الطعـام … قاتـل مأجـور – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مايو 12, 2015 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون الطعام ؛ ولكن الطعام يمكن أن يكون قاتلا للإنسان بدلا من إحيائه فى أحيان كثيرة ؛ ويمكن أن يكون قاتلا مأجورا فى بعض الأحيان .

هذه بديهية من بديهيات الحياة البشرية لا تحتاج إلى برهنة أو إثبات . وجزء أساسي من سعي الإنسان فى هذا الكوكب مكرَس لتوفير الطعام : سواء بالمعنى البسيط المباشر أو بالمعنى المعقد الذى نراه متمثلا فى الصراعات الدولية للسيطرة على الموارد الطبيعية لكى تعيش المجتمعات الرأسمالية عيشة راضية على حساب المجتمعات التى تنهب مواردها والتى يموت أبناؤها جوعا لأنهم لا يجدون الطعام .

ومن ناحية أخرى ، فإن الطعام بحد ذاته تعبير عن ثقافة المجتمعات التى تنتجه وتستهلكه ومدى تقدمها فى مسيرتها عبر الزمان : فكلما كان المجتمع عريقا ؛ أى أن عمر وجوده الحضاري فى رحاب الزمان طويل وممتد ، وصاحب خبرة حضارية طويلة وعميقة ، تنوعت قائمة الطعام التى يعرفها أبناؤه ؛ وكلما كان المجتمع غنيا كلما تفنن أبناؤه فى ابتكار المزيد من ألوان الطعام وأصنافه والعكس ضحيح تماما بطبيعة الحال. يصدق هذا على الطبقات الاجتماعية والأفراد الذين تضمهم هذه الطبقات فى المجتمع الواحد من ناحية ، بقدر ما يصدق على المجتمعات البشرية فيما بينها  من ناحية أخرى .

ولهذا احتل الطعام مكانة مهمة فى تاريخ الإنسانية من ناحية ؛ كما اهتمت به ( تحليلا وتحريما وتنظيما ) الديانات التى كان يدين بها البشر على اختلاف أعراقهم وبيئاتهم اهتماما بالغا من ناحية أخرى . ومع أن الطعام نعمة وضرورة للوجود البشري ؛ ومع أن الطعام على تنوعه قد خلق لكي ينعم البشر بطيباته ؛ فإن الإنسان الذى يحمل بين جوانحه الدوافع المتناقضة والرغبات المتعارضة ، كان طوال تاريخه قادرا على تحويل الشيء إلى نقيضه : كان الإنسان دائما يستخدم كل شيء عرفه أو اكتشفه فى الخير وفى الشر معا ؛ للفائدة وللضرر أيضا ، فى النفع وفى الإيذاء كذلك . باختصار فى أغراض الحرب وفى مطالب السلام على حد سواء … بداية من العصور الحجرية حتى إنجازات عصرنا الحالي المذهلة .

ولم يكن الطعام استثناء فى ذلك بطبيعة الحال . فبقدر ما سعى الإنسان إلى الحصول على الطعام من مصادره المتنوعة فى الطبيعة ، وبقدر ما أبدعت ثقافات الشعوب المختلفة فى إنتاج قوائم الطعام المذهلة فى تنوعها ، بقدر ما كان ملايين البشر فى عصور مختلفة ومناطق مختلفة ضحية للجوع وعدم توفر الحد الأدنى من الطعام … وكان الإنسان أحيانا السبب فى تلك المجاعات ، وكانت الطبيعة أحيانا أخرى السبب فى هذا . وعلى الرغم من التقدم العلمي الكبير الذى أعان الإنسان على تحسين إنتاج الطعام كما وكيفا ، فإن الطمع الإنساني فى بعض المجتمعات حال دون الإفادة البشرية الكلية من هذه النتائج ؛ بل يستخدمه بعض البشر حاليا للسيطرة والتدخل فى شئون الشعوب المستضعفة …. وقصة الطعام قصة طويلة ومركبة تستحق المزيد من الدراسات على مستويات عديدة مختلفة الرؤى والنظرات . ولكننى فى هذه السطور أحاول الحديث عن جانب واحد من جوانب قصة الطعام .

