سيناء … الأرض والأسطورة والحرب – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

نشرت في أبريل 20, 2015 عن طريق - قسم تاريخ دكتور قاسم عبده قاسم مصر
0 Flares 0 Flares ×

سيناء ليست مجرد اسم جغرافي لمساحة من الأرض نعرفها بحدودها ومساحتها وتضاريسها ومناخها ومواردها الطبيعية  وسكانها ، مثل مناطق كثيرة هنا وهناك على اتساع الدنيا وإنما هي قطعة حية من التاريخ والأسطورة وقصص الأديان السماوية . فهذه الأرض الساحرة الباهرة ، التى تشكل ما يقرب من ستة بالمائة من إجمالي مساحة مصر، ترتبط بالتاريخ أكثر مما تنتمى إلى الجغرافيا ؛ تحكى كل قطعة فيها قصصا وسرديات تتعلق بمصائر البشر أكثر من عدد آنات الزمن الذى يمضى لتدوس عجلته فوق السنين والقرون ؛ تحكى عن الأسطورة والتاريخ ، والدين والحرب والبطولة ، والعادات والتقاليد ، وحياة الناس ومشاعرهم ومتاعبهم ؛ أكثر مما تهتم بما يخرج من أحشائها من معادن ، وأحجار كريمة ، بترول وغاز وفحم …. سيناء كل هذا وأكثر .

وربما ترتبط سيناء فى أذهان غالبية الناس بالحروب المصرية القريبة ضد العدو الصهيوني (مابين سنة 1948 وسنة 1973 م) حرب فلسطين 1948 م والتى شهدت النكبة العربية الكبرى ؛ والعدوان الثلاثي  – إنجلترا وفرتسا وإسرائيل ؛ ثم حرب سنة 1967 م التى كانت أكبر هزيمة تلحق بالجيش المصري والجيوش العربية فى الأردن وسوريا ؛ وبعدها حرب الاستنزاف التى كانت المدخل الطبيعي لحرب السادس من أكتوبر التى كانت مفاجأة مؤلمة لإسرائيل عرفت فيها طعم الهزيمة والارتباك … ولكن قصة العلاقة بين سيناء والحرب تبدو مثل قصة حب أسطورية ؛ فالحديث عن سيناء يستدعى بالضرورة الحديث عن الحروب : قديما وحديثا ..

ربما يكون هذا صحيحا ، وربما ، وربما … ولكن سيناء الأرض والبشر ، والحكايات والأساطير ، وقصص الأنبياء والروايات الباقية عن القديسين ، وبطولات أبناء الوطن ، وخيرات هذا الوطن فوق أرضها وفى باطنها … سيناء هذه بقيت دائما قطعة حية من تاريخنا ؛ تشبه كائنا نحبه ويحبنا لكننا لم نعطه ما يستحق من الرعاية والاهتمام .

فى شكلها الجغرافي ، تكمل سيناء المربع المصري الكائن فى الركن الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا بموقعها فى جنوب غرب آسيا . وسيناء التى تقع عند التقاء أفريقيا وآسيا ، أو افتراقهما ، لتكون معبرا للتاريخ والدين والفكر والثقافة ، لبنة مهمة فى دراما الوجود المصري على مر الزمن .

لقد عرف قدماء المصريين قيمة سيناء واحتفوا بها ، وكانت لها آلهة محلية ضمن ألهتهم ؛ وحولها دارت بعض من أساطيرهم ، وفوق رمالها وعبر مسالكها سارت البعثات تبحث عن كنوزها ؛ كما خرجت جيوشهم تحارب أعداءهم ؛ وفوق أرضها بنوا معابدهم وحصونهم . فمنذ البداية تعامل المصريون القدماء مع سيناء باعتبارها البوابة الشمالية الشرقية لمصر . وإذا كانوا قد عرفوا كيف يستخرجون كنوزها ، فقد عرفوا أيضا كيف يحافظون عليها من الغزاة الطامعين القادمين من غرب آسيا . ومن ناحية أخرى ، كانت جيوشهم البرية تجتاز سيناء لكي تحارب الأعداء أو تطارد المعتدين والغزاة الفارين . وكان طبيعيا أن يحفروا الآبار ويشقوا الطرق ويبنوا القلاع والحصون … لقد كانت سيناء دائما فى قلب القصة ؛ بل إنها كثيرا ما كانت محور القصة .

