الكرسي … لمن غلب – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مايو 21, 2015 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

” المماليك ” … كلمة حظها من الحقيقة قليل بحيث باتت مرادفة للظلم والاستبداد والفوضى فى أذهان الغالبية من الناس فى أيامنا هذه . وعندما تطرق هذه الكلمة الآذان تتبادر إلى أذهان العامة مباشرة صورة مثيرة لفرسان يمرحون بخيولهم الفارهة المزينة بكل مظاهر الزينة والأبهة والبذخ فى الشوارع الضيقة المزدحمة فى القاهرة وغيرها من مدن مصر والشام فى تلك الفترة من تاريخها ، ينشرون الفزع والخوف بين الناس ، ويصحبهم الرعب وهم يخوضون حروب الشوارع المتكررة بين بعضهم البعض . ويتصور كثير من العامة أن أولئك المماليك كانوا رمزا للفوضى والظلم والجبروت . وفى خلفية المشهد يتصور هؤلاء السلطان المملوكي جالسا على كرسي العرش ؛ متجهم الوجه ، منتفخ الكرش ، وأمام الكرسي مائدة تحمل من الطعام والشراب والخمر ما لذَ وطاب ؛ وعلى مسافة قصيرة من الكرسي السلطاني  تتمايل الراقصات وتغنى القيان  ويعزف الموسيقيون للسلطان المملوكي وحاشيته وندمائه – أليست هذه هى الصورة التى تنقلها لهم أفلام السينما وشاشات التليفزيون ؟؟!!

وليس هناك جانب واحد صحيح فى هذه الصورة الخيالية الظالمة التى تميل الأفلام العربية ( وما أدراك بمن يصنعونها !! ) إلى رسمها : فقد كان كرسي العرش الذى يجلس عليه السلطان المملوكي رمزا للسلطة طوال ذلك العصر الذى امتد قرابة ثلاثة قرون من الزمان ، مثلما كان فى كل العصور والأماكن الأخرى على مرِ التاريخ . وقد بدأ حكم سلاطين المماليك بإنقاذ مصر والمنطقة العربية من الحملة الصليبية السابعة التى قادها لويس التاسع ؛ فقضوا على جيشه وأخذوه أسيرا ومعه كل قادة جيشه ؛ ثم تأكدت جدارة المماليك  بعد عشر سنوات عندما أوقفوا الجحافل المغولية الرهيبة فى عين جالوت . وطوال الشطر الأعظم من تاريخهم الذى شمل رقعة كبيرة من المنطقة العربية كانت دولة سلاطين المماليك بمثابة حصن الدفاع الأخير عن الحضارة العربية الإسلامية . ولم يكن المماليك عابثين فوضويين سوى فى السنوات الأخيرة من عمر دولتهم قبيل السقوط . ومن ناحية أخرى ، كانت القاهرة عاصمة الدولة فى ذلك الحين مدينة عالمية يلتقى فيها الناس من جميع الأعراق ؛ وتسمع فى شوارعها لغات ولهجات شتى ، وتبصر فى أسواقها عملات متنوعة وبضائع من كل الدنيا ، وتزخر بالمشاهد البديعة والمناظر الجميلة التى أدهشت زوارها من المسلمين وغيرهم .

أما سلاطين المماليك ، فكانوا جميعا من طراز الملك / المحارب الذى يخرج على رأس جيشه لقتال الأعداء : وكل المعارك التى جرت طوال ذلك العصر تشهد على ذلك . وكانت مهمة السلطان أن يقيم العدل وينشر الأمن والنظام فى الداخل ويرعى اللمؤسسات ذات الوظيفة الدينية والعلمية والاجتماعية ( وقل أن تجد سلطانا منهم ليست له أبنية من هذا النوع ) ، ويشجع الأمراء الكبار على الإسهام الخيري فى القيام بواجبات الصحة والتعليم ومساعدة الفقراء والأيتام ( التى لم تكنم من مسئوليات الدول فى تلك العصور ) من خلال نظام الوقف ؛ وهو ما تشهد به آثارهم الباقية فى مصر والشام وفلسطين حتى اليوم . ولم يحدث سوى فى السنوات الأخيرة من ذلك العصر المثير أن أخذت الدولة فى الانهيار والتفسخ : فظهرت حروب الشوارع بين طوائف المماليك فى عهود السلاطين الضعاف ، وتدهور الاقتصاد وزاد الفساد بسبب الضرائب المتزايدة وانكمشت المساحة الزراعية وتقلصت المدن … وما إلى ذلك من مظاهر السقوط .

