نشر الإسلام : أسئلة الحاضر وإجابات المستقبل – بقلم الدكتور سليمان إبراهيم العسكرى

نشرت في أبريل 17, 2015 عن طريق - قسم الإسلام و المسلمين تاريخ دكتور سليمان إبراهيم العسكرى
0 Flares 0 Flares ×

فى منتصف القرن الثامن الميلادي وصلت الدولة الإسلامية إلى حدود شاسعة بقيت صامدة تلتها ، ولم يضف إليها لاحقا سوى فتح جزيرتي صقلية وكريت فى البحر المتوسط . هكذا أصبحنا أمام إمبراطورية إسلامية تماثل حجما وسكانا ، أو تتفوق على الإمبراطورية الرومانية فى أوجها ، ولم يكن يوازى هاتين الإمبراطوريتين مكانة سوى حكم أسرة تانج فى الصين . هذه الفتوح التى أسست لحضارة عربية إسلامية بقيت شواهدها حتى بعد أن اختفت الحدود القديمة وظهرت الالمخططات والتحديات الجديدة ، هى التى تدفعنا لمساءلة التاريخ حول أسرارها ؛ أسئلة تتعلق بالسرعة القياسية لتلك الفتوح ؛ والمدى الجغرافي الشاسع لها ؛ وتتناول مقومات البقاء الثابت الذى ظلت عليه .

تلك الأسئلة وسواها هى موضوع كتاب هيو كينيدى ” الفتوح العربية الكبرى – كيف غيَر الإسلام العالم الذى نعيش فيه ؟ ” ؛ الكتاب الذى صدر فى مصر بترجمة الدكتور قاسم عبده قاسم يحاول أن يفسِر الحاضر فى مرآة الأمس . وما أكثر الأسئلة ، فى الإسلام وحوله ،التى بأنا نقرأها فى الألفية الثالثة ؛ حتى بعد زوال الأثر السياسي للفتوحات العربية وعودتنا لسكنى حدود خريطة قسَمها الغرب لنا فى القرن العشرين .

المؤلف ، الذى درس اللغة العربية فى مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية فى بيروت،  واستكمل دراسته للعربية مع اللغة الفارسية فى كامبردج ، له مؤلفات فى المجال نفسه عن عصر الخلافة العباسية الأول ؛ وعن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد الخلفاء الراشدين ، وعن قلاع الصليبيين ؛ والإسلام فى إسبانيا والبرتغال ؛ فضلا عن محاضراته عن التاريخ المعماري .

وقد أراد كينيدى أن يقدم كتابا عاما للقارئ الغربي حتى إغنه لم يفته أن يضمِن الكتاب صورا لشواهد حضارية وخرائط لتلك الفتوحات الى قسَمها بين فتوح الشام وفلسطين والعراق ومصر وإيران والمغرب ، وبلاد ما وراء النهر وسمرقند وأقصى المشرق والمغرب .

حاول المؤلف أن يتناول وقائع الفتوح الإسلامية معيدا بناءها فى شكل سردي صريح . وقد استخلص من من تلك المسيرة الحربية لجيوش قليلة العدد ، مفعمة بالإيمان ، أنها فتوحات تميزت بالشجاعة والجسارة ؛ دون أن ينسى الإشارة إلى ما شابها من قسوة وتدمير : محاولا تقصى البراهين على ما يقوله والأدلة على ما يدونه .

فبعد أن كان الإسلام فى أيدى وفلوب وعقول سكان الجزيرة العربية ، وأطراف من صحارى الشام والعراق ، صار دينا لمناطق لا تتحدث بلغته وشريعة لبلدان تختلف تقاليدها .

لغة المنتصرين    

الشرق الأوسط الذى فتحه المسلمون فى تلك العقود الباكرة ، كان مجتمعا متعدد الثقافات، وعالما تعايشت فى رحابه لغات وديانات مختلفة فوق المساحة الجغرافية نفسها . وإذ تنجح الفتوح تصبح اللغة العربية لغة النخبة الجديدة حتى أنه فى العام 700 م أعلن الخليفة الأموي ” عبد الملك بن مروان ” أن اللغة العربية وحدها هي التى ستعتمد فى دواوين الدولة الأموية . وكان ذلك المرسوم فعالا . وأصبح بداية لتعلم اللغة العربية على نطاق واسع ؛ فمن كان يريد وظيفة فى الجهاز الإداري المتوسع بالدولة الأموية ، سواء كان عربيا أو غير عربي فى نسبه وتربيته ، سيكون مضطرا إلى تعلم اللغة العربية كتابة وقراءة . وكانت النقوش على العملات والإشارات على بوابات المدن والدروب كلها باللغة العربية . وكان هذا العصر بداية ، أيضا ، لجمع الموروثات العربية عن الفتوح وتدوينها .

