قاسم عبده قاسم في نقاش حول أبعاد العلاقة بين التاريخ والأسطورة – ناقشه في القاهرة د. عمرو عبد العزيز منير

نشرت في يونيو 8, 2015 عن طريق - قسم دكتور عمرو منير دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

يعد المؤرخ المصري قاسم عبده قاسم أحد أبرز القامات العلمية التي  تعهدت أجيالًا كثيرة بالعلم والمعرفة، وفاض علمه حتى اجتاز الآفاق، وتعددت مجالات إسهاماته العلمية ما بين التاريخ والأدب، والموروث الشعبي، والترجمة… فبلغت مؤلَّفاته وكتاباته وترجماته ما يزيد على المئتين ومعها تعددت علامات التقدير التي حصل عليها، فحصد جوائز عدة في الفكر والكتابة والترجمة.وجاءت كتاباته التاريخية لتعطي المؤرخ صورًا أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية وإضافة حقيقية إلى تاريخ مصر، بكل ما تتضمنه من إيحاء ودلالة وصدق لجزئيات الواقع الحياتي المجتمعي، في وقت ساد اغتراب العلم التاريخي وتجاهله وتهميشه لدور الناس والجماعات الشعبية في صنع التاريخ. فوجه تلاميذه في الدراسات العليا إلى التركيز على دور الصُّنَّاع الحقيقيين لتاريخ مصر والعرب ولثورات التحرُّر في الوطن العربي، ودراسة القوى الشعبية، ورؤيتها لذاتها وللأحداث من حولها وفي إطار ذلك الفهم والوعي تحركت ثوابته الحضارية ورسالة المؤرخ العلمية لتتفاعل لتخرج أجندته البحثية، التي حار البعض في تفسير مكوِّناتها أو مكنوناتها.. تعرض للظلم أحيانًا فلم يستسلم.. دخل السجون وخرج منها أشد عزيمة وأكثر مضاء.. ليواصل مسيرته متفائلًا من نجاح إلى آخر حتى أصبح أحد أهم رواد المدرسة التاريخية منذ الربع الأخير من القرن العشرين.  : إنه خير مثال للعظمة التي عناها مكسيم جورجي حين قال : ” من العظماء من يشعر المرء في حضرتهم بأنه صغير , ولكن العظيم بحق هو الذي يشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء” . وقد كان هذا شعورنا معه ونحن  نناقشه في أبعاد العلاقة بين التاريخ والأسطورة .

هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح : هل تخلو الكتابة التاريخية الملتزمة بأصول العلم التاريخي من الخيال ؟ وهل تتنصل الدراسات التاريخية الحديثة بمنهجها الصارم الذي يرمي إلى استرداد الحدث والظاهرة التاريخية من ذمة الماضي من الخيال ؟ وهل يعيب البحث التاريخي أن يحمل قدرًا من الخيال بين طياته؟

  • في ظنى أن الخيال مهم للباحث والمؤرخ في تصور السياق العام لدراسته وسد الفجوة الناتجة عن عجز المصادر التاريخية التقليدية عن سدها وبعث الحياة في الهيكل العظمى للحقائق التاريخية الجافة التي تحملها المصادر . ومن المهم الاستعانة بالنتاج الفنى – من فنون القول ومن فنون الشكل على السواء – للوصول إلى هذه الغاية . وليس هناك ما يعيب البحث التاريخي والباحث في استعانته بالخيال ؛ وإنما العكس هو الصحيح . إذ إن الخيال بمعناه الإيجابي وسيلة مهمة للغاية لكي يتمكن المؤرخ من إعادة بناء الماضي . فالوقائع التاريخية ذات بعد واحد مسطح ومجرد ، ولكن الخيال يمنحها البعد الثاني ، والبعد الثالث ، التي يجعلها الخيال تبدو حية دون أن ينتقص من قدر الحقيقة التاريخية التي تحملها.