ونعود من جديد إلى الصورة الخيالية التى تحدثنا عنها لنقول إن ” الكرسي ” كان العنصر الوحيد الصحيح فى تلك الصورة الراسخة فى أذهان عامة الناس فى العالم العربي . بيد أن قصة هذا الكرسي تحمل من عناصر التضاد والتناقض ما تحمله قصة الكراسي الحاكمة فى الحكومات التى تقوم على القوة الفعلية والشرعية الصورية الكاذبة . فقد قام الحكم فى دولة سلاطين المماليك على مبدأ ” الحكم لمن غلب “؛ وكان أمراء المماليك العسكريون يعتقدون أن كرسي الحكم حق لهم جميعا يفوز به أقواهم وأقدرهم على الإيقاع بالآخرين . وتسابقوا من أجل الفوز بالكرسي الذى كان الطريق إليه مفروشا بالدم … ولهذا السبب نفسه آل أمر الكرسي إلى أن صار عبئا ثقيلا يتهرب من تبعاته أمراء المماليك فى زمن السقوط  أواخر ذلك العصر .

ولنبدأ القصة من أولها …

فى خضم أحداث الصليبية السابعة ، التى قادها لويس التاسع سنة 648 هـ / 1250 م ، وانتهت بكارثة على الصليبيين وأسر الملك وتبدد جيشه ما بين قتيل وأسير ، ظهرت قوة المماليك بالشكل الذى أدى ، بعد عدة تطورات ، إلى قيام سلطنة المماليك . ولما كانت هذه الدولة عسكرية الطابع ، قامت على القوة المسلحة ، وهو ما رسَخ مبدأ ” الحكم لمن غلب ” عنوانا للطريق إلى كرسي الحكم . وتجلى ذلك واضحا فى الحقيقة القائلة إن خمسة سلاطين جلسوا عى الكرسي قبل جلوس الظاهر بيبرس ( المؤسس الحقيقي للدولة ) ، قتل منهم ثلاثة فى خضم الصراع على الكرسي ؛ وكان الاثنان الآخران طفلين فلم ينلهما الصراع أو القتل . وهكذا تأكد منذ البداية أن القوة المسلحة تضمن الوصول إلى كرسي السلطنة : ومن ثم كان لكل سلطان قواته من المماليك الذين عمل على جلبهم بواسطة تجار الرقيق باستمرار والذين اعتمد السلاطين عليهم فى حماية كرسيه ضد أطماع الآخرين ، واعتمد الأمراء على مماليكهم لزيادة قوتهم ونفوذهم . وتجسد كل ذلك فى نمط من الإقطاع العسكري الصارم . وبينما تولى العسكريون الحكم ، تولى المدنيون من أرباب القلم والمتعلمون إدارة البلاد على أسس مدنية تماما .

وبسبب الأهمية العسكرية والسياسية للمماليك ، أولى السلاطين عنايتهم الفائقة لمماليكهم ؛ وشملوهم بالرعاية الطبية والتعليمية والشخصية ؛ وحرصوا على تدريبهم تدريبا صارما . ولما كان هذا النظام أهم أركان الدولة ، كان السلطان ، وهو من المماليك أصلا ، يدرك أهمية المماليك فى حمايته ؛ فهم ” … مثل الأسوار الحامية والحصون المانعة …” على حد تعبير السلطان المنصور قلاون . لقد كان نظام تربية المماليك وتدريبهم يتسم بالصرامة والدقة الشديدة طوال الشطر الأكبر من ذلك العصر . وقد نتجت عن ذلك حقيقتان أولاهما أن المماليك كانوا يتسمون بالغيرة والحماسة الدينية ؛ وثانيتهما أنهم ارتبطوا بالولاء الشخصي لسيدهم الإقطاعي سواء كان هو  السلطان أو أحد كبار الأمراء من ناحية ، ولزملائهم من ناحية أخرى .