لم تكن الحكايات العربية عن الفتوح سرديات يسيرة لمؤلف وحيد عن أحداث مباشرة ؛ بل كانت تآليف متعددة الطبقات تمرَ فى مراحلها المختلفة بتدوين ، وتحربر ، وإعادة كتابة . وتبدأ المرحلة الأولى بالنقل الشفاهي للقصص التراثية عن الأعمال البطولية فى المعارك تسجلها – كما كان العهد فى الجاهلية – قصائد البطولات وسير الملاحم ، وتتفق جميعا فى الإيعاز بأن نصر المسلمين كان برهانا قاطعا على أن الله سبحانه وتعالى معهم ، يؤازرهم بموت أعدائهم وارتفاع حصيلة الغنائم والأسلاب .

أمَا المرحلة التالية ، فكانت جمع تلك المادة الشفاهية وتدوينها . ويشير المؤلف إلى تلك الخطوة بدأت فى القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) خشية خطر ضياع تلك القصص التوثيقية ، وكانت ذات ضرورة لحفظ سجلات الحكم الإسلامي فى العراق ومصر آنذاك .. وكان الانفجار المعرفي الأول فى إنتاج الكتب متزامنا مع إنتاج الورق الذى حلَ محل الرَق (جلد الحيوان المجفف ) ؛ وذلك فى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين .

والطريف أن المؤلف – فى حديثه عن المؤرخين المسلمين فى القرنين الثالث والرابع الهجريين ( التاسع والعاشر الميلاديين ) – وصفهم بكلمة ” محررين ” مستندا إلى حقيقة جمعهم للتراث التاريخي الشفهي المتاح عن الفتوح الإسلامية المبكرة ، ولكن مترجم الكتاب استعان بكلمة ” المؤرخين ” التى عهدها القارئ العربي وصفا لكل مدونى تلك الأحداث .

على أن لغة النتصرين لم تكن أبجدية فحسب بل كانت أيضا مكانة مرموقة ؛ فالرجال الذين استطاعوا البرهنة على أن أسلافهم قد شاركوا فى الفتوح الإسلامية كانوا يشعرون أن من حقهم الحصول على رواتب من بيت المال . أما سكان المدن فربما كانوا يأملون فى تخفيف الضرائب عنهم لأنهم استسلموا صلحا للجيوش المسلحة . وهكذا تم حفظ قصص الفتوح ، ليس بسبب الاهتمام بإنتاج سرد تاريخي واضح فحسب ، بل لأنه كان هناك شعور بأن ذلك أمر مفيد . ولذلك ، فإن ما كان غير مفيد – مثل التاريخ التتابعي الدقيق للأحداث – كان يلقى به فى زوايا النسيان (وهو ما أنتج فجوات تاريخية بين الأحداث كما أثار العديد من الأسئلة حول التناقضات التى تضمها قوائم المحاربين والمنتصرين فى معركة ما . لذا تجد القصة التناريخية نفسها حائرة بين أسلحة المحرِرين ، قادة المعارك ؛ وأقلام المحررين مدونى المخطوطات .

وقد أدرك المحققون لتلك التواريخ الطبيعة المرتبكة والمتناقضة لما ورد فى المصادر العربية عن تلك الفتوح . وظهر فى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين من يبحثون على نطاق واسع لبيان صدقية هذه التواريخ الآتية عبر الموروثات الشفاهية .

فقد لاحظ ” ألبرخت نوث ” فى ألمانيا ، كيف أن الكثير من حكايات الفتوح كانت عبارة عن صياغات نمطية متكررة فى الكثير من الروايات النختلفة ؛ وكانت تنقل برمتها وبعض تفاصيلها من معركة إلى أخرى .