وقد ارتبطت بسيناء فى التاريخ المصري القديم حكايات تغلفها الأساطير ، أو أساطير تدور حول بذرة من الحقيقة التاريخية : ومنها قصة النبي يوسف عليه السلام والنبي موسى عليه السلام وتيه بنى إسرائيل ؛ فقد جاء النبي يوسف إلى مصر بعدما ظلمه أخوته فاحتضنته مصر وتولى مناصب مهمة بها ، ثم لحق به أهله وعاشوا على أرض النيل زمنا طويلا ؛ ثم خرج موسى وقومه من مصر فى الاتجاه المضاد ، وعلى أرض سيناء كلم موسى عليه السلام ربه . وفى القصتين كانت سيناء مسرح الأحداث ، وأرض الرحلة ، وموطن الأساطير التى نسجت حول الأحداث الحقيقية ذات الطابع الديني … ولا تزال بعض المواضع فى سيناء تردد أصداء قصة خروج موسى وقومه من مصر حتى اليوم .

ثم جاء المسيح عليه السلام مولودا بمعجزة ربانية من السيدة مريم العذراء فى بيت لحم من أرض فلسطين التى كانت آنذاك تحت حكم الإمبراطورية الرومانية . ويحكى القصص الديني المسيحي أن السيدة مريم قد اضطرت للهرب بطفلها من بطش الرومان ووشاية اليهود إلى مصر ؛ وكانت رحلة الهروب إلى مصر عبر سيناء على الرغم من أننا لا نعرف كيف نفصل بين التاريخ والأسطورة فى هذه القصة الدينية . ومن طبيعة القصص الديني عامة أن يخلط بين التاريخ الحقيقي والإضافات الأسطورية التى تتراكم على مرِ الزمن فى طبقات يستحيل فصلها عن بعضها البعض ، أو تمييزها عن بعضها . حدث هذا فى قصة النبي يوسف عليه السلام ؛ وقصة النبي موسى عليه السلام  الذى خرج بقومه من مصر ؛ كما حدث فى قصة هروب العائلة المقدسة فى قافلة صغيرة ضمت المسيح عليه السلام والسيدة مريم العذراء ويوسف النجار ؛ وكانت سيناء فى القصص اليهودية والمسيحية على السواء مسرح أحداث هذه القصص .

لقد ارتبطت سيناء بالديانات السماوية الثلاث : سواء على مستوى السرد التاريخي أو على مستوى الآثار المادية الباقية لأصحاب هذه الديانات ، وإن كان ارتباطها بكل ديانة مختلفا بطبيعة الحال عن ارتباطها بغيرها . فقد ارتبطت شبه الجزيرة بديانة موسى حين خاطبه ربه فى الوادى المقدس ، وتيه بنى إسرائيل ، والعجل الذى عبدوه من دون الله ، وقصة المن والسلوى . وغيرها من تفاصيل قصة خروج اليهود من مصر . ولا تزال منطقة عيون موسى فى سيناء تحمل ذكرى هذه القصة والتفاصيل الأسطورية التى نسجت حول البذرة التاريخية الحقيقية . كما ارتبطت شبه الجزيرة المدهشة بما يحكيه الأدب الديني المسيحي عن هروب العائلة المقدسة من فلسطين ، عبر سيناء ، إلى مصر . وعلى الرغم من أنه لم يرد سوى نص قصير عن هذا الهروب فى واحد فقط من الأناجيل الأربعة ؛ فإن قصة الهروب قد تحولت إلى نص مركَب فى صياغات أدبية وسرديات قصصية مختلفة . وقد ارتبطت بعض الأماكن والمواقع فى سيناء بهذه القصة الدينية .

