أبواب القاهرة تتكلم رمزا – زهور وطيور وأشكال هندسية – بقلم دكتورة منى كامل العيسوى

نشرت في أبريل 12, 2015 عن طريق - قسم القاهرة تاريخ مدن مصر موضوعات عامة
0 Flares 0 Flares ×

 الأبواب الشعبية فى مصر أحد أنماط التشكيل الشعبي ، على اختلاف أنواعها وأساليبها الفنية ، حيث تميزت بسمات خاصة إلى جانب ما تحمله من معان ورموز توارثتها الأجيال بحكم ما نشأوا عليه من التمسك بالمعتقدات والعادات والتقاليد ؛ فضلا عن تأثير البعد التاريخي المتمثل فى أشكال الأبواب والعتب والعقود الى كانت نتاج عهود من التطور وتركم الخبرات. وإذا كانت العادات والتقاليد تمثل جاتبا معنويا من الثقافة الشعبية ، فإن الإنتاج الحرفي ، ومنه ما تحمله الزخارف الشعبية على الأبواب من دلالات ، يسميه بعض الباحثين ” الثقافة المادية ” .

فقد كانت خامة الخشب مجالا خصبا للإبداع التشكيلي الشعبي من حيث إمكانية تنفيذ معظم الوحدات الزخرفية على الخشب بواسطة الأساليب المتنوعة  كالحفر البارز والغائر بسبب الطبيعة اللينة نسبيا للألياف الخشبية . وتاريخ الفن عامة حافل بأشكال الإبداع الفني فى هذا المجال ؛ إذ يتم تنفيذ الحفر على الخشب لتنفيذ الزخارف على شكل وحدات هندسية تتكون من المربع ، والمثلث ، والسداسي ؛ فضلا عن الزخارف النباتية وأشكال الطيور والحيوانات بل والبشر .

ومن أجمل الأبواب الخشبية التى تحمل مثل هذه الزخارف الهندسية والنباتية ما يوجد فى كنيسة مار جرجس ، وكنيسة القديسة بربارا فى حي مصر القديمة ؛ وما يحفظه متحف الفن الإسلامي من الأوباب القديمة التى نجت من عوادى الزمن . ومن المهم فى هذا المقام أن نشير إلى أن الزخارف الفنية كانت جزءا من المشهد البصري العام فى الحياة المصرية ؛ مما يعنى أن العمل الفني لم يكن منعزلا عن الحياة اليومية والاستخدام اليومي . ولم تكن تلك الأعمال الفنية مجرد ” قطع فنية ” يتم اقتناؤها ووضعها داخل الجدران ؛ وإنما كانت تعيش مع الناس وتعايشهم …. ولم تكن أبواب بيوتهم استثناء فى ذلك بطبيعة الحال .

وربما كانت هذه الأمثلة التاريخية مخزونا فكريا وبصريا للفنان الشعبي . ومن المرجح أن هذا المخزون كان وراء ذلك النتاج الفني المتنوع من الأبواب الشعبية فى الكثير من شوارع القاهرة المعزية وحاراتها ، وفى سائر المناطق المصرية فى الريف والحضر . وهذه النماذج تؤكد قدرة الفنان الفطرية الإبداعية على الجمع بين أكثر من أسلوب فني فى عمل واحد ؛ فقد استخدم الفنان الشعبي فى الأبواب أسلوب التلوين فى مساحات بالألوان الزيتية مع الزخارف النباتية المجردة والهندسية فى بابين مختلفين متجاورين … ومن ناحية أخرى ، استخدم الفنان الشعبي أسلوب التركيب الذى يتم باستخدام الأشكال الهندسية المجردة كالمربع ، والمثلث ، اللذين يتم تشكيلهما بالقواطع الطولية ؛ ثم تثبت على الباب . كما استخدمت أيضا الوحدات الزخرفية الأخرى التى تم حفرها يدويا باستخدام ” الدقماق ” : وهو ما يعرف باسم ” الأويما ” .