 يتصور كثيرون من دارسي التاريخ ، وقرائه ، أن التاريخ “علم الحقيقة ” ؛ ومن ثم فإنه لا مجال للأسطورة أو للخيال في الكتابات التاريخية ؟

  • للأسف يتصور الكثيرون أن الأسطورة موضوع يهم قطاعا آخر من الدراسات الإنسانية والاجتماعية ، ويتصورون بناء على هذا أن هناك خصامًا من نوع ما بين التاريخ والأسطورة . وقد دأب المؤرخون في العصور الحديثة على محاولة الفصل بين التاريخ والخيال زمنًا طويلا . ولا يزال هناك من المؤرخين من يصر على التمسك بفكرة متعالية مؤداها أن الأساطير ضرب من ضروب الخيال والخرافة التي تنأى عن “الحقيقة” .

* يزعم البعض أن الأسطورة ضد التاريخ ولم تسهم بتحسن كتابة التاريخ . إلى أي مدى يمكن تقييم هذا الرأي ؟.

- على أصحاب هذه الآراء أن يعيدوا القراءة مرة أخرى ؛ فقد كانت الأساطير والحكايات الخيالية القراءة الأولى لتاريخ البشرية في زمن لم يكن الإنسان فيه قد أمسك بزمام السيطرة على الطبيعة من ناحية ، ولم تكن لديه التسجيلات “التاريخية” التي تمكنه من معرفة الماضي من ناحية أخرى . وهو ما يعنى أن الأساطير لم تكن كلها خيالا ، بل كانت تراكمات من الفكر والخيال البشري حول بذرة من الحقيقة التاريخية ، ومع مرور الزمن زادت قدرة الإنسان على إعادة تذكر تاريخه بفضل ما أتاحته له التسجيلات التاريخية الأولى من إمكانيات في هذا السبيل ، وتقدم التاريخ على حساب الأسطورة ، بيد أن العلاقة لم تنفصم بينهما ، وبقى التاريخ موجودًا في الأسطورة كما بقيت الأسطورة كامنة في بنية السرد التاريخي .

إذن هل يمكن القول : بوجود علاقة عضوية بين التاريخ والأسطورة ؟

  • بالضبط توجد علاقة عضوية بين التاريخ والأسطورة .. بل وسائر ضروب الإبداع الخيالي البشري الذي نسميه إجمالا الخيال الشعبي . فقد ولد التاريخ من رحم الأسطورة ، نشأ وترعرع في حجرها . ومنذ تلك البداية البعيدة إلى يومنا هذا لا تزال البصمة الأسطورية كامنة في الكتابة التاريخية .

برأيك إلى أي مدى يمكن رصد هذه العلاقة بين التاريخ والخيال في واقعنا ؟

  • كانت طموحات الباحثين والمؤرخين دائمًا تسعى للبحث عن الحقيقة الخالصة ، وتخليصها من الخيال ، وقطع البحث التاريخي شوطًا بعيدًا في سبيل التخلص من تأثير الأسطورة والحكايات الشعبية والخيالية والخرافة على الكتابة التاريخية ؛ ولكن الخيال والغموض والإثارة التي تتسم بها الأسطورة وبنات جنسها من الإبداع الشعبي الجماعي لا تزال تحمل ما يلبي حاجة إنسانية ثقافية / اجتماعية للهروب من الواقع بكل أعبائه التفسية ، وبما قد يحمله من حقائق قاسية ومريرة يرى الخيال الجمعي ، اللاوعي ، ضرورة تخفيف وطأته بالخيال . وتتجلى هذه الحقيقة واضحة في أوقات الأزمات والشدائد التي تمر بها الأمم والشعوب بشكل خاص . وفي تصوري أن إعادة صياغة الحقيقة بشئ من الخيال يساعد الإنسان – على مستوى الفرد وعلى مستوى النوع – على مواصلة حياته .

 إذن لا يمكن أن نستغنى عن الخيال أو الأسطورة في حياتنا ؟!