إذا كان المماليك يمثلون القوة الحامية لكرسي السلطنة ، فإن القوة العسكرية وحدها لم تكن كافية لحمايته . ذلك أن كرسي الحكم كان ، ولا يزال ، يستند إلى الشرعية أكثر مما يتكئ على القوة . فلا بد من الشرعية التى تجعله مقبولا من المحكومين على أقل تقدير ( والبديل أنه يصبح من حق كل من يمتلك القوة أن يزيح الجالس على الكرسي بالقوة أيضا ؛ وهو ما عانت منه دولة المماليك) . وإذا كانت القوة تضمن الوثوب إلى السلطة ، فإنها لم تكن تضمن استمرار الاحتفاظ بها . ومن ثم فلا بد من ” شرعية ما ”  لحماية الكرسي الذى تعجز القوة عن حمايته . وقد حاول السلطان الظاهر بيبرس البندقداري إضفاء الشرعية على كرسي العرش بإحياء الخلافة العباسية فى القاهرة سنة 659 هـ / 1261 م بعد أن أسقطها المغول ، بيد أن تلك كانت شرعية صورية إلى حد كبير . ولأن شرعية الحكم كانت صورية ، فقد بقيت القوة عنصر الحسم فى تحديد شخصية من يجلس على كرسي السلطنة من ناحية ، وعدم القبول بمبدأ ورائة العرش المملوكي من ناحية أخرى . ومع ذلك ، فإن الشرعية التى منحها الخليفة العباسي للسلطان المملوكي كانت كافية لتبرير جلوس السلطان على كرسي العرش فى نظر رعاياه ، والقوى الاجتماعية والسياسية فى المجتمع .

وكان من أهم العوامل المساعدة فى تبرير سلطة الجالس على كرسي العرش المملوكي ، أن سلاطين المماليك الأوائل كانوا يرون فى كرسي الحكم مسئولية تجاه البلاد والعباد ، بقدر ماهو رمز للسلطة : فقد استحق السلاطين الكبار ( قطز ، بيبرس ، قلاون  ، والناصر محمد بن قلاون ، والأشرف خليل ، وبرسباي ، وقايتباي … وغيرهم ) هذا الكرسي بفضل أعمالهم فى الداخل والخارج ، كما أنهم حظوا بالرضا والتقدير من رعاياهم وخلدتهم كتب التاريخ . ومن ناحية أخرى ، كان الكرسي الذى ضمنته القوة العسكرية يستند إلى شرعية حقيقية تمثلت فى حب الناس وتقديرهم إلى جانب الشرعية الإسمية التى كان الخليفة العباسي يضفيها على السلطان . ويتجلى هذا واضحا فى مثال السلطان الظاهر بيبرس الذى خلده الناس فى مصر والشام من خلال السيرة الشعبية التى حملت اسمه ( سيرة الظاهر بيبرس ) التى هي قراءة شعبية جميلة وبديعة لتاريخ ذلك السلطان العطيم .

ومن ناحية أخرى ، كانت طبيعة السلطة فى ذلك الوقت هى التى تحكم رؤية الناس للحاكم الجالس على كرسي الحكم . إذ كانت واجبات من يملك السلطة آنذاك تختلف بشكل جذري عن المفاهيم السياسية اليوم التى تجعل الحاكم مسئولا عن “إدارة ” شئون البلاد والعباد من خلال أجهزة تشريعية وتنفيذية وقضائية … وغيرها ؛ فضلا عن أن الحكومة مسئولة أمام الناس الذين فوضوها لإدارة البلاد من خلال الانتخابات ويمكن لهم أن يقيلوها من خلالها أيضا ( مع ما نعرفه من وجود حكومات مستبدة أو فردية تتجاهل كل هذا وتؤدى بالبلاد والعباد إلى كوارث وحروب أهلية على نحو ما نراه اليوم هنا وهناك ) .