وعلى مستوى الآثار بقي دير سانت كاترين شاهدا على نوع آخر من القصص الديني المشبع بالأساطير التى ارتبطت بسيناء . فقد بني هذا الدير فى عهد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الأول ؛ ثم نسجت حوله أسطورة تقول إن رهبان الدير واجهوا مجاعة ، فقرروا أن يهجروا الدير ؛ ولكن القديسة كاترين ( التى أخذ الدير تسميته من اسمها ) تجلت لهم وطلبت منهم العودة إلى الدير ؛ وعادوا ليجدوا تلا من الحنطة فى انتظارهم . وتقول القصة أيضا إن جثة كاترين انتقلت من الإسكندرية إلى الدير بصورة إعجازية . ولا يزال دير سانت كارين فى سيناء فى حيازة الملكانيين ( الروم الأرثوذكس ) إلى اليوم ؛ ولا يزال مزارا مسيحيا مهما فى سيناء . صحيح أن الدير القابع فى أحضان الجبال السيناوية تابع لطائفة الروم الأورثوذكس منذ إنشائه ، ولكنه محط اهتمام ساكنى سيناء وزوارها من جميع المذاهب . ويحوى هذا الدير كنوزا حقيقية من الوثائق التى يعتمد عليها الباحثون . ويزعم الرهبان أن لديهم عهد أمان من النبي محمد عليه الصلاة والسلام .

وترتبط سيناء بالدين الإسلامي أيضا : بيد أن الارتباط هذه المرة ليس مباشرا مثلما هو الحال فى اليهودية والمسيحية ، فقد جاء الفاتحون المسلمون إلى مصر تحت قيادة عمرو بن العاص عن طريق سيناء . ومنذ اللحظة الأولى لقصة الفتح الإسلامي ترددت أسماء أماكن ومواقع على أطراف شبه جزيرة سيناء ، أو فى داخلها ، فى سرديات الفتح : فقد كانت رفح والفرما من أوائل الأماكن التى وصلها الفاتحون المسلمون . كانت أحداث الفتح حربا ضد البيزنطيين الذين كانوا يحتلون مصر فى ذلك الزمان ؛ ولهذا ساعد المصريون المسيحيون فى الفرما ( قرب مكان بورسعيد حاليا ) الجيش المسلم ضد البيزنطيين ( الروم ) أعداؤهم المذهبيين والسياسيين . وقد أدى دخول مصر تحت راية الإسلام إلى جعل سيناء ذات أهمية دينية بالإضافة إلى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية التى نعمت بها طوال عصور تاريخ المنطقة إذ كان لابد من تأمين طرق الحج إلى الحجازعلى الطريق البري الذى يمر عبر  سيناء، وهو الطريق الذى كان يستخدمه المسلمون فى دول المغرب العربي الإسلامي ، ومناطق غرب ووسط أفريقيا الإسلامية ( وأهمها دولة مالى المسلمة ) ؛ إلى جانب موانئ البحر الأحمر الواقعة فى سيناء بطبيعة الحال .

وصارت مهمة تأمين طريق الحج البري عبر سيناء من أهم ركائز السلطة لمن يحكم مصر . ويبرز ” السلطان الظاهر بيبرس البندقداري ” مثالا واضحا على هذا ؛ فقد أمر بحفر الآبار ، وإقامة المنازل والاستراحات للحجاج ، ووضع حاميات عسكرية ومراكز للبريد لتأمين رحلة الحج . ومن ناحية أخرى ، كان محمل الحج المصري ( الذى يحمل كسوة الكعبة وما يلحق بها ) يخرج من القاهرة وقت الحج فى مناسبة اجتماعية / دينية مهمة : فقد كان يدور فى أنحاء العاصمة المصرية فى استعراض عسكري يقوده واحد من كبار أمراء الدولة ( أمير الحج) ، ومعه عدد من كبار رجال الدولة ، والأطباء من كافة التخصصات ، وإمام ومؤذن ، وعدد من أرباب الحرف والمهن لخدمة الحجاج فى هذه الرحلة الطويلة فوق رمال سيناء .

