رحلة فوق ملامح الزمن… سنوات التكوين – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في مايو 7, 2015 عن طريق - قسم دكتور قاسم عبده قاسم موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

كثيرا ما يوصف الزمن بأوصاف إنسانية تعبر عن رغبة البشر فى نسبة أفعالهم ، حلوها ومرَها ، إلى الزمن . ولأن الزمن وعاء آني لأفعال البشر ، فلا يمكن أن تكون له هذه القدرة الإيجابية على تشكيل حياة البشر . وربما يكون المقصود بالزمن فى هذه الحال الظروف السائدة فى مرحلة زمنية ما . وهى ، على أية حال ، ظروف صنعها الإنسان بشكل تراكمي على مرِ السنين . فالمرحلة الزمنية التى يمكن أن توصف بأنها ” الزمن الجميل ” ، هي فى الواقع نتاج لعمل البشر فى مجالات الحياة المختلفة ، داخل إطار ثقافة بعينها ؛ وفى حدود نظام قيمي وأخلاقي متناغم ومتناسق ، وحياة سياسية واجتماعية مريحة نسبيا … وهلم جرا . أما الفترة الزمنية التى توصف بأنها ” الزمن الردىء ” ، فهي فى حقيقتها نتاج للاستبداد السياسي ، والتراجع القيمي والأخلاقي ، والتدهور الاقتصادي ، والارتباك الثقافي … وما إلى ذلك . والذى يشكل ملامح الفترة الزمنية فى كل من المثالين السابقين عمل الإنسان ؛ ومن ثم فالإنسان هو المسئول عن ملامح الزمن .

هذه الفذلكة ضرورية ، فى تصوري ، للدخول إلى عالم الرحلة التى قطعتها فوق ملامح الزمن الذى عشت حياتي فى رحابه . وقد تنوعت هذه الملامح ما بين الابتسام والعبوس ؛ والاندفاع والتراجع ؛ والانتصار والانكسار ؛ والفرح والترح ، والرخاء والشقاء … فقد خرجت إلى الحياة ذات يوم من أيام شهر مايو سنة 1942 م –  فى عزِ أيام الحرب العالمية الثانية – وقد حكت لى أمى رحمها الله أنها كانت تحملنى وتجرى بي إلى أحد الخنادق حماية لى ولها من غارات الألمان فى حرب لم تكن لمصر فيها مصلحة أو سبب ؛ ولكنها ذاقت مرارة ضررها بسبب الاحتلال البريطاني آنذاك .  وفى حي كوبرى القبة الذى نشأت فيه عرفت أولى خطوات التعليم وأنا دون الخامسة من عمري فى الكتَاب ؛ وفى الكتَاب عرفت القرآن الكريم ، وكتابة الحرف العربي وقراءته ، بالقدر الذى يصلح لمن هم فى عمري . وكان المشرف على الكتَاب الشيخ سيد الحلو ،  عليه رحمة الله ، الذى كان رجلا بسيطا جميل الخلقة والخلق . وظلت علاقتى وطيدة بهذا الرجل الجميل الجليل حتى نهاية دراستى فى المرحلة الثانوية …

وكان جدى قاسم الكبير رحمه الله ، مرشدي ومعلمى فى السنوات الباكرة من عمرى: فقد كان تاجرا من أبناء الطبقة الوسطى ؛ وكان فى الوقت نفسه مثقفا ثقافة راقية كما كان يفهم الحياة  ويحبها .  فقد حفظ الكثير من تراث الشعر العربي ، والقصص والحكايات والملاحم العربية مثل ” ألف ليلة وليلة ” ، و” حكايات كليلة ودمنة ” … وغيرها . وكان نصيبى من حكاياته ومسامراته كبيرا لأننى سميت على اسمه ، وكنت أول حفيد له ؛ وغرس في حب المعرفة والرغبة فى التعلم . وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على فترة دراستى الابتدائية بمدرسة كوبرى القبة ؛ ثم الإعدادية فى مدرسة أبو بكر الصديق بحمامات القبة ؛ وبعدها فى مدرسة القبة الثانوية فى منشية البكري .

فى هذه السنوات الباكرة من عمرى ، عرفت القراءة كنز لا ينضب ، واتخذت الكتاب رفيقا لا يخون ولا يغدر . وكانت قراءاتى الأولى قد انحصرت فى نطاق روايات الجيب ، وقصص أرسين لوبين ( اللص الظريف ) وشرلوك هولمز ، ولم أكن اشترى هذه الكتب – فلم تكن إمكانياتى تسمح بذلك – وإنما كنت أستأجرها من عم حجازى رحمه الله بقرش صاغ للكتاب وأعيده إلى عم حجازى الذى كان بائع الكتب القديمة الذى يفرش بضاعته على سور إحدى الفيللات وعلى الرصيف بشارع الملك فى حدائق القبة حيث انتقلنا من منشية البكري للسكن هناك .

