاب السياسي والعسكري فى تاريخ الشعوب والأمم . ومن ناحية أخرى ، كانت مثل هذه المبررات وراء الكثير من التحولات الكبرى فى التاريخ البشري.

ولا يمكن أن يخلو تاريخ أية جماعة إنسانية ، فى أي مكان وزمان ، من الأمثلة الدالة على حروب الثأر والانتقام ؛ ولكن كان  يحدث كثيرا أن يتم عبور ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين الثأر المشروع والانتقام الجائر . فقد حدث فى أثناء الحرب العالمية الثانية أن حرك دافع الانتقام من اليابان الرئيس الأمريكي والإدارة الأمريكية إلى تجميع الأمريكيين ذوى الأصول اليابانية فى معسكرات على الشاطئ الغربي الأمريكي فيما يشبه الاعتقال باعتبارهم من أقارب الذين شنوا الهجوم على بيرل هاربور . ولم يكن هذا ثأرا بقدر ما كان ظلما على من لا ذنب لهم . وهو مثال تكرر بعد ذلك ضد المسلمين الأمريكيين والعرب بعد حادث الحادى عشر من سبتمبر سنة 2001م ؛ وهو الأمر الذى تكرر فى أوربا أيضا . لقد حدثت فى طيات أحداث الحروب كلها تجاوزات كثيرة كان محركها الانتقام الجائر . وأوضح الأمثلة على ذلك تتمثل فى العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان والفلسطينيين ، وما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية فى مناطق مختلفة من العالم اليوم تحت ذريعة أو أخرى بعد ما جرى فى الحادى عشر من سبتمبر.

الثأر نوع من القصاص العادل فى أصله – باعتباره رادعا لكل معتد ، وبوصفه تخلصا من الذل والإهانة التى تلحق بالفرد أو الجماعة يجعلها تستعيد الثقة بنفسها من ناحية ويفرض نوعا من العدالة الرادعة من ناحية أخرى . أماَ الانتقام الجائر فيتجاوز استرداد الحق أو القصاص العادل ليصير نوعا من الإبادة والقتل العشوائي مثلما حدث كثيرا فى التاريخ. ومن هنا يكون الثأر بمفهوم العدالة مطلوبا بشرط أن تتولاه السلطة العامة فى المجتمع تحت حكم القانون . فماذا لو كان الذين تقع عليهم مسئولية تحقيق العدالة ، ويفترض فيهم أن يمثلوا المجتمع ويثأروا له من المجرمين ، منحازين ؟؟ أظن أن نوازع الثأر والانتقام الفردي سوف تتسيد الموقف وسوف تكون انتقاما من النوع الذى يضر الجميع.

إن للثأر جوانب عديدة ، ويمكن النظر إليه من جوانب مختلفة . وقد حاولت فى هذه السطور أن أطل عليه من الناحية التاريخية ؛ وأن استعرض بعض مظاهره من الجانب التاريخي . بيد أن الثأر بوصفه إحدى القوى المحركة للتاريخ يستحق دراسة تفصيلية متعمقمة . وعلى الرغم من أن علم النفس التاريخي يدرس الكثير من العوامل النفسية والشخصية التى قد تؤثر فى مسار التاريخ ، فإن الثأر ، أو ما يرتبط به من عمليات انتقامية ، لم يحظ بأية دراسة متكاملة حتى الآن ، أو يدخل فى نطاق دراسة السببية فى الأحداث التاريخية على الأقل . ومع أن حالات الانتقام والثأر كثيرة ومتواترة فى التاريخ البشري ، فى كل زمان ومكان ، فإن الثأر لم يحظ بدراسة تاريخية تلقى الضوء عليه باعتباره أحد عوامل صناعة التاريخ على المستوى السياسي والعسكري . ذلك أن الإنسان هو صانع التاريخ ؛ ولا يمكن أن نتغافل عن حقيقة أن الرغبة فى الثأر ونوازع الانتقام تحرك البشر فى أحيان كثيرة.

مرة أخرى ، يطرح السؤال نفسه بإلحاح : هل الثأر طبيعة بشرية أم نظام اجتماعي ؟ أميل إلى القول بأنه الاثنان معا .

التعليقات