  • الخيال الذي تجسده الأسطورة قديمًا والإبداع الشعبي الخيالي حديثاً ، يحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة : على الأقل فيما يتعلق بالموقف الوجداني والفكري للجماعة البشرية من وقائع التاريخ وحقائق الحياة في الفترة الزمنية التي يعيشون في رحابها . فالخيال ليس مجرد عبث بالواقع وتغييره ، ولكنه تعويض نفسي جماعي ومريح . ولايمكن للجماعة البشرية في أي زمان ومكان أن تعيش بلا خيال تبرر به قبولها لحياتها تماماً مثلما لا يمكن للفرد أن يستغنى عن الخيال وهو يمارس حياته الفردية والاجتماعية . ويكفى دليلا على هذا ما نشاهده من إقبال على السينما والدراما التليفزيونية والأغاني والمسرح والفنون التشكيلية . وكافة فنون القول والشكل التي يلعب فيها الخيال الإنساني دورًا مؤسسا : يصدق هذا على الحاضر الذي نعيشه ، كما كان يصدق على الماضي الذي عاشه أجدادنا ؛ وسوف يظل صحيحًا في المستقبل أيضًا .

بعض الآراء والكتابات العربية تحاول تبنى الموقف الغربي باعتبار الأسطورة لم تبرح مجتمع الآلهة وأشباه الآلهة … هل لك تعقيب ؟

  • تعودت أن لا أعقب على آراء أحد واحترم كافة الآراء حتى وإن لم يكونوا من ذوي الاختصاص يكفيهم الاجتهاد في الرأي . ولكني أوضح لك جذور التصور اتسمت الكتابات “التاريخية الأسطورية” دائمًا بالخلط بين أفعال الآلهة وأفعال البشر والقوى الغيبية التي زعم الأولون أنها تتحكم في الظواهر الكونية وفي مصائر البشر ، لقد جاءت هذه الكتابات الأولى “لتسجل ” أحداثًا خيالية لا تدخل في نطاق الفعل البشري ، وهنا نجد الأسطورة تحكم التاريخ ، فالأسطورة حكاية مقدسة في أحد جوانبها أبطالها من الآلهة وأشباه الآلهة الذين يتخيل الإنسان وجودهم ولكنه رسم أدوارهم بخياله ؛ ولكن التاريخ أفعال بشرية حقيقية تغلفها الأسطورة – التي هى من إبداع الخيال البشري – وتجعله يتفاعل مع الآلهة التي تمثل القوى الغيبية التي ابتدعها الإنسان أيضًا . ومع تطور الفكر الإنساني ، بحكم تطور الحياة البشرية نفسها ، كان طبيعيا أن تظهر إلى جانب أساطير الأصول والخليقة وأساطير الظواهر الطبيعية ، أساطير أخرى تخلط بين الفعل البشري وتصرفات القوى الغيبية ، ومن الأمثلة على هذا النوع من الأساطير : أسطورة جلجامش في التراث القديم لبلاد العراق والتي يرى معظم الباحثين أنها تدور حول حادثة تاريخية حقيقية ، وظاهرة طبيعية عرفتها بلاد بين النهرين كثيرا في تاريخها الطويل ؛ والإلياذة والأوديسية في التراث اليوناني القديم ، وقد أثبت البحث التاريخي والتنقيب الأثري الذي تم في موقع أحداث الإلياذة في آسيا الصغرى أن الأسطورة تدور حول حادثة تاريخية حقيقية ، وفي رأيي أن من يبحث في الإلياذة والأوديسية عن التاريخ سوف يجد كثيرًا من الخيال ، ومن يحاول البحث عن الخيال فيهما سوف يجد الكثير من الحقائق التاريخية التي تساندها بحوث العلماء والمتخصصين في علم التاريخ وعلم الآثار وغيرهما .

وماذا عن تراثنا الزاخر بالعديد من السير الشعبية مثل ” سيف بن ذي يزن ، أو عنترة بن شداد ، والظاهر بيبرس …إلخ وموقف الأسطورة من هذا الموروث ؟