وقد حملت الأبواب الشعبية الكثير من الموضوعات ذات الصبغة الاجتماعية ؛ وهو ما يعكس رغبة الإنسان فى إشباع حاجاته المعيشية ، وخلق أشكال فنية فى الوقت نفسه . ومن خلال الحوار بين الخطوط ، والألوان ، والحركة الإيقاعية تتكون الأشكال ذات الدلالة لكي تصير موضوعا يرمى إلى مغزى معين ؛ فتتحول قطعة الخشب إلى قطعة من الأثاث ، أو قطعة ذات استخدامات متنوعة ، ولها دلالات ذات وظائف معينة لكي تلبى احتياجات الإنسان المادية العملية والفكرية فى آن واحد . ومن هنا يأتى الشكل الفني فى صورته النهائية بما يحمله من مضامين فكرية ، ورموز تحمل حكمة الجماعة البشرية وتعاليمها .

اعتمد الفنان الشعبي فى زخرفة الأبواب الشعبية على الأشكال الآدمية والنباتية والطيور فى صورتها الطبيعية أحيانا ؛ أو بعد تحويرها إلى أشكال تجريدية وخطوط فى أحيان أخرى تجسيدا لبعض المعاني الرمزية المراد التعبير عنها .

ومن بين الموضوعات الرمزية التى شكلها الفنان الشعبي ، استخدام تصوير المرأة لتجسيد معانى الأمومة والخصوبة . ورمز المرأة اكتسب أهمية تاريخية فى مختلف الحضارات الإنسانية القديمة : ففى الحضارة المصرية القديمة ظهرت المرأة على شكل الربة حتحور ، كما اتخذت شكل الربة إيزيس  فى فترة تاريخية لاحقة فى الأعمال الفنية . كذلك كان شكل “الطائر” من بين الأشكال التى استخدمت فى الأعمال الزخرفية ؛ واستخدم هذا الشكل فى أشكال متعددة : إما ناشرا جناحيه  أي الطائر المجنح فى الرسوم المصرية القديمة وإما بوضع طائرين متقابلين وبينهما شجرة عرفت فى مصطلحات الفن الشعبي باسم ” شجرة الحياة ” . هذا التكوين ينتشر فى معظم الأعمال الشعبية بشكل عام ، ولا يقتصرعلى الأبواب وحدها . وهو ما يؤكد الاستمرارية الثقافية الإبداعية نظرا لانتشار هذا الشكل فى الفنون الإسلامية عامة .

ومن أكثر الوحدات الهندسية استخداما فى الأبواب الشعبية ” المثلث ” . وقد برع الفنان الشعبي فى تناوله بأكثر من شكل : ومن الأمثلة الدالة على ذلك ، تكراره أحيانا ، أو التقاء أربعة مثلثات عند الرأس بشكل تعاقبي لتكون بذلك شكل المربع . وهذا التصميم  الذى يعرف باسم وحدة ” المفروكة ” شاع استخدامه فى غالبية أبواب المساجد القديمة . هذا التصميم يتميز بجماله وحيويته التى تنبع من الحركة المحققة بصريا .

لقد ضاعفت الطبيعة ، فى عطائها السخي ، من إثراء الناتج التشكيلي . وقد أدى اهتمام الفنان الشعبي بالسطح المتمثل فى مساحة الباب إلى إنتاج العديد من التصميمات المتنوعة المعتمدة على الزخارف النباتية و الطيور المستمدة من الطبيعة ؛ والزخارف الهنسية المجردة ، التى ظهرت بالتماثل ، أو التناصف ، أو التكرار – وكلها من أهم سمات التشكيل الشعبي . وكان النخيل يمثل أهم هذه الوحدات الزخرفية النباتية ؛ أنه يرمز إلى الإنتاج الغزير ، كما أنه يمثل معنى الخصوبة والازدهار فى المعتقد الشعبي .

وكان هناك جزء فى الأبواب الشعبية القديمة يسمى ” العتب ” : ويوجد أسفل الباب من الخارج ويصنع من الخشب . والعتب عبارة عن عنصر معماري مهم ؛ وظيفته الربط بين الأعمدة الرأسية الى يقوم عليها الباب ليحقق عنصر المتانة فى المبنى . وقد ذكره الأستاذ أحمد تيمور فى كتابه الموسوم ” التصوير عند العرب ” باسم ( الأسكفة ) وعرفها بأنها خشبة الباب التى يوطأ عليها . وغالبا ما كان أسلوب الحفر الغائر يستخدم لكتابة بعض النصوص على العتب ؛ وربما كانت بعض هذه النصوص تتضمن بعض الأدعية أو نحوها . ومن الأمثلة الدالة على مثل هذه النصوص ذلك النص الذى حفر على عتب أحد البيوت فى قرية مصرية ؛ ويقول النص : ” ألا يا دار ، لا يدخلك حزن ولا يغدر بصاحبك الزمان ” .