كان أبى ، عليه رحمة الله ، رجلا قاهري النشأة بسيطا من أبناء الطبقة الوسطى ؛ وكان حظه من التعليم قليلا . وقد كان فنانا مرهف الحس هاويا يغنى ويعزف على العود ، ويمارس التمثيل مع عدد من الأصدقاء والأقارب على مسارح بدائية يقيمونها فى منزل العائلة ( الذى كان أعمامى وعماتى وأبناؤهم يقيمون فيه جميعا حسب العادات الاجتماعية آنذاك ) . وكثيرا ما كان يمارس هوايته فى العزف والغناء فى آخر النهار عندما يعود من عمله ليغسل إرهاق النهار بهذا الفن البديع . لم يكن أبى قارئا مثقفا مثل جدى ، لكنه كان إنسانا راقيا بمعنى الكلمة . وبسببه أحببت الفن وتذوقته ، وكم تمنيت أن أكون فنانا لكننى عرفت أن الفن موهبة ولا يأتى بالتمنى ولم أكن موهوبا . كانت أمى سيدة بسيطة من عائلة كبيرة من الشرقية ، ومع ذلك كانت تحمل حكمة الزمن . كانت جميلة بمقاييس الجمال المتعارف عليها ؛ وكانت أيضا تتحلى بالطيبة والحكمة والمرح وحب الناس . وقد تفرغت للبيت وتربيتى أنا وأخوتى التسعة وأثمر جهدها بفضل الله فى أبنائها وبناتها خيرا وفخرا لها ولأبينا عليهما رحمة الله .

اتسمت ذكرياتى عن تلك الأيام الباكرة من حياتى بالدفء والبساطة والجمال ، وكان المرح عنوان حياتنا التى لم تكن سهلة أو ميسورة بأي حال . وأذكر أن يوم ذهابنا إلى سينما الفالوجا فى منشية البكرى كان بمثابة العيد الأسبوعي للأسرة نقضيه بصحبة الوالدين . وربما كان هذا هو السبب فى أننى أدركت أن الحياة لا تستقيم ولا يكون لها معنى إذا خلت من الفن . وعندما كبرت بالقدر المناسب كنت أدخر جزءا كبيرا من مصروفي اليومي لكي أتمكن من الذهاب إلى السينما ( درجة ثالثة طبعا ) فى يوم العطلة الدراسية . وفى سن المراهقة انبهرت بالأفلام العربية والأجنبية ؛ واستولى على خيالى أداء الفناين الكبار فى ذلك الحين : بكيت مع فاتن حمامة ، وضحكت مع نجيب الريحاني وسيلمان نجيب وعبد الفتاح القصري وإسماعيل ياسين وحسن فايق وعبد السلام النابلسى وعبد المنعم إبراهيم واستيفان روستى … وغيرهم . وعشقت فريد شوقى نائب الضعفاء على الشاشة البيضاء – وفوق هذا وذاك صدقت كل القيم النبيلة التى كانت أفلام ذلك الزمن تحملها وتروج لها .

وحين اشتد عودى ، وسار عقلي خطوات أبعد نحو النضج انتشيت بأغانى مطربى ذلك الزمن : محمد عبد الوهاب ، وعبد الغنى السيد ومحمد فوزى ومحمد قنديل وعبد العزيز محمود ومحمد عبد المطلب وكارم محمود … وغيرهم ؛ وعرفت الحب البرىء مع أغنيات عبد الحليم حافظ ؛ وأحببت أغنيات شادية وفايزة أحمد وليلى مراد ونجاة الصغيرة . حين ظهر عبد الحليم حافظ وذاع صيته ، كنت أتخيله يغنى نيابة عنى أنا بالذات . وكانت تلك مرحلة البراءة الكاملة والخيال المنطلق بلا حدود . أما أم كلثوم ، فلم أعرف قدرها سوى بعد أن دخلت الجامعة . وكانت حفلتها فى الخميس الأول من كل أسبوع مناسبة يجتمع فيها الأصدقاء لسماعها فى البيوت نظرا لعدم قدرة معظم الناس على دفع قيمة تذكرة الحفل الشهري . كنا نسهر يوم حفلة أم كلثوم فى بيت أحد الأصدقاء الذين تمتلك أسرتهم راديو ( فقد كانت أسر قليلة فقط تمتلك الراديو ، وتحرص كل أسرة على وضع الراديو فى مكان ظاهر بالصالة على سبيل التفاخر لكي يراه زوارها ) .