  • ما تحدثت عنه للتو كان مرحلة جديدة في تاريخ الخيال الإنساني نتج عنها ما يمكن أن نسميها مرحلة “الأسطورة التاريخية ” بمعنى أن التاريخ نواتها ، والخيال غلافها ، ومعنى هذا أن هذا النوع من الأساطير يدور حول نواة ، أو بذرة تاريخية حقيقية يمكن أن تكون من أحداث التاريخ الكبيرة في الماضي وتتراكم حولها عناصر الخيال ، أو شخصية تاريخية مشهورة مثل سيف بن ذي يزن ، أو عنترة بن شداد في التراث العربي القديم ، أو سيرة البدرنار بن النهروان – التي تحققها أنت – أو حتى السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي زمن الحروب الصليبية والذي نسجت من حوله الأساطير في التراث الأوروبي أكثر مما نسجت في التراث العربي – الإسلامي ، أو السلطان المملوكي بيبرس البندقداري ، أو الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة في التراث الإنجليزي أو الملك ريتشارد الأول المعاصر لصلاح الدين الأيوبي وخصمه في أثناء الحملة الصليبية الثالثة ..وما إلى ذلك من الأمثلة التاريخية ، ويمكن أن يكون موضوع الأسطورة أو الخيال قصة إنسانية : قبيلة ، أو شعب ، أو أمة بأسرها . ومعنى هذا في تصوري أن الخيال والفعل التاريخي موجودان في تلاحم عضوي داخل كل من البناء الخيالي في الأسطورة والملحمة والسيرة الشعبية من ناحية والكتابات والسرد التاريخي من ناحية أخرى . ومن هنا فإن البحث التاريخي الحديث لا يمكن أن يستغنى عن الإبداعات الشعبية التي يمثل الخيال قوامها ، ففي أنواع الأدب الشعبي كافة نجد الخيال الذي يعبر عن الرؤة الشعبية للأحداث والشخصيات والمواقف من ناحية ، والتعبير عن الصورة الوجدانية التعويضية لدى الجماعة الإنسانية التي أنتجت هذا التراث من ناحية أخرى .

على مسئوليتك العلمية : هل الإبداع الخيالي مصدر معتمد من مصادر المعرفة التاريخية ؟

  • نعم على مسئوليتي العلمية هذا الإبداع الخيالي مصدر مهم من مصادر المعرفة التاريخية : فهو يكشف لنا عن الجوانب التي لا تتحدث عنها المصادر التاريخية التقليدية ، صحيح أنه لا يقدم لنا الوقائع والأحداث ، والأماكن والأشخاص ، في صورتها الحقيقية – ولسنا نتوقع منه ذلك على أية حال – وإنما يعيد صياغة الأحداث ، وبناء الشخصيات ، والتنقل بين الأماكن تحقيقًا لغرض نفسي جماعي تتوخاه الجماعة التي أبدعت هذا الإبداع ، وهو ما يعني أن هذه الصياغات الإبداعية لأحداث التاريخ ليست سوى قراءة تعويضية شعبية تلبي حاجات الجماعة الإنسانية.والباحث أو المؤرخ الذي لا يتمتع بالخيال لا يستطيع أن يفهم الحركة التاريخية ويقدرها حق قدرها لأنه يحتاج إلى الخيال لكي يستطيع أن يتفهم دور الخيال في الروايات التاريخية اليت كتبها المؤرخون المعاصرون ، ولكي يتفهم الصورة التي كان عليها المجتمع الذي أفرز هذا الخيال ، ولكي يتصور شكل الحياة والنظام القيمي والأخلاقي في المجتمع الذي يدرسه ولا يمكن لباحث أن يزعم أنه يفهم مجتمعًا من المجتمعات دون أن يتعرف على إبداعاته ومقاصد خياله ، من خلال أساطيره ، وملاحمه ، وسيره الشعبية ..وإبداعاته كافة ليساعدنا هذا كله على الدراسة والفحص الحقيقي في كنوز المعرفة التاريخية التي سكتت عنها المصادر المادية والمصادر المكتوبة التقليدية.

 برأيك هل يمكن أن نفرق بين الأساطير الشعبية الخيالية والأساطير السياسية التي تطل علينا اليوم؟