***

أما حديث الحرب فى قصة سيناء ، فلا يتوقف . ويبدو كما لو أن هناك زواجا كاثوليكيا لا انفصام له بين شبه جزيرة سيناء والحرب على الرغم من أن سيناء كانت تحلم دائما بالسلام . فمنذ طفولة التاريخ كانت شبه الجزيرة الجميلة أرضا للحرب مثلما كانت أرضا للدين والأساطير والقصص … والسعي نحو السلام . كانت سيناء المدخل الشمالي الشرقي الذى يدلف منه الغزاة الطامعون فى أرض النيل زمن الضعف والتدهور ، كما كانت البوابة الحارسة للبلاد والعباد منذ أيام قدماء المصريين حتى الآن . وعلى الرغم من أن بعض الغزاة جاءوا عن طريق البحر المتوسط ، فإن سيناء كانت المعبر المفضل للجيوش البرية دائما بسبب صعوبة سير الجيوش على أرض الدلتا إذا جاءت عن طريق البحر المتوسط  ( وكان فشل الحملة الصليبية الخامسة ، والمصير التعس الذى الذى لقيته الحملة الصليبية السابعة وقائدها الملك الفرنسي لويس التاسع فى المنصورة ، راجعا فى جزء منه إلى عدم ملاءمة أرض الدلتا لزحف الجيوش البرية ) . كما كانت الحدود الشرقية من ناحية البحر الأحمر ، والحدود الغربية آمنة بالقدر الذى جعل سيناء المصدر الأساسي للخطر .

تشهد الآثار على ذلك من أيام قدماء المصريين حتى محمد على باشا فى مطلع العصر الحديث : فقد أنشئت الحصون والقلاع ، وشقَت الطرق ، وحفرت الآبار فى كل عصور التاريخ المصري بسبب الحرب فى سيناء ؛ وكانت شبه الجزيرة دائما المفصل المتحكم فى أمن مصر . فإن كان الحاكم فى فلسطين والشام عدوا كانت سيناء مسرحا للحرب ، والعكس صحيح تماما . لقد كانت سيناء كلمة السر فى مسألة الأمن القومي المصري على امتداد تاريخها ؛ منذ الآشوريين والحيثيين والإسكندر المقدوني ، مرورا بالرومان الذين قضوا على آخر سلالة البطالمة ” كليوباترا السابعة ” صاحبة قصة الحرب والحب الشهيرة ، بعد معركة أكتيوم البحرية سنة 34 ق. م . وكذلك كانت طوال الحكم البيزنطي الذى استمر حتى الفتح الإسلامي سنة 641 م .

وعندما جاء جيش الفتح الإسلامي بقيادة عمروبن العاص ، ليعبر سيناء من الفرما التى كانت بلدة على فرع النيل البيلوزي ، الذى كان يعبر سيناء على مسافة حوالي اثني عشر ميلا شمال شرق قناة السويس ، ومدينة بورسعيد الحالية يبدو أن القوات الإسلامية سارت بمحاذاة فرع النيل البيلوزي الذى ظل موجودا ، قبل أن تطمره الرمال ، حتى القرن الثاني عشر الميلادي على أقل تقدير . وطوال حكم الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والدولة العباسية ، كانت سيناء مسرحا للحرب ومعبرا لجيوش تروح وتغدو لأسباب متنوعة . وكانت رفح والعريش والعقبة وأيلة والطور والقلزم ( قرب السويس الحالية ) مواقع مهمة تتردد أسماؤها بكثرة فى حكايات الحرب وقصص الصراع السياسي .