لم تكن مصر آنذاك قد عرفت التليفزيون ، ولم أشاهده إلا وأنا طالب فى الجامعة فى النصف الأول من ستينيات القرن العشرين . وكان الراديو يقوم بالوظيفة الثقافية / الاجتماعية التى يقوم بها التليفزيون فى مجال الدراما على الأقل . وكانت تمثيلية الساعة الخامسة والربع – بعد نشرة الأخبار – تجتذب الناس للاستماع إليها فى بيوت الجيران الذين يمتلكون الراديو . كذلك كانت ألف ليلة وليلة فى رمضان وغيرها من الأعمال التى تجتذب الناس لسماعها ؛  ولكن ذلك لم يكن يشدنى بعيدا عن القراءة والكتاب . ففى المرحلة الثانوية بدأت أقرأ كتابات جورجى زيدان ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمد فريد أبو حديد وأمين يوسف غراب … وغيرهم . ثم بدأت أقرأ فى الأدب والتاريخ والفن والمعارف العامة ، وعندما حاولت القراءة فى الفلسفة لم أفهم شيئا ؛ ولم تكن تشدنى الكتابات السياسية إذ تأخر اهتمامي بهذا النوع من الكتابات إلى ما بعد تخرجى من الجامعة .

أمضيت ذلك الشطر االباكر من حياتى ، شأن بقية أبناء الطبقة الوسطى فى ذلك الوقت ، موزعا ما بين الدراسة المنتظمة فى المدرسة – مرحلة بعد أخرى – والاستمتاع بالفن وأشكاله المتاحة من خلال الراديو والسينما ( فلم أعرف المسرح سوى فى المرحلة الجامعية ، ولم أتعرف على التليفزيون سوى فى منتصف حياتي الجامعية ) ، وقراءة الكتب التى كان يتيسر لى الحصول عليها فضلا عن الصحفب والمجلات . وعلى الرغم من أن هذه المصادر قد أسهمت كثيرا فى تكويني ، فإننى لم أكن قد عرفت طريقي ، ولم أكن قد حددت هدفي بعد … ولم أبدأ ذلك سوى بعد دخولى كلية الآداب بجامعة القاهرة حين بدأت المرحلة التالية والحاسمة من سنوات التكوين فى حياتي . كان ذلك فى النصف الأول من الستينيات من القرن العشرين ؛ ولم أكن أعرف بالضبط ماذا أريد أن أتخصص فيه فقد جاءت دراستي للتاريخ بمحض الصدفة ، ولم أكن أحب دراسة التاريخ بسبب الطريقة المنفرة التى يدرِسون بها التاريخ فى المدارس ( ومن المؤسف أن تدريس التاريخ فى المدارس الآن يدفع بالتلاميذ إلى كراهية هذه المادة المهمة للغاية) .

ففى كلية الآداب حضرت محاضرة بقسم التاريخ لأستاذنا الراحل الدكتور محمد أنيس ؛ وحدث الآنقلاب الأول فى سنوات التكوين . بيد أنه كان انقلابا جميلا ، إذ كان هذا الأستاذ العظيم هو أول من نبهنى إلى حقيقة أن التاريخ ليس علما ينتمى للماضى ، ولا حكايات للسمر تروى عن سالف العصر والأوان . وأدركت فيما يشبه الإلهام أن هذه هي الدراسة التى اختارنى الله سبحانه وتعالى لها ، فاخترتها .

وفى قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة أسهم عدد كبير من الأساتذة فى تكوينى العلمي كما أسهمت الحياة الجامعية نفسها فى تكويني الاجتماعي : الدكتور محمد أنيس والدكتور سعيد عاشور والدكتور عبد اللطيف أحمد على والدكتور إبراهيم نصحى والدكتور محمود شكرى أستاذ الأدب الإنجليزي رحمهم الله جميعا ، فقد كانوا أساتذة جمعوا بين العلم والمقام الرفيع والخلق السامي . وكانت تجمعنى بهم علاقة حميمة على المستوى الشخصي على الرغم من أننى كنت طالبا صغيرا … وظلت العلاقة قائمة تزيد قوية مع الأيام حتى توفاهم الله كل فى موعده الذى قدَره الله .

عشت الحياة الجامعية فى كلية الآداب طولا وعرضا وعمقا ؛ ولم أكن أترك أي نشاط فى الجامعة يفوتنى إما مشاركا أو مشاهدا ومتفرجا . على مستوى الثقافة بمعناها الواسع كان النشاط الجامعي مصدرا مهما من مصادر تكوينى ؛ وعلى مستوى القراءة بدأت أقرأ فى مجالات جديدة لم أكن قد عرفتها فى المرحلة السابقة من عمري . عرفت الطريق إلى القراءة فى الفلسفة ، وكان من حسن حظي ( وربما كان من أسباب إقبالى على هذا المجال ) أن أستاذنا الدكتور محمد أنيس دعا المؤرخ الإنجليزي الكبير ” أرنولد توينبى ” ليلقى عددا من المحاضرات فى قسم التاريخ ، وكنت ممن استمعوا لتوينبى . ولكننى حقا لم أفهم كثيرا مما قاله الأستاذ الكبير مع أننى أدركت على نحو غامض أن الرجل يقول كلاما مهما . لم أكن مهيئا بعد للفهم وإن كنت على استعداد للتعلم … وبعيدا عن الدرس والقراءة ، فقد مارست كافة أنواع النشاط الجامعي باستثناء الرياضة بطبيعة الحال بسبب عدم قدرتي البدنية .