فالروايات التى تتحدث عن كيفية سقوط المدن فى أيدى قادة الفتوح العربية بسبب خيانة بعض السكان موجودة بكثرة فى حالات مختلفة تتم روايتها بشكل متشابه وبدرجة يصعب معها أن تكون حقيقية . كما بات أيضا ” ميخائيل كوك ” و ” باتريشيا كرون ” ( لندن ) وكثير من المؤرخين مترددين فى أخذ تلك الروايات على محمل الجد ، أو اعتماد التفاصيل التى تحتويها .

لكن المؤلف يقف أمام كل هؤلاء ليراجعهم بضرورة الالتحقق من آرائهم ، ليس فى ميزان ما رأوه من تناقض ، ولكن لأن هذه الروايات العربية لتاريخ الفتوحات يمكن التحقق منها – أحيانا – فى مقابلتها بالمصادر من خارج التراث الأدبي العربي. فالحولية السوريانية ، أو التاريخ الأرمني ، الذى كتبه سيبيوس – وكلاهما روايات لمسيحيين دونت فى غضون قرون من تلك الحودث التى يتناولونها ، ( وهي كذلك أقصر طولا وأقل تفصيلا من الروايات العربية )تؤكد الإطار العام للتاريخ العربي ؛ بل إنهما فى أحيان أخرى يؤكدان التفاصيل . ومثلا ، فحين تذكر المصادر العربية أن مدينة ” تستر” جيدة التحصين سقطت بأيدى المسلمين بسبب خيانة بعض السكان الذين بينوا للمسلمين طريق دخول المدينة عبر قنوات الماء المغطاة ، نجد أن مصدرا سوريانيا مسيحيا يحكى القصة نفسها بشكل مستقل ؛ بما يوحى بسقوط المدينة على نحو ما ذكرته المصادر العربية ، وبما يؤكد صدق ما يشكك به المؤرخون المحدثون

عمارة الأفكار  

فى غضون قرن من الزمان بعد الفتوح العربية الكبرى ، قامت مساجد فى الشام وفلسطين:  بدمشق وبيت القدس وجرش وعمان وبعلبك ؛ وفى مصر فى الفسطاط ؛ وفى إيران باصطخر وسوسة . صحيح أن قليلا من تلك المساجد الأولى لم يبق إل فى كتب الرحالة والمؤرخين العرب ، ولكن أدلتها الأثرية لا تزال حاضرة : حضر المسجد وحيدا شاهدا حضاريا ماديا وروحانيا ؛ ولم تحضر فى بداية الأمر مظاهر حضارية مادية أخرى لأن الأمر احتاج إلى عدة أجيال لتطوير صناعة – مثل الخزف على سبيل المثال – لصيقة بالحضارة العربية الإسلامية .

ولكن ما حضر كان أهم : إذ جاءت القيم التى يتحلى بها كثير من بدو شبه الجزيرة الذين شاركوا فى الفتوح الإسلامية الباكرة . فالشعراء يمجدون السرعة فى الكرِ والفرِ ، والقوة فى الحركة ، وامتياز جيادهم ، وجسارة أفرادهم . وقد أخذت جيوش الإسلام الكثير من تلك الأفكار معها إلى ساحة المعركة .

كما كانت هناك علاقات تكافلية حميمة تربط بين البدو ، سكان الجزيرة العربية والتجار والمزارعين المستقرين فى المناطق المستقرة : حيث ضمت بعض القبائل بطونا من المستقرين ؛ المزارعين والرعاة الرحل على حد سواء . وكان ذلك التكافل أساسا قامت عليه جيوش الفتوح الإسلامية الباكرة .

وقد أولى المؤلف جهدا لتفسير مفهوم الجهاد من خلال آيات القرآن الكريم ، إلا أنه قصر جهده على الآيات التى تحمل مفاهيم القتال وحدها من ناحية ، كما أنه لم يفرِق بين الآيات التى تتحدث عن الكفار ، وتلك التى تتحدث عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولم يحاول الاستفادة من آراء فقهاء المسلمين الذين عالجوا مفردة الجهاد وموضوعها . فتحدث عن “القتال ” ظانا أنه يتحدث عن ” الجهاد “؛ والفارق بينهما كبير وخطير . ويوضح الؤلف كم المغالطات المرتبطة باتلدين الإسلامي والفتوح العربية مثلما يكشف عن تلك الصورة النمطية السائدة عن الإسلام ، وهي الصورة المستنسخة اليوم فى الغرب عبر كتابات المفكرين ، وقرارات السياسيين ، والإنتاج الإعلامي مرئيا ومسموعا ومدونا .