إذ كانت واجبات الحاكم فى تلك العصور عامة ، وفى عصر المماليك خاصة ، تنحصر فى الحفاظ على الشريعة ؛ وحماية حدود الدولة فى الخارج ، فضلا عن بسط الأمن فى الداخل . أما قضايا التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ، فكانت هناك مؤسسات تشبه ما نسميه اليوم مؤسسات ” المجتمع المدني ” ، وتمولها الأوقاف التى كان القادرون من أبناء المجتمع يوقفونها على وجوه الخير . بل إنه كان يمكن للفرد العادى فى ذلك الزمان أن يعيش حياته كلها دون أن يضطر للتعامل مع السلطة وممثليها . وربما كان هذا هو السبب فى أن  عامة الناس آنذاك لم يكونوا يهتمون كثيرا بالجالس على العرش طالما كان يؤدى واجباته وفق مفهومهم عن هذه الواجبات . ولم يكن يزعجهم كثيرا أو قليلا خلع سلطان أو جلوس آخر على الكرسي ما لم يتجاوز حدود حقوقه وواجباته . بيد أنهم كانوا يثورون إذا ما أخفق فى هذا : فقد شهد ذلك العصر عددا من الثورات وحالات العصيان ضد عدد من السلاطين رأى الناس أنهم فشلوا فى حفظ الشريعة أو حماية البلاد ؛ أو لأي سبب آخر ، حسبما تروى المصادر التاريخية لتلك الفترة. بل إنهم أخذوا زمام المبادرة فى أيديهم لحماية الأمن الداخلي فى السنوات الأخيرة من ذلك العصر عندما صار المماليك عبئا على الأمن وعلى المجتمع الذى كان عليهم حمايته .

وتحفل المصادر التاريخية بالأمثلة الدالة على أن الجالس على كرسي العرش قد فشل فى الوفاء بمسئوليات الحكم فى الداخل وفى الخارج ؛ وهو ما أدى إلى تشكيل ما يشبه الميليشيات الأهلية للتصدى لشرور للماليك الجلبان الذين باتوا يتصرفون وكأنهم عصابات تهدد الناس فى أرزافهم وحياتهم . أي أن الناس أيقنوا أن الحاكم لم تعد له شرعية . وهنا تحول الكرسي إلى عبء يتهرب كبار الأمراء من تبعاته ؛ وضاعت هيبة الدولة فى الخارج بعد أن ظلت أكثر من قرنين ونصف من الزمان القوة الإقليمية العظمى فى المنطقة العربية وعالم البحر المتوسط .

لقد انتهت حياة معظم الذين جلسوا على كرسي الحكم فى عصر سلاطين المماليك فى السنوات الأخيرة من ذلك العصر بالقتل أو بالسجن ، أو بالاثنين معا  . وتتجسد هذه الحقيقة فى أن قانصوه الغوري ، الذى كان من أقوى أمراء زمانه ، رفض كرسي السلطنة عندما عرضه عليه الأمراء ، ويحكى المؤرخ ابن إياس فى كتابه ” بدائع الزهور فى وقائع الدهور ” أنهم “… سحبوه وأجلسوه ، وهو يبكى ويمتنع ، وحين ألحوا عليه اشترط عليهم ألا يقتلوه ، وأن يصرفوه بالمعروف إذا أرادوا عزله …”

هذه قصة الكرسي فى أحد عصور التاريخ : بدا متألقا جذابا فى رحلة البداية مستندا إلى الشرعية ، ولطخته دماء المتصارعين من أجل الفوز به فى أثناء رحلته التى قاربت ثلاثة قرون من الزمان ، وانتهت به مرعبا ومخيفا وملوثا بالظلم والعجزعندما مالت شمس الدولة المملوكية للمغيب … ولكن ألم تتكرر قصة الكرسي فى عصور أخرى ، وأماكن أخرى ؟!!

التعليقات