فقد كنت عضوا بفريق الجوالة وشاركت فى معظم الرحلات التى قامت بها الكلية والجامعة ومعسكرات العمل ، وانتخبت عضوا فى اتحاد الطلبة ثم انسحبت ؛  وشاركت فى التمثيل والغناء فى كثير جدا من الحفلات فى كلية الآداب وغيرها ولكنى اكتشفت أننى لا امتلك الموهبة الفنية وأدركت أن دخول المرء إلى عالم الفن ليس بالنية وإنما بالموهبة التى لم يمنحنى الله إياها ؛ ومع هذا حافظت على صداقاتى بالزملاء الذين صاروا فيما بعد من كبار النجوم فى المسرح والسينما والتليفزيون ، وهى صداقات صمدت فى وجه تقلبات الزمن حتى الآن . وكنت عضوا نشطا فى الجمعيات الأدبية والفنية والثقافية التى كانت الجامعة تزخر بها فى تلك الأيام .

كان هذا النشاط الجامعي المتنوع من أهم مصادر تكويني الثقافي والعلمي : إذ إننى تعلمت من المشاركة فى أنشطة كلية الآداب والجامعة أن للحياة جوانب عديدة ؛ وأنه لا يمكن للإنسان أن يدعى أنه يعيش فعلا إذا كان يعيش حياة أحادية الجانب . وقد تعلمت الكثير من حقائق الحياة من خلال معسكرات العمل فى الريف المصري ، وفى المعسكرات الدولية التى كانت تقام فى وادى النطرون أو فى أبو قير بالإسكندرية ، والتى كانت تضم شبابا من حميع أنحاء العالم نتبادل معهم الأفكار ونتأثر بهم ونؤثر فيهم على كافة الجونب … كم كانت مفيدة تلك الفتر الثرية من شبابي فى تكويني من نواح عديدة !

من ناحية أخرى ، كان المسرح الباب السحري الذى دخلت منه إلى رحاب الثقافة الإنسانية العالمية ، وحدث أن شاركت فى التمثيل على المسرح الجامعي عدة مرات ، ولكننى كنت على يقين تقريبا من أننى لن أكون ممثلا محترفا – لماذا ؟ لم أعرف حتى الآن . ولكن الأهم من التمثيل أننى قرأت بنهم شديد فى تلك الفترة كثيرا من المسرحيات العالمية المترجمة ( كانت الدولة وقتها تدعم الكتاب وتوفره بثمن زهيد حقا ) ؛ وشاهدت مسرحيات رائعة بفضل أسعار تذاكر المسارح التى كانت منخفضة كما كان الطلبة يأخذونها بنصف الثمن … وفى دنيا المسرح تعرفت عن قرب بعض الأساتذة الكبار من المخرجين والممثلين ، كما ربطتنى الصداقة بعدد من أبناء جيلى الذين صاروا نجوما تتلألأ فى سماء حياتنا الثقافية منهم أحمد بدير ومحمد متولى والمنتصر بالله والدكتور هانى مطاوع والدكتور فاروق الرشيدي … وكثير غيرهم . وكان المسرح أيضا مصدرا مهما من مصادر تكويني الثقافي من خلال ندوات المناقشة التى كانت تعقد فى رحاب الجامعة ، أو بعض المسارح لمناقشة قضايا ونصوص مسرحية أو عروض مسرحية من حيث التمثيل والإخراج والموسيقى والديكور … وما إلى ذلك .

وكان المسرح ، أيضا ، بالنسبة لى كنزا من كنوز المعرفة البشرية عرفت من خلاله النماذج البشرية الفردية والمواقف الإنسانية والمشكلات الاجتماعية ؛ فضلا عن التفاعل الفكري والثقافي بين البشر على اختلاف ألسنتهم وموروثاتهم الثقافية والفنية . وبفضل المسرح أدركت عن وعي أهمية القيم الإنسانية الراقية مثل الحب والبطولة والصدق والشجاعة والتضحية . والمدهش أن المسرح كان بالإضافة إلى هذا كله بابي الذى دخلت منه فيما بعد إلى عالم السياسة المذهل المربك المحيِر بتناقضاته ، وتشابك العلاقات الإنسانية داخله ؛ وتعرفت بفضل المسرح على الكثير من مشكلات مصر والعالم العربي الاجتماعية والسياسية ، ونضال شعوب الأرض فى سبيل الحرية والتخلص من استبداد الإمبريالية العالمية فى الخارج والحكام المستبدين فى الداخل .