فى شتاء عامي 636 م – 637 م أرسلت قوة من الجيش المسلم يقودها أبو عبيدة بن الجرَاح وخالد بن الوليد بالاتجاه شمالا من دمشق إلى حمص التى كانت حاضرة رومانية مهمة وحاصروها رغما عن برد قارص ظنَ المدافعون عن المدينة أنهم ظافرون لأن العرب لا يرتدون سوى النعال ، ولكن الحصار استمر حتى الربيع وارتفعت الأصوات فى المدينة تطلب الصلح ، خاصة أن رواية أخرى تشير إلى أن أسوار المدينة تعرضت لزلزال فدمر جلها تأكيدا للعناية الإلهية للفاتحين . والمهم أن الجيوش العربية عقدت الصلح ودفعت لهم الجزية ؛ كما أن الضرائب اختلفت وفقا لدرجة ثراء بعض السكان أو فقرهم . وضمن الفاتحون حياة السكان ، وحماية ممتلكاتهم ، وسلامة أسوار مدينتهم ، وأمان سواقى الماء وطواحينهم ، وكذلك كنائسهم ، فيما عدا كنيسة يوحنا التى ورد فى الطبري أنه تم تحويلها إلى مسجد . كما تصلحوا – فى رواية أخرى – على اقتسام الدور : فسكن المسلمون كل الأماكن الخالية وكل حديقة مهجورة ؛ ليبدأ الإعمار وفق ما جاءت به الجيوش الإسلامية من أفكار .

ضعف مقيم وقوة قادمة    

كان هناك ، إذن ، دافع ديني للفاتحين . قوَى لديهم إيمانهم بالدين والجنة فى الآخرة للشهداء منهم . وامتزجت تلك المثل التى حفزتهم بمثل عليا أخرى وجدت حتى قبل الإسلام يميزها الإخلاص للقبيلة ورعاية وشائج القربى ، وتمجيد المحارب البطل .

وقد رسخ المزيج الجديد من القيم الإسلامية والبدوية لدى تلك الجيوش فعادت كأنها لا تقهر . وكانت ملامح القوة القادمة الى تدمها الأفكار ممثلة فى جيوش المسلمين يقابلها ضعف للبنى السياسية القائمة ؛ وهو الضعف الذى ضمن نجاح الجيوش العربية .

لم تكن الجيوش هجرات جماعية ، بل ترك الفاتحون نساءهم وأطفالهم وشيوخهم وراءهم، وهو ما جعل من تلك الجيوش قوات نظامية . ولم تكن عائلات المحاربين تنضم إليهم إلا بعد تحقيق النصر . كان على هؤلاء أن يحاربوا ولو قلَ الزاد . فقد كانت لديهم خشونة فى العيش لا تبارى مقارنة بهؤلاء المنعمين فى قصورهم والمستقرين فى مدنهم . وكما كانت السماء جزءا مهما من حياة الصحراء : كانت لهم هاديا مبينا فى الليل فخفَ تحركهم ليلا . وكانت الصحراء والليل حليفين لهم فى كل معركة .

لكن الإشارة الواضحة فى قوة تلك الجيوش الفاتحة كانت تكمن فى نوعية القيادة ؛ فقد أنجبت النخبة من سكان مدن الحجاز ، ومعظمهم من قريش والقبائل المرتبطة بها ، معظم القيادات العليا . ولذلك تميز خال بن الوليد فى الشام ، وعمرو بن العاص فى مصر ، وسعد بن أبى وقاص فى العراق . ويشير المؤلف إلى جيل تال لا يقل عن سابقيه : متذكرا “عقبة بن نافع” فى شمال أفريقيا ، وطارق بن زياد وموسى بن نصير فى الأندلس ؛ وقتيبة بن مسلم الباهلي فى بلاد ما وراء النهر ؛ ومحمد بن القاسم فى السند .