وفى عصر الحروب الصليبية ، وبعد احتلال الصليبيين مناطق فى فلسطين والشام ، صار الكيان الصليبي خطرا على مصر . وكان لابد لحكامها الفاطميين أن يجردوا الجيوش للقتال ضد الفرنج الصليبيين ؛ وكانت سيناء –  مرة أخرى – مسرحا للحرب وحكايات الحرب . فمنذ اللحظة الأولى كان سراب الاستيلاء على مصر يداعب خيال الصليبيين … وفى سنة 1118 م هاجم الملك الصليبي ” بلدوين ” مدينة الفرما ودخل سيناء . ويحكى المؤرخ الصليبي ” فوشيه الشارتري ” أن بلدوين هذا كان يتنزه ذات مساء على ضفاف فرع النيل البيلوزي فى سيناء ومعه عدد من كبارالفرسان ، وصادوا كمية من الأسماك . وأكلوها . وبعدها مات الملك بلدوين فى مدينة العريش بعد أن استبدت به آلام مبرحة ، ودفن فى القدس . وقد بقيت أصداء هذه القصة فى اسم بحيرة البردويل الحالية ( وهو تحريف عربي لاسم بلدوين ) ؛ وفى تلك الحكايات الأسطورية التى كان المسنون من بدو سيناء يحكونها حتى وقت قريب عن ذلك العملاق الأشقر ذى العينين الزرقاوين …

ولم يكف سراب الاستيلاء على مصر عن مداعبة خيال الصليبيين : فقد كانت مصر فى المراحل الأخيرة من عمر الدولة الفاطمية أشبه بالرجل المريض الراقد على ضفاف النيل الذى ينتظر الجميع موته لكي يستولوا على ميراثه ؛ بيد أنهم بدءوا الصراع والنزاع قبل موته . فلم يكن قد بقي لمصر الفاطمية من مجدها القديم سوى ظل باهت يتوه فى ضبابية مؤامرات القصر والتنافس على السلطة التى كانت قد تركت بأيدى الوزراء منذ فترة . وبسبب هذا التنافس والتنازع سنحت للصليبيين فرصة التدخل من ناحية ، كما اغتنم الفرصة نورالدين محمود قائد الجبهة الإسلامية  الفرصة للتدخل من ناحية أخرى . وجاء جيش الصليبيين بقيادة الملك الصليبي أمالريك (عمورى فى المصادر العربية ) ، والجيش الإسلامي بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه صلاح الدين الأيوبي . وتسابق الجيشان على أرض مصر خمس مرات على الأقل فوق أرض سيناء وانتهى الأمر بعد عدة تقلبات سياسية وعسكرية بظهور صلاح الدين قائدا لجبهة المواجهة مع الصليبيين … وفى تلك الفترة كانت سيناء أهم ميادين المواجهة العسكرية .

وقد ارتبطت سيناء بحكايات عديدة فى ملحمة الحروب الصليبية : بيد أننا سوف نكتفى بمثال واحد يتناول قصة الصليبي المتوحش ” رونالد دى شاتيون ” ، الذى عرفته المصادر التاريخية باسم ” أرناط ” ، وهي قصة ملؤها الإثارة والعنف . كان هذا الرجل الشيطان واحدا من صغار الأمراء ومن أصول اجتماعية غامضة حار فيها المؤرخون الصليبيون أنفسهم ؛ وكان يفتقر إلى أبسط قواعد الخلق بصورة فجة : فلم يكن يحفظ عهدا ولا ذمة  ، وكان أميرا على الكرك فى شرق الأردن مما شكَل تهديدا خطيرا على القوافل بين مصر والشام عن طريق سيناء . وفى سنة 518 هـ / 1182م قام أرناط بحملة خرقاء كانت فكرتها تختمر فى ذهنه منذ فترة . إذ إنه سار إلى أيلة بالقرب من العقبة على البحر الأحمر ومعه سفن مفككة محمولة على ظهور الجمال ؛ وأعيد تجميعها وأنزلت فى البحر الأحمر لتشن هجوما على السفن التجارية ، ثم تقوم بعملية إنزال على ساحل الحجاز بقصد هدم الكعبة ونبش قبر الرسول عليه الصلاة والسلام. وعلم صلاح الدين بالأمر وهو فى بلاد الشام فأمر بالقضاء على الأسطول الصليبي ، وقتل رجاله . وتم بالفعل تدميره وأسر من بقوا من بحارته على قيد الحياة . ولكن ما يزيد على مائة وسبعين فارسا من الصليبيين كانوا قد نزلوا بالفعل على الساحل وبدأوا يسيرون باتجاه المدينة المنورة . وطاردهم فرسان صلاح الدين حتى قبضوا عليهم وتم ذبح اثنين منهم مثل النعاج ، وأعيد الباقون إلى مصر حيث أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي بقتلهم .