كنت قبل هذا قد عشت الجو الوطتي العام الذى تفجر أثناء العدوان الثلاثي سنة 1956 م ، وكنت فى سن صغيرة بحيث صدقت الدعاية السياسية التى روجت لها الدوائر الحاكمة ، وربما يكون التدخل العالمي الذى أجبر المعتدين على وقف العدوان والانسحاب من مدن القتاة السبب فى الوهم الذى ساد وقتها بأننا انتصرنا ( وهى كلها أمور لم أفهمها سوى بعد سنوات عديدة على أية حال ) ، ولكن درجة النضج الفكري والوعي السياسي لم تكن تسمح لى بأكثر من دور المتفرج المخدوع ؛ وبقيت على هذه الحال طوال الفترة الجامعية على الأقل . وبسبب المسرح  – الذى كنت أتابعه وأتابع قضاياه متفرجا وقارئا  ومشاركا فى مرَات قليلة – بدأت أنتبه وأطرح الأسئلة بأثر رجعي وأسعى للحصول على إجابات عن كل التساؤلات التى أثارتها الأحداث الكبرى التى شهدتها من قبل : فقد شهدت بعيني جانبا من أحداث حريق القاهرة سنة 1952م ( من بعيد ) ؛ ورأيت الدخان وفرحت لأن الدراسة تعطلت فى ” إجازة إلى أجل غير مسمى ” ؛ وشاهدت أولى مظاهرثورة يوليو 1952 م حينما رأيت من نافذة بيتنا فى شارع الخليفة المأمون بمنشية البكرى عددا من الدبابات والجنود فى هذا الشارع صباح ذلك اليوم . ورأيت الخوف والحذر فى ملامح وجه أبى وأمى . وعندما جاءت صحيفة ” المصري ” وقرأ أبى أخبار ” حركة الجيش ” ( كما كانت تسمى آنذاك ) ، رأيت أبى مبتهجا سعيدا ، كما أن أمى عبرت عن فرحتها بشكل كبير . ولم أفهم ساعتها السبب فى هذه الفرحة الكبيرة …. وكان علي أن أنتظر زمنا طويلا حتى أفهم .

وتخرجت من الجامعة سنة 1967 م ( كان الامتحان فى يونيو من تلك السنة وتعطلت الامتحانات فترة من الزمن ) وجاءت هزيمة يونيو لتهز كل شىء ، وبدأت اهتم بالسياسة وثارت فى عقلي أسئلة كثيرة مفزعة . وعرفت أن الحكم العسكري الذى أوهمنا كثيرا أننا نملك أقوى جيش فى الشرق الأوسط ، وأننا سوف نقضى على إسرائيل فى نزهة عسكرية هو السبب المباشر فيما جرى … وكانت الهزيمة التى جرت على الجيش فى ساعات قليلة بادية واضحة فن مناظر الجنود القادمين من سيناء هربا على الأقدام ، وفى أخبار المفقودين والشهداء والجرحى – وقد شاهدهم الناس عيانا فى كل مكان – واهتزت الكثير من القناعات . وبدأت تتحدد ملامح ثقافتي السياسية وموقفى السياسي . ولكننى تعلمت الدرس السياسي الأول بشكل جاد فى الزنزانة رقم 18 فى سجن القلعة الذى سجنت فيه أنا ومجموعة من الشباب الجامعي بلا سبب حقيقي سوى أننا اشتركنا فى مظاهرات الطلبة سنة 1968 م احتجاجا على الأحكام التى صدرت فى المحاكمات التى جرت لبعض من نسبت إليهم تهم التسبب فى الهزيمة الكارثية . وكنت وقتها أدرس فى السنة التنهيدية للحصول على الماجستير .