من المعروف تماما أن عدم وجود الطعام يعنى الموت ببساطة ؛ ولكن الإفراط فيه قد يعنى الموت أبضا . بيد أن الإنسان استخدم الطعام أحيانا قائلا مأجورا ؛ وعلى مستويات مختلفة : من الزوجة الغيور التى تدس السم فى الطعام لزوجها أو عشيقته ، إلى الاغتيالات السياسية على موائد الطعام الفاخرة ، أو المآدب والحفلات التى تكتظ بأنواع الطعام الفاخرة لتكون ستارا على مؤامرة لقتل المدعوين ، واستخدام الطعام استخداما سلبيا فى حصار المدن وتجويع أهلها لكي يستسلموا … وما إلى ذلك من كافة أنواع القتل التى كان الطعام فيها القاتل المأجور . ولم يكن هناك مجتمع لم يستخدم هذا القاتل المأجور بشكل أو بآخر ؛ ولم يخل تاريخ الأمم فى أية بقعة من كوكبنا من ظاهرة استخدام الطعام للقتل .

وهناك أمثلة تاريخية تفوق الحصر للدلالة على ما ذهبنا إليه يضيق بنا المقام عن تقديم بعضها ؛ ومن ثم فإننا سنكتفى بتقديم عدد من الأمثلة على استخدام هذا القاتل المأجور من التاريخ العربي ومن التاريخ الأوربي على السواء . ولابد أن نلاحظ هنا أن كيفية استخدام الطعام – وليس الطعام نفسه – هي التى تستحق تسمية ” القاتل المأجور “: سواء كان القتل لأسباب فردية خاصة أو كان لأسباب سياسية عامة . وقد شهد التاريخ الأموي عملية اغتيال لأحد القادة العسكريين باستخدام السم فى العسل ؛ وعندما بلغ خبر موته من دبَر عملية القتل نجاح المؤامرة قال : “إن لله جنودا من عسل ” ، وهو قول يحمل فى طياته مغزى عميقا ، ولعل تلك الحادثة كانت وراء شيوع العبارة المأثورة .

أول الأمثلة التى اخترناها من تاريخ أوربا فى العصور الوسطى ، ويدل على أن الاغتيال عن طريق الطعام كان شائعا فى أوربا آنذاك . وعلىى الرغم من أن هذا المثال سار فى اتجاه عكسي فإننى رأيت تقديمه لدلالته التاريخية التى تخدم فكرة أن الطعام قد استخدم لتصفية الخصوم العسكريين والسياسيين . ففى أواخر القرن الحادى عشر الميلادي خرجت عدة جيوش من أنحاء الغرب الأوربي تحت راية الصليب وتحت الزعم بتحرير الأرض المقدسة من المسلمين . وقد عرفت هذه الحركة تاريخيا باسم ” الحركة الصليبية ” . وكان قائد أحد هذه الجيوش الصليبية هو الأمير ” بوهيموند النورمانى ” الذى كان فى ذلك الوقت يحاول أن ينتزع لنفسه مملكة على حساب الدولة البيزنطية فانتهز فرصة الحرب الصليبية وانضم بجيشه لها . وكان الإمبراطور البيزنطي ” أليكسيوس كومنينوس ” خائفا من هذه الجيوش الغربية التى جاءت من غرب أوربا بزعم إنقاذه من المسلمين ؛ وكان يعرف طبيعة الجشع والغدر التىيتسم بها أبناء الغرب الأوربي فى ذلك الوقت . وحاول التعامل معهم بالذهب والسيف لتجنب شرهم . واستقبلهم واحدا بعد الأخر على هذا الأساس …