ولكن قصة أرناط وعبثه النزق لم تنته بهذه الحملة المجنونة الفاشلة ، فقد هاجم قافلة تجارية على الرغم من الهدنة التى كان صلاح الدين قد عقدها مع الصليبيين . وكان ذلك مبررا لصلاح الدين لكي يشن هجومه على الصليبيين وإلحاق الهزيمة بهم فى معركة حطين سنة 1187 م التى كانت معركة كارثية بالنسبة لهم : فقد تم أسر الملك الصليبي وجميع قادة جيشه فى المعركة وكان أرناط من بينهم . وأطاح برأس أرناط السلطان صلاح الدين وفاء لعهد كان قد قطعه على نفسه….

ولم تنته قصة الحروب الصليبية بهذه المعركة بطبيعة الحال . فقد استمر الكيان الصليبي قائما لمدة تقترب من مائة سنة أخرى بسبب النزاع والتخاصم بين خلفاء صلاح الدين الذين فقدوا مملتهم ، وحل محلهم مماليكهم الذين أسسوا دولة سلاطين المماليك (1250 – 1517 م ) وجاءت نهاية الصليبيين على يدي السلطان الأشرف خليل بن قلاون سنة 1290 م … وفى هذه القصة أيضا كانت الجيوش تعبر سيناء لتشترك مع جيوش الشام والعراق فى قتال الصليبيين طوال عهد السلطان الظاهر بيبرس والسلطان المنصور قلاون .

وفى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي أدت الأمور إلى الإطاحة بالأيوبيين وصعود دولة المماليك . وفى عهد السلطان سيف اتلدين قطز ، خرجت الجيوش المصرية عبر سيناء لقتال المغول فى غزة وبلاد الشام وأحقت بهم هزيمة فادحة فى معركة عين جالوت سنة 658 هـ / 1260 م … واستمرت قصة العلاقة بين سيناء والحرب طوال عصر سلاطين المماليك إلى أن جاءت الجيوش العثمانية ، بعد هزيمة الجيوش المصرية بقيادة السلطان قنصوه الغوري فى مرج دابق  ودخلت مصر لكي تهزم طومانباي آخر سلاطين المماليك وتتحول مصر من دولة إقليمية كبرى إلى ولاية عثمانية .

ثم دار الزمن دورة من دوراته ، وجاء نابليون بونابرت إلى مصر من البحر المتوسط لكي يغزو مصر ، ولتكون سيناء شاهدا على حملته الفاشلة على فلسطين وعودته خائبا بعد ما جرى له ولجيشه أمام عكا . .. وفى عهد محمد على باشا عادت أقدام الجنود المصريين تدب على أرض سيناء ، وقاد ابنه إبراهيم باشا أعظم الحملات وعادت سيناء تتمتع بأهميتها السياسية والتنظيمية من جديد … ومضت الأيام محملة بتقلبات الزمن ، ثم احتل الإنجليز مصر ، وفى أثناء الحرب العالمية الأولى حرص الإنجليز على إخلاء سيناء خوفا من هجوم عثماني عليها .

ومن المفارقات التى تثير الدهشة والعجب أن الإنجليز الذين لم يروا فى سيناء سوى مسرح عمليات عسكرية قد أورثوا مفهومهم هذا لكل الحكومات المصرية التى جاءت بعدهم حتى الآن . وربما لم تستطع ثورة 1952م وما أفرزته من حكومات أن تغير هذا المفهوم لأسباب كثيرة .

التعليقات