وبسرعة وهمة لفقت لنا أجهزة الأمن كعادتها تهمة عجيبة : التآمر مع دولة بلغاريا لقلب نظام الحكم !!!! محموعة من الشباب الصغار أكبرهم فى بداية العشرينيات يتآمرون للإطاحة بجمال عبد الناصر ؟! يا إلهى ! ولم أعرف حتى الآن لماذا اختار العباقرة الذين لفقوا هذه القضية بلغاريا بالذات . والأدهى والأمَر أن ضباط الشرطة بهمتهم المعروفة لفقوا لنا تهمة سخيفة هى أن كلا منا تلقى ورقة من فئة المائة دولار مقابل الإطاحة بجمال عبد الناصر قسمت نصفين النصف فى البداية والباقى بعد نجاح المؤامرة . وفى المعتقل قابلنا بعض المعتقلين من أركان الحكم أيام عبد الناصر الذين سجنوا فى القضية التى عرفت باسم مراكز القوى وارتبطوا بشكل أو بآخر بعبد الحكيم عامر . المهم أننى فهمت من هذه الحادثة ، ومن المناقشات مع المعتقلين الكبار أن الوطن ملك لنا جميعا ، وأن مسئولية حمايته واجب علينا جميعا ، وأن الاستبداد هو الذى جلب هذه الكارثة التى كان علينا أن نتجرع مرارتها وما نتج عنها من عواقب . وعلى الرغم من أننى شخصيا لا أشك لحظة واحدة فى الدور الوطني والقومي الكبير الذى لعبه جمال عبد الناصر ، وعلى الرغم من أن الرجل عاش نزيها ومات فقيرا ، فإن رجلا واحدا لا يمكن أن يقدر على إدارة بلد تمسك بخناقه مشكلات اجتماعية واقتصادية  وثقافية فى الداخل ، وتهب عليه الرياح والعواصف التى تحمل مؤامرات الرجعية العربية ، والصهيونية والإمبريالية لكي تدخل البلاد وأهلها بيت الطاعة الأمريكية / الصهيونية مع ذيولها فى المنطقة العربية . ولكن أخطر الدروس أن أجهزة الأمن تعمل فى جزء كبير منها ولا تخضع للرقابة الشعبية من خلال مؤسسات مسئولة ، ومن ثم كانت تعمل وفق تعاليم استبدادية  ولكنه كان درسا لم يتعلم منه أحد … وبقيت حالة الغضب تعبر عن نفسها سنويا فى مظاهرات كبيرة حتى مات عبد الناصر .

كنت فى بداية حياتى الجامعية قد تم اختيارى ضمن مجموعة من الزملاء للانضمام إلى منظمة الشباب الاشتراكى ولكننى لم ألبث أن تركتها سريعا بسب محاولات التلقين التافهة التى كان من يقومون بها أقل علما وثقافة من معظم أفراد المجموعة الأولى الذين  تم اختيارهم فى معسكر حلوان . وكانت التدريبات على الهتافات من أهم أنشطة تلك المنظمة التى أخفقت بشكل واضح . كان رد الفعل الثقافي للهزيمة الكارثة إيجابيا ومثمرا: فى المسرح ، والشعر ، والأدب  والسينما ؛ وفى الدراسات الإنسانية والاجتماعية بشكل عام ، والدراسات التاريخية على نحو خاص . وزاد تمسك الناس بتراثهم العربي والإسلامي حتى جاء السادات وحدثت تراجعات كثيرة بسبب عدائه للثقافة والمثقفين …

أما تكويني العلمي والأكاديمي ، فلم يتوقف أبدا لأي سبب . وقد اتخذ مسارين أساسيين أحدهما فى الدراسة الأكاديمية المنتظمة : فقد حصلت على درجة الماجستير من قسم التاريخ  بجامعة القاهرة سنة 1972م  ؛ ثم نلت درجة الدكتوراه فى التاريخ من الجامعة نفسها سنة 1975 م  ؛ وكانت الرسالتان فى مجال التاريخ الاجتماعي تحت إشراف أستاذي الجليل المرحوم الدكتور سعيد عاشور . وتمثل المسار الثانى فى تكويني الأكاديمي فى قراءاتي الكثيرة فى الاجتماع والأدب بفنونه المختلفة والتاريخ والفلسفة والسياسة . وقد رسخت دراستى اعتزازى بالانتماء لمصر وفخرى بالتراث الذى خلفته الحضارة العربية الإسلامية . كانت دراستى التى حصلت بها على درجة الماجستير عن “نهر النيل وأثره فى المجتمع المصري فى عصر سلاطين المماليك ” ؛  وكم أحببت هذا النهر العظيم بعد هذه الدراسة بعد أن حبسناه فى صنابير المياه والمواسير ، وواراه أصحاب النفوذ وراء مبانيهم القبيحة التى أقاموها على ضفتيه  نوادي لهم تحجبه عن عيون المصريين أصحاب الحق فى نهرهم العظيم وكأنه ” عورة ” … أحببت النهر الجميل الذى اكتشفت أننى لم أعرفه سوى حين قرأت ماكتبه المؤرخون والجغرافيون القدامى ، ونسبه بعضهم إلى أنهار الجنة . وكرهت كل من لوث مياهه المقدسة فى زمن الفوضى ، وشعرت بالاحتقار لكل من أقام سورا أو حائطا علىى شاطئيه ، أو ردم جزءا من مجراه فى زمن القبح والبيع والفساد . أحببت نهر النيل فى الأساطير العربية وفى كتابات المؤرخين والجغرافيين والرحالة وقصائد الشعراء ؛ وأحببته فى الواقع بعد ذلك عندما سافرت ورأيت أنهار التيمس والسين والتيبر والدانوب ، وأحببته حين رأيته مثلنا صابرا على زمن غير الزمن ورجال غير الرجال ، وهو ينظر إلى أمة تبدل حالها تحت وطأة الاستبداد والظلم والقهر ؛ وكان ذلك كله رافدا مهما من روافد تكويني الأكاديمي والثقافي  .