ومن أشهر الأعتاب التاريخية ، العتب الموجود فى الكنيسة المعلقة فى ناحية مصر القديمة الذى يمثل يسوع فى القدس يوم أحد الشعانين . وقد حمل مسجد السلطان بيبرس عتبا من الرخام  ذكر المؤرخ أبن طولون فى كتابه ” مفاكهة الخلان ” عن ذلك العتب ما نصه : ” … كان من عجائب الدنيا ، يشرف على الميدان الأخضر شرفة أنشأها الظاهر ركن الدين بيبرس عقب رجوعه من حجته فى المحرم سنة ثمان وستين وستمائة ، كذا رأيت هذا التاريخ أعلى بابه الشمالي ، وعلى أسكفته ضرب خيط من رخام أبيض ، ووسطه مكتوب عمل إبراهيم بن غنام المهندس ؛ ولم يزل اسمه منقوشا حتى اليوم …”

ومن ملحقات الأبواب أيضا العقود : وهى أجزاء من العمارة الخارجية المتصلة بالباب . وقد برع الفنان الشعبي فى زخرفة العقود سواء المصنوعة من الخشب أو المصنوعة من المعدن . وكانت تلك العقود تفيض ثراء وإبداعا وتشى بالتنوع الموضوعي والزخرفي . ومن ناحية أخرى ، أثبت الفنان الشعبي قدرته الفائقة على تشكيل الحديد فى عقود الأبواب ، وخلق تناسقا بين الخط الزخرفي والفراغ الذى يشكل بدوره وحدات زخرفية أخرى مما يزيد من قدرة الفنان الإبداعية على تطويع هذه الخامة للتشكيل الفني على الرغم من صلابتها .

ويتم التصميم الخارجي للعقد على شكل نصف دائرة ؛ وتنبثق الزخارف من منتصف الدائرة على شكل خطوط إشعاعية ، أو وحدات زخرفية مجردة متناسقة مع الحركة الإشعاعية ولكنها تنحنى فى نهايتها لتأخذ الشكل اللولبي .

ومن مكملات الباب أيضا كانت أداة الطرق على الباب التى أطلق عليها اسم ” السماعة “؛ وغالبا ما كان يتم تثبيتها على الناحية اليمنى من الباب نفسه .ويتم تشكيلها من الصلب على هيئة يد أنثوية تؤكدها التفاصيل المجسمة بالحفر . ولكن السماعة كانت توجد أحيانا فى شكل هندسي بسيط .

***

من هذه الأشكال الفنية التى أبدعها الفنان الشعبي عل الأبواب الشعبية نجد أن الفنان قد حقق قدراته الفائقة فى تشكيل الخامات التى عمل بها ؛ وكذلك فى معالجة الوسيط الذى يتناسب معها مما أثرى الساحة الفنية بالكثير من الأعمال التشكيلية الشعبية التى حفظها لنا الزمان على الأبواب الشعبية بحيث حقق المزاوجة بين رموز مجتمعه وحسه الذاتي من ناحية ، وخدم حاجات الحياة اليومية فى مجتمعه من ناحية أخرى . ومن ثم ، تأكدت وحدة الأداء فى امتزاج القيم الجمالية بالقيم النفعية لأن التزاوج بينهما يتم باتقان بغية الوصول إلى المعاني الجوهرية التى يحملها العمل الفني . كما أنه يصعب تماما الفصل بين أهمية الشكل من الناحية الجمالية ، والقيمة النفعية التى تجسدها كل أجزاء الأبواب الشعبية . ومن ناحية أخرى ، لم يكن الشكل الفني الخارجي للباب وزخارفه ثابتا ، وإنما كان يتغير باستمرار بتغير الزمان وما يجلبه من تطورات : سواء من حيث وظيفة الفن أو من حيث تطور المجتمع نفسه .

التعليقات