وجاء بوهيموند إلى القصر الإمبراطوري حيث كان فى استقباله عدو الأمس أليكسيوس الذى تحالف مع الصليبيين مضطرا . وتصف المؤرخة وابنة الإمبراطور ” آنا كومنينا ” فى كتابها الموسوم “أليكسياد ” ما شهدته بنفسها “… ابتسم له أليكسيوس واستفسر عن رحلته … وأعدت له مائدة حافلة بكل أنواع الأطعمة الفاخرة . وفيما بعد أحضر الطباخون لحوم الحيوانات والطيور غير المطهية وقالوا له : لقد تم إعداد الطعام كما ترى بطريقتنا المعتادة ، ولكن إذا لم يناسبك هذا يمكن طهي اللحم بالطريقة التى تحبها … ولم يكتف الفرنجي الماكر برفض تذوق أي نوع من الطعام ، وإنما رفض أيضا أن يلمسه بأطراف أصابعه وأزاح الطعام كله وقسَمه بين الحاضرين ، وبدا الأمر وكأنه يسدى إليهم معروفا … ثم طلب من طباخيه أن يجهزوا له اللحم على الطريقة الفرنجية المعتادة …. وفى اليوم التالى عرف أن الحاضرين لم ينلهم أذى من الطعام ؛ وعندها فقط كشف عن خوفه الدفين بقوله : ” أما أنا ، فحين تذكرت الحروب التى خضتها ضد الإمبراطور … خشيت أن يدبر لقتلي بوضع جرعة من السم فى الطعام …” . هذا المثل يكشف تماما كيف أن استخدام الطعام قاتلا مأجورا كان من الوسائل الشاتعة فى أوساط الحكام من المدنيين والعسكريين ( إلى جانب أنماط أخرى من الاغتيالات بطبيعة الحال ) فى أوربا وفى العالم كله .

وقد شهد عصر سلاطين المماليك (1250 -1517 م ) عدة أمثلة من الاغتيالات التى لعب فيها الطعام دورا رئيسيا . فقد كان الحكم فى هذه الدولة التى حكمت المنطقة العربية تقريبا – بشكل مباشر وبشكل غير مباشر – فترة تزيد على مائتين وسبعين عاما ، على أساس مبدأ “الحكم لمن غلب ” . وكان معنى هذا ببساطة أن عرش السلطنة حق لأقوى أمراء المماليك وأقدرهم على الإيقاع بالآخرين . وكانت الفترة الانتقالية التى أعقبت العصر الأيوبي فترة اتسمت بالصراع والمؤامرات والاغتيالات : فقد تم اغتيال توران شاه ابن الصالح نجم الدين أيوب الذى تم استدعاؤه لتولى العرش بعد موت أبيه ؛ ولكنه مات “قتيلا حريقا غريقا ” على حد تعبير المؤرخين المعاصرين ؛ ثم تولت السلطانة ” شجر الدر ” السلطنة لفترة لا تزيد على ثمانين يوما ، واضطرت لخلع نفسها من السلطة وتزوجت من عز الدين أيبك الذى صار سلطان البلاد . وكانت السلطانة السابقة وكبار الأمراء الممليك يظنون أن عز الدين أيبك التركماني الذى تولى العرش ” … ليست له شوكة ، ومتى أردنا صرفه صرفناه ” . ثم كان لصراع القوى السياسية والعسكرية أن يصل إلى مداه . ونسجت شجر الدر وزجها السلطان الجديد خيوط مؤامرة للتخلص من المماليك البحرية وزعيمهم ” فارس الدين أقطاي ” الذى كان منافسا خطيرا للسلطان أيبك . ولعب الطعام دور الوسيط ، لا الفاعل ، فى تلك المؤامرة . فقد دعى السلطان عدوه اللدود وغريمه إلى وليمة فاخرة وللتشاور فى بعض الأمور . وفى إحدى قاعات القلعة ( قاعة العواميد ) تناولت الضيف سيوف المتآمرين حتى مزقوه ، وقطعوا رأسه وألقوا بها إلى بيبرس البندقداري وبقية رفاق أقطاي المنتظرين تحت أسوار القلعة … وهرب المماليك البحرية إلى فلسطين وبلاد الشام ؛ وتقلبت بهم الأحوال حتى عادوا بعد فترة ليشاركوا فى هزيمة المغول ويتولى كبيرهم بيبرس السلطنة .