وكما أحببت النيل بفضل دراستى للماجستير ، أحببت بلادى من خلال دراستى للدكتوراه . فقد كان موضوعها ” أهل الذمة فى مصر عصر سلاطين المماليك ” . واكتشفت أن هذا الوطن قد اتسع للجميع من المسلمين والمسيحيين واليهود كما كان حاله دائما ؛ وعرفت من دراستى أن المجتمع المصري كان نسيجا واحدا على مرِ العصور ؛ واكتشفت – أيضا – أن الفقر والظلم والاستبداد أساس جميع مصائب البلاد والعباد . ولأن الدراسة ذات بعد اجتماعي وديني ؛ فضلا عن طبيعتها التاريخية ، فقد قرأت الكتب المقدسة للديانات السماوية الثلاث ، وعرفت أن المنبع الإلهي للديانات واحد ، وأدركت معنى عبارة ” إن الدين عند الله الإسلام ” وزاد إيامانى بالإسلام وزادت ثقافتى الدينية ، وعرفت عن يقين أن الإسلام هو الدين الذى  ينادى بوحدة البشرية ؛ ويعترف بالآخر الديني وجودا وعقيدة وحقوقا ؛ واندهشت عندما اكتشفت الحقيقة البديهية القائلة إن الإسلام علاقة مباشرة بين الله سبحانه وتعالى والإنسان ، وأن الإسلام لا يزعم أن الله اختار لنفسه أمة بعينها ميزها على البشر جميعا وإنما هو رب العالمين . وكان ذلك من مكونات موقفى الفكري تجاه كل من يزعم أنه يتحدث باسم الله سبحانه وتعالى : سواء فى دنيا السياسة أو فى رحاب المجتمع من أبناء الديانات جميعا .

بيد أن هناك رافدا مهما من الروافد التى أسهمت فى تكويني على كافة الأصعدة : وهو مجال عملى قبل أن أصبح عضوا من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة . ذلك أننى لم أعين معيدا بالجامعة بعد تخرجى لأننى لم أكن قد حصلت على تقدير مناسب لهذه الوظيفة. وكان على أن أواصل دراستى العليا للحصول على الماجستير والدكتوراه (واعتقد الآن أن ذلك كان توفيقا من الله ومن حسن حظي ) . وقد وفقنى الله إلى العمل فى وظيفة ضابط مراقبة جوية بالطيران المدني ؛ وأحسب أن الله قد أنعم علي بهذه الوظيفة  لكي تشكل جزءا مهما من تكويني وثقافتى العامة فى الحياة وتطبعه بطابعها . ذلك أن مهمة ضابط المراقبة الجوية توجيه الطائرات المدنية وتأمين سلامتها منذ لحظة إدارة محركاتها حتى وصولها وإنزال الركاب ، مرورا برحلتها فى الجو عبر الحدود ؛ وهى وظيفة تحتاج إلى تأهيل وتدريب خاص ، ولكن الأهم من هذا كله أنها تعتمد على الدقة المتناهية والتحسب لأي خطأ : لأن الخطأ معناه ببساطة إهدار أرواح عشرات الركاب .  وتعلمت أن أكون دقيقا وألا أترك شيئا للمصادفة وأن أؤدي واجبى على الوجه الأكمل . ومن ناحية أخرى ، أتاحت لى وظيفة ضابط مراقبة جوية السفر إلى الخارج ؛ وكان السفر من أهم مصادر تكويني الثقافي ، إذ إن السفر والرحلة وسيلة ناجعة من وسائل العلم والمعرفة . وجاءتنى الفرصة للسفر إلى عدد كبير من بلاد أوربا . ولكن رحلتى إلى إنجلترا وفرنسا بصفة خاصة أفادتنى أيضا فى تكوينى الأكاديمي ؛ ففى هذين البلدين تعرفت على كنوز المكتبات ، وكبار المستشرقين ( والمستغربين من العرب والمسلمين بالقدر نفسه الموجودين فى هاتين الدولتين ) ،  ومن أهم المستشرقين برنارد لويس الذى كان فى ذلك الحين أستاذا بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ؛ ولم يكن من الصعب اكتشاف عنصرية الرجل وانحيازه لأنه لم يبذل جهدا لإخفاء ذلك . كما تعرفت على كلود كاهن الذى كان آنذاك فى أواخر أيامه .

وعلى الرغم من ذلك ، فإن الفائدة الأكاديمية التى تحصلت عليها فى لندن وباريس كانت عظيمة بكل المقاييس . فقد تعلمت الكثير ؛ وكان هذا الكثير موزعا ما بين المعرفة التاريخية بكل جوانبها والمعرفة الإنسانية عموما : تعلمت الأساليب البحثية الحديثة وتعرفت على كافة الاتجاهات والمدارس والاتجاهات فى الدراسات التاريخية ؛ وعرفت عددا من الأساتذة الكبار ؛ وحضرت لقاءات وندوات وحلقات بحث ومناقشات كشفت لى آفاقا رحبة فى مجال الدراسة التاريخية . ومع تكرار الرحلة زادت معلوماتي وأساليب البحث عندى ؛ فضلا عن التقدم الإيجابي فى معرفتى باللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية . وقد أفدت من هذا كله فى عملي بجامعة الزقازيق عندما التحقت بها سنة 1975 م . وأظن أن هذا الحصاد الطيب قد انعكس على تلاميذى فى جامعة الزقازيق من ناحية ، وفى الأبحاث والكتب التى كتبتها  طوال حياتي الأكاديمية حتى الآن .

ومن ناحية أخرى، اتسع منظوري الثقافي بفضل احتكاكي بالثقافات الأجنبية المتنوعة . ولم تتوقف الرحلة ونتائجها الإيجابية عن التأثير فى حياتي الجامعية ، وحياتي عموما حتى هذه اللحظة . فقد حرصت على الرحلة وزرت بلادا أخرى كثيرة داخل العالم العربي وخارجه .

سارت بى حياتى بين العمل الأكاديمي والعمل الثقافي العام والعمل السياسي من خلال الأحزاب ( حزب العمل الاشتراكى والحزب الناصري ) ؛ ولكننى سرعان ما هجرت العمل الحزبي بسبب طبيعة التجربة الحزبية المصرية وما يشوبها من قصور وعجز . وحاولت قدر طاقتى أن أسهم فى فى الحياة الثقافية العامة ؛ وكان هذا أيضا من مصادر تكوينى العام : فالعمل العام مدرسة يتعلم فيها المرء الكثير من الحقائق التى لا يجدها فى بطون الكتب سواء فيما يتعلق بطبائع البشر أو حقيقة مشكلات المجتمع ، والعلاقات بين القوى الاجتماعية والسياسية فيه ، أو من حيث تأثير الموروث الثقافي على الحاضر . وقد أتاح لى العمل العام أن أتعرف على أهم العقول المصرية والعربية التى عاصرتها ، وأفدت منهم كثيرا وتعلمت من بعضهم الكثير الكثير .

وسافرت إلى الكويت معارا من جامعة الزقازيق للتدريس فى جامعة الكويت . وكانت تجربتى فى الكويت تجربة ثرية ومثيرة من جوانب عديدة : فقد عملت بهذه الجامعة على مدى خمس سنوات تخللتها كارثة الغزو العراقي المؤسفة والمحزنة التى أظن أنها السبب فى كافة الكوارث التى نزلت على العالم العربي حتى الآن . وعلى أية حال ، فإن تجربة الكويت كانت إضافة لها وزنها فى تكويني : فقد زاملت عددا من أفضل الأساتذة فى العالم العربي واكتشفت أن العالم العربي ثري ببعقوله وخبراته فقير بنظمه السياسية الاستبدادية التى تهدر هذه الثروة . وكانت رفقة هذه العقول فى جامعة الكويت الكويت وديوانيات الأصدقاء الأساتذة الكويتيين مثل سليمان العسكري وعبد المحسن المدعج وسليمان البدر وعبد المالك التميمي وخالد الوسمى … وغيرهم . من أهم موارد ثقافتى التى ازدادت ثراء بفضل التجربة الكويتية ، وعرفت جوانب من حياة العرب فى منطقة الخليج العربي لم يكن ممكنا أن أعرفها بدون السفر .

وحين عدت إلى مصر كانت أمور كثيرة قد تبدلت ؛ وتغيَر شكل المجتمع وثقافته بشكل سلبي … وحتى الآن تسير بى الحياة وهى تحمل كل يوم رياحا جديدة بعضها يحمل السموم وبعضها نفتش فيه عن المستقبل . وفى ظل هذه الحال من السيولة الاجتماعية والثقافية يحاول المرء أن ينظر فى مرآة الزمان لكي يرى ملامح الوقت الذى نعيش فى رحابه ؛ ولكن المرآة تأبى إلا أن تكشف فقط عن ملامحي التى تغيرت مثلما تغيرت ملامح الزمن الذى قطعت رحلتى فى رحابه . 

التعليقات