كما تتحدث المصادر أيضا عن مجالس الحرب وما حرص عليه هؤلاء القادة من مشورة أهل الرأي بما يؤكد على طبيعة ديموقراطية للمجتمع المسلم الباكر . وكانت هذه القيادة ، فى جزء منها ، نتاجا للتقاليد السياسية فى المجتمع العربي : فقد كانت القيادة تنتقل عبر الأجيال فى عائلات بعينها ، وداخل عشائر محددة . ولكن كان على كل قائد أن يثبت نفسه لأنه إذا أخفق لا يشفع له كل ذلك ويتم استبداله والبحث عن سواه . . وهكذا يذكر المؤلف كيف كانت دهشة الملكة الأم الفارسية من أن أبناء القائد قتيبة بن مسلم الباهلي لم يرثوا مكانه ؛ وهو ما يوضح الفارق بين الثقافتين . كما أن بقاء القادة المستبدين غير الأكفاء لم يكن يدوم طويلا : ذلك أن عبيد الله بن أبى بكرة فى هراة ( أفغانستان ) والجنيد بن عبد الرحمن فى بلاد ما وراء النهر ، كانا رمزا للفشل فقصرت مدة قيادتهما فهجاهما الشعراء بقسوة .

وفى الوقت الذى كانت الكفاءة العسكرية فى اإمبراطورية البيزنطية تتدهور باستمرار بسببتمرد القادة العسكريين الراغبين فى الاستيلاء على عرش الإمبراطورية ، كان هناك تنظيم دقيق للعمل العسكري للفاتحين العرب ؛ وما يذهل المؤلف فى هذا الأمر هو الطريقة السلمية التى تقبل بها قادة ناجحون مثل خال بن الوليد وعمرو بن العاص وموسى بن نصير ، أوامر عزلهم من مناصبهم وإعادتهم إلى عاصمة البلاد لمواجهة المحاسبة .

مساءلة الحاضر ودروس الماضي   

إن قراءتى لكتاب هكينيدى عن ” الفتوح العربية الكبرى ” لم يكن من أجل التفاصيل الكثيرة التى تضمنتها صفحاته عن كل شاردة وواردة من الفتوحات بقدر ما كانت لاستخلاص أسباب هذا الانتشار الاستثنائي للفتوح الإسلامية فى وقت قياسي . وأقول إن محاولة فهم حاضرنا تبدأ من تلك اللحظة التى تركنا فيها مضارب الخيام فى رمالنا العربية كي ننشر أفكارنا خارج الحدود .

لكننا إذا كنا نمزج فى الماضى فى فتوحاتنا العربية بين السيف والقلم ، سلكين الحزم أحيانا والسماحة حينا ؛ فإن فتوحات القرن الحادى والعشرين يجب أن تسلك طريقا آخر ، يمكننا من تجاوز المساحات الجغرافية دون عوائق طبوجرافية ، ودون خسائر بشرية ، ومن غير أن نحيد عن عن المسلك القويم الذى أمرنا به ديننا الحنيف . لقد فرض الفاتحون المنتصون شروطا سهلة على المغلوبين ، وعقدوا اتفاقيات تحفظ أرواح هؤلاء وممتلكاتهم ، بما فى ذلك حقوقهم المرتبطة بدينهم . ولذلك لا يحق لنا فى فتوحاتنا اليوم – غير العسكرية بالطبع – أن نفرض على الآخر فى علاقته معنا شروطا أكثر إجحافا مما كان فبل ألف سنة ويزيد .

كما ندر أن يتعرض المهزومون من تدمير متعمد أو تخريب مقصود من قبل المسلمين عكس ما اشتهر به غزاة آخرون طوال التاريخ من وحشية مدمرة : وهو مات يؤكد أن الاعتدال فى الحكم كا من آيات النجاح فى الاستمرار به .

إن أسئلة الحاضر الكثيرة التى تبحث فى الواقع الذى صرنا إليه والصورة النمطية التى أصبحنا عليها ، والحال غير المقبولة لحضورنا فى الإعلام ، هى التى دعتنا لتقليب الصفحات داعين إلى فتوح جديدة أدواتنا فيها التنوير بالقيم النبيلة والتحرير بالقدوة الحسنة والانحياز إلى مسلك الديموقراطية وشروط العدل ومقومات الحرية .

التعليقات