ومن المثير أن تلك الحادثة التى جرت بين جدران قلعة الجبل سنة 652 هـ / 1254 م لم تكن حادثة الاغتيال الوحيدة التى شهدتها القلعة فى غمرة الصراع على السلطة ، ولعب فيها الطعام دور الواسطة أو الأداة ، إذ كانت ولائم الطعام من الأسلحة الفتاكة للتخلص من الخصوم السياسيين والعسكريين . فبعد ستة قرون من الزمان تقريبا ، كانت القلعة فى القاهرة مسرحا لحادثة اغتيال أخرى مماثلة ولكن على نطاق أوسع كثيرا . ذلك أن ” محمد على باشا ” ، الذى تولى حكم مصر واليا من قبل السلطان العثماني بعد فترة من الاضطرابات وثورة مصرية ناجحة أطاحت بالوالى العثماني خورشيد باشا على غير رغبة السلطان العثماني ، كان قد بدأ فى تنفيذ خطته الجسورة لتحديث الدولة وتوسيعها ؛ ولكن بكوات المماليك الذين كانت الإدارة المحلية بأيديهم وكانوا يمثلون قوة عسكرية مهمة ، وقفوا حجر عثرة فى وجه مشروعات محمد على باشا الذى رأى أن الوسيلة المثل للتخلص من هذه الفلول الباقية من النظام القديم يجب أن تكون جذريةوحاسمة . ودبر بالتشاور مع كبار قادة جيشه مذبحة للمماليك . وفى يوم 5 صفر 1226 هـ ـ / أول مارس 1811م ، دعى كبار الأمراء المماليك ، وأتباعهم ، وأعيان الدولة للاحتفال بتنصيب ابنه الأمير طوسون قائدا للقوات المصرية الذاهبة لقتال السعوديين فى شبه الجزيرة العربية .

حضر الجميع إلى القلعة ؛ وكانت الموائد حافلة بما لذ وطاب من أنواع الطعام والشراب التى استولت على انتباه الجالسين إلى الموائد ؛ وبينما كان الجميع مشغولين بالبحث عن أطايب الطعام ، كان الباشا الداهية يتابع مع رجاله مراحل تنفيذ الاغتيال الجماعي : فقد كان أحد قادة جيشه ويسمى “صالح قوج ” قد أعد عدته لتنفيذ المذبحة التى ذكر تفاصيلها المؤرخ الجبرتى فى كتابه ” عجائب الآثار ” ومؤرخ آخر أقل شهرة هو ” خليل بن أحمد الرجبي ” صاحب كتاب ” تاريخ الوزير محمد على باشا ” … وما إن خرج موكب الجنود وأعيان الدولة – الذين كان أمراء المماليك منهم – حتى أعطى صالح لأتباعه الإشارة المتفق عليها . وكان أمراء المماليك قد وصلوا إلى الممر الصيق المنحدر الذى يوصل إلى الباب ؛ وعندما بدأ الرصاص ينهمر عليهم من جنود صالح قوج الذين كمنوا لهم فوق السور حاولوا الهرب والنجاة بلا طائل ، وتتبعوهم بالقتل حتى تم ذبح الجميع وما زال الطعام يملآ بطونهم . وامتدت مذبحة المماليك لتشمل القاهرة ومصر كلها … وانتهى دورهم السياسي والعسكري فى الإدارة الحكومية وفى المجتمع المصري  إلى الأبد .

ولأن الطعام لعب دور القاتل المأجور أحيانا ودور الوساطة فى الاغتيالات أحيانا أخرى ، وفى هذا وذاك لم يكن فاعلا وإنما كان مفعولا به أيضا ، فإن قصص القتل والاغتيال بالطعام كثيرة ومتواترة تحكى عن الدور الذى أريد للطعام أن يلعبه ( القتل ) نقيضا للدور الذى خلق من أجله (الحياة ) .

التعليقات