  • العين الباحثة المدققة تستطيع بسهولة أن ترى العناصر الخيالية في الكتابات التاريخية منذ بداياتها حتى اليوم ، ومن جهة ثانية ، صار التاريخ الوسيلة الأساسية لدراسة الأساطير بحيث لا يمكن لعلماء الأنثروبولوجيا أن يدرسوا التراث الأسطوري والخيالي لأية جماعة بشرية معاصرة بدون الاستعانة بالتاريخ . والحديث هنا لا ينصب على الأساطير القديمة فحسب ، وإنما الأساطير الحديثة أيضًا . ذلك أن اختراع الماضي ، في الأساطير الصهيونية ، على سبيل المثال ، كان وسيلة لجأت إليها دعاية الكيان الصهيوني لمساندة العدوان على الأرض العربية في فلسطين بأسطورة الحق التاريخي في العودة وما شابهها من مزاعم خيالية مقصودة . والفرق بين الأساطير الشعبية الخيالية والأساطير السياسية والاستعمارية المقصودة يكمن في أن النوع الأول نتاج تلقائي للخيال الشعبي والرغبة التعويضية في وجدان الجماعية البشرية : كما أن هذا النوع من الأساطير الناتجة عن الخيال الشعبي الجمعي موجود في تراث الأمم جميعا ، فضلا عن أنه يدوم باستمرار وجود الجماعة البشرية لأنه حقيقي وغير مزيف . أما الأساطير السياسية الاستعمارية من طراز أسطورة تفوق الجنس الأبيض التي كانت مبررا للهيمنة الاستعمارية الأوربية ، فقد سقطت وانكشف زيفها ، ولم تعد الجماعات التي شهدت اختراعها تتمسك بها . ويصدق هذا على أساطير الصهيونية أيضًا مثلما يصدق على الأساطير التي تروجها الدوائر الإمبريالية عن الإسلام والمسلمين في الغرب الأوربي والأمريكي ، وتلك التي روجتها الإدارة الأمريكية وحلفائها ضد العراق ، وأفغانستان ..وغيرها . لقد بدا سقوط الأساطير الصهيونية تحت وطأة التطور الذي صنعه الفلسطينيون بنضالهم ، والخلاصة أن الخيال الشعبي التلقائي الذي ينتج الأساطير وسائر بنات جنسها يبقى ويستمر ؛ لأنه حقيقي من ناحية ، ولأنه مفيد وضروري للجماعة الإنسانية من ناحية أخرى .

برأيك هل موقفنا من “الآخر” محكومًا بنوع من الخيال والأساطير ؟

  • الأساطير وأشباهها في الماضي نتاجًا ملازمًا لنشأة الجماعات الإنسانية والشعوب والأمم منذ بداياتها الأولى : فأساطير التكوين والأصول موجودة في تراث البشر جميعًا على اختلاف ألوانهم ، وتقسيماتهم ، وثقافاتهم في كل زمان ومكان . ولم يتخل الإنسان عن الخيال والأساطير ولا يريد لها أن تتخلى عنه . ففي تراث الشعوب جميعًا أساطير تتحدث عن بداية الخليقة ، وعن الأصول التي جعلت كل جماعة بشرية تتحدث عن صفاتها التفضيلية التي حبتها بها الآلهة دون غيرها من الجماعات البشرية . وقد ظل هذا النمط من الفكر والثقافة موجودًا حتى الآن عند جميع الشعوب والأمم والقبائل يتفاخرون به على غيرهم . ولا يزال الموقف من “الآخر” محكومًا بهذا النوع من الخيال والأساطير المروجة له.

هل يمكن تبنى المصطلحات الغربية المتعلقة بالأسطورة وغيرها وإسقاطها على تراثنا ؟

  • المصطلحات في العلوم الإنسانية والاجتماعية بصفة خاصة ، نتاج وبلورة لتطورات اجتماعية / ثقافية في البيئة التي أفرزت هذه المصطلحات ، كما أنها تعبير عن رؤية هذه المجتمعات للكون ودورها فيه ؛ فضلاً عن رؤيتها لذاتها وعلاقاتها بالغير ، ومن ثم فإن المجتمعات التي لا تنتج مصطلحاتها ، وتكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون ، فهى مجتمعات جامدة ؛ خارج إطار التطور الاجتماعي والثقافي الخاص بها ، ورب قائل : إن العلم لا وطن له ، بيد أن هذا قول يحمل من المغالطة أكثر مما يحمل من الحقيقة ؛ وذلك أن الإبداع الجماعي ، الذي يسمى أحيانا الموروث الشعبي ، يختلف في شكله ومفرداته بحسب البيئة التي أفرزته والمجتمع الذي أنتجته من جوانب عديدة